story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حقوق وحريات |

ظلُّ سنوات الرصاص يخيم على قبة البرلمان بسبب “الكوميسير عرشان”

ص ص

أعاد ظهور محمود عرشان في مجلس المستشارين، خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، ملف سنوات الرصاص والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي في المغرب، بعدما انتقد ما وصفه بالرقابة على صور استقباله خلال مشاورات تشكيل الحكومة، قبل أن يتحدث عن “الجلادين الحقيقيين” ويعلن استعداده لمناظرة تلفزيونية.

وفتحت مداخلة عرشان، المفوض السابق للشرطة، الباب أمام موجة من التدوينات التي انتقدت استمراره في الحياة السياسية والتمثيلية، واستحضرت الاتهامات الحقوقية المرتبطة بماضيه الأمني، فيما ربط أصحابها بين الواقعة ومآل هيئة الإنصاف والمصالحة، ومطالب الكشف عن الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وعدم تكرارها.

عرشان يتحدى منتقديه

وخلال مداخلته بمجلس المستشارين، وجه عرشان عتابا إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بسبب طريقة تقديم الاستقبال الذي خصصته لوفد الحركة الديمقراطية الاجتماعية خلال مشاورات تشكيل الحكومة، بحضور فوزي لقجع وأحمد أخشيشن وعبد اللطيف وهبي، معتبرا أن التغطية الإعلامية أظهرت المنصوري كما لو أنها استقبلته بمفردها.

وقال عرشان إن ذلك يمثل، بحسب تعبيره، “بداية سيئة بالنسبة لحكومة الأصالة والمعاصرة”، قبل أن يدافع عن نفسه وعن حزبه، قائلا: إن هذا الشخص المتواضع الذي يتحدث إليك، والمسؤولين في الحركة الديمقراطية الاجتماعية، من أنقى ما يوجد في الساحة السياسية، وأقول لك ذلك بكل تواضع”.

وفي سياق رده على الانتقادات الموجهة إليه، دعا عرشان رئيسة الحكومة إلى وضع حد لما وصفه بالخرافات والأقاويل المتداولة، قبل أن يعلن استعداده لمواجهة من يتهمونه بالتعذيب عبر مناظرة تلفزيونية، قائلا: “إذا أردنا العودة إلى ملف الجلادين ومعرفة هوياتهم، فنحن مستعدون لمواجهتهم على شاشة التلفزيون”.

كما وصف منتقدي ماضيه الأمني بـ”الطابور الخامس”، داعيا إلى صون الذاكرة الوطنية، ومؤكدا في الوقت نفسه دعمه لرئيسة الحكومة ورغبته في نجاح تجربتها.

الـAMDH: ظهوره إساءة للمغرب

وتعود خلفية هذا الجدل إلى الاتهامات الحقوقية التي ارتبطت باسم عرشان على خلفية عمله مفوضا للشرطة (كويمسير) خلال سنوات الرصاص، ولا سيما ماضيه الحقوقي داخل معتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء.

وفي هذا الصدد، اعتبر فاروق المهداوي، نائب رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH)، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن استمرار حضور أشخاص يرتبط اسمهم بسنوات الرصاص في الحياة السياسية يمثل “إساءة إلى المشهد السياسي المغربي وإلى ضحايا تلك المرحلة”.

وقال المهداوي: “القبول بمواصلة ظهور جلادي زمن الجمر والرصاص في الساحة السياسية يُعد إساءة حقيقية للمشهد السياسي المغربي. وهي إساءة حقيقية لأن المغرب كان قد قطع أشواطاً متقدمة فيما يتعلق بالإنصاف والمصالحة وما سُمي بـ ‘العهد الجديد’.”

وأضاف أن استمرار هؤلاء الأشخاص في المشهد السياسي، في نظره، يؤكد عدم القطع مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مشيرا بشكل خاص إلى معتقل درب مولاي الشريف، الذي كان عرشان على رأسه.

وأوضح المهداوي إن: “ظهور هؤلاء المتورطين في جرائم ضد الإنسانية، وفي تعذيب المناضلين وإخضاعهم لشتى أنواع التنكيل داخل المعتقلات السرية يؤكد أن المغرب لا زال متمسكاً بالانتهاكات التي مُورست، ولم يقطع نهائياً مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”.

وتابع المهداوي، في معرض تعليقه على ظهور عرشان تحت قبة البرلمان: “وأنا لا أعتبر هذه الخرجات مجرد تلميع للصورة، بقدر ما أعتبرها إساءة للدولة المغربية، وإساءة لكل الفاعلين السياسيين في المغرب ولضحايا تلك السنوات”، مشيراً إلى أنها أيضا “استفزاز صريح لمشاعر الضحايا وعائلاتهم؛ الذين يعرفون جميعاً من هو عرشان وما هو التعذيب الذي مارسه عليهم”.

انتقادات حقوقية

ومن جهته، اعتبر الأستاذ الجامعي خالد البكاري أن مداخلة عرشان تعيد طرح مسألة المصالحة مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، منتقدا عدم ترتيب المحاسبة على ما شهدته سنوات الرصاص.

وكتب البكاري: “سقط شعار هيئة الإنصاف والمصالحة: حتى لا يتكرر هذا،،، لقد تكرر وتكرر وتكرر …”، قبل أن يلخص موقفه بالقول: “لم يتحقق الإنصاف وتحققت المصالحة. المصالحة مع الجلاد”.

كما تساءل البكاري عن إمكان تحقيق المصالحة من دون الحقيقة والمحاسبة، مستحضرا انتقال تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، بحسبه، من مطلب الحقيقة إلى “التركيز على المصالحة، والإخفاق في الوفاء بوعود الإنصاف للضحايا”.

أما الصحافي علي أنزولا، فانتقد وجود عرشان داخل البرلمان واستمرار حصوله على تعويضاته من المال العام، بينما “تظل أسئلة الحقيقة والمحاسبة معلقة”.

وكتب أنزولا: “من المخزي والعار أن يجلس داخل البرلمان، الذي يُفترض، وفق الدستور، أن يضم ‘ممثلي الأمة’، أحد جلادي سنوات الرصاص، كومسير مَسْلَخ ‘درب مولاي الشريف’ السيء الصيت، الذي يُنسب إليه قتل المقاوم ‘شيخ العرب’، وأن يتقاضى تعويضاته، دون مقابل، من أموال دافعي الضرائب، بينما تظل أسئلة الحقيقة والمحاسبة معلّقة، ثم يخرج اليوم من أعلى منبر في البرلمان ليُهين ذاكرة الشعب ويستخف بذكائه!”

واعتبر أنزولا أن مسار هيئة الإنصاف والمصالحة انتهى دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، مشيراً إلى أن ذلك “كرس الإفلات من العقاب وفتح الباب أمام تكرار الانتهاكات”.

من جانبها، رفضت الأستاذة الجامعية والحقوقية لطيفة البوحسيني تقديم عرشان لنفسه باعتباره سليل أشراف الأسرة الإدريسية، وردت عليه بالقول: “قال عرشان لبنت الصالحين، أنا سليل الشرفاء الأدارسة. لا، أنت جلاد مفترس برعت في تعذيب شباب في عمر الزهور وساهمت في أذية الأمهات”.

بدوره، ربط إبراهيم النافعي، القيادي في حزب النهج الديمقراطي العمالي، بين حديث عرشان عن عضويته في المجلس الوطني للمقاومة وجيش التحرير وبين الذاكرة التاريخية للمقاومة المغربية، معتبرا أن ذلك “يمثل إهانة لها”. وأكد على أن “الجرائم السياسية لا تسقط بالتقادم”، داعيا إلى “العدالة الشعبية لإنصاف الشهداء والضحايا وتحصين الذاكرة من النسيان”.

مساءلة المنصوري و”البام”

وامتد الاستياء من ظهوره إلى مساءلة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري وحزب الأصالة والمعاصرة، على خلفية استقبال عرشان خلال مشاورات تشكيل الحكومة، وما كشفه بنفسه في مداخلته عن حضور ثلاثة مسؤولين من الحزب خلال اللقاء، في إشارة إلى وهبي ولقجع.

واعتبر حسن بناجح، القيادي في جماعة العدل والإحسان، أن استضافة جرى يكشف “تناقضا صارخا يورط وجوها كان لبعضها ماض يساري ‘نضالي’، ومن يحمل رفاقهم في السجون الذكريات الأليمة لبطش هذا الجلاد. لكن السلطة والمناصب تجبّ ما قبلها”.

وانتقد ظهور عرشان في البرلمان، قائلا إن تحوله إلى موقع يوجه منه الانتقادات إلى الحقوقيين والمدافعين عن المحاسبة “يمثل إهانة للضحايا والمعتقلين السياسيين”. وكتب بناجح: “حين تفرغ المؤسسات من كل شرعية أخلاقية وسياسية، يصبح طبيعياً جداً أن يتحول البرلمان المنبثق من فقدان الثقة إلى منصة لتبييض الماضي الأسود”.

من جهته، اعتبر جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، أن عرشان استغل ظهوره في مجلس المستشارين لانتقاد قيادات في حزب الأصالة والمعاصرة التقت به خلال مشاورات تشكيل الحكومة، ثم حاولت إخفاء ذلك.

وكتب العسري: “عرشان وبعد أن استعمله صانعو البام لتذكير ضحايا سنوات الرصاص بما عانوه، ولتذكير مناضلي اليوم بأنه لم يتم دفن الماضي بعد. استغل اليوم مؤسسة مجلس المستشارين ليفضح قيادات الحزب الجبانة، والتي التقت به وحاولت إخفاء ذلك”.

دعوات إلى مناظرة

وفي مواجهة وصف عرشان منتقديه بـ”الطابور الخامس” ودعوته إلى مناظرة، دعا عزيز غالي، الرئيس السابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى تحويل التحدي الذي أعلنه إلى مبادرة حقوقية عملية، من خلال تشكيل لجنة تحضيرية مفتوحة للإعداد لجلسة استماع شعبية علنية يوم 10 دجنبر المقبل، تزامنا مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

وتقوم المبادرة، حسب غالي، على مشاركة الضحايا وشهود المرحلة، وتوثيق شهاداتهم، وفتح نقاش عمومي بشأن التعذيب والاختفاء القسري وسبل كشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.

وكتب غالي: “يا عرشان، لن نكتفي بالرد على اتهاماتك؛ سنفتح المجال أمام الشهادات والوثائق، لأن الحقيقة لا تخيف إلا من يخشى انكشافها”.

كما أعلن عز العرب حلمي، المستشار الجماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي بمدينة تيفلت، قبوله تحدي عرشان واستعداده لمناظرته علنيا. وقال حلمي إنه بدأ مساره الحقوقي والسياسي سنة 2011، واطلع على تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة والتقى بضحايا التعذيب واستمع إلى شهاداتهم.

وقال: “بعد دعوته (عرشان) اليوم إلى مناظرة علنية، أعلن بدوري قبولي التحدي واستعدادي لمناظرته، وفاءً لتضحيات المعتقلين والشهداء، وانتصاراً لذاكرة شعبنا ونضاله من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية”.

وكان عرشان قد تولّى رئاسة المصلحة الجهوية للشرطة بمفوضية درب مولاي الشريف في الدار البيضاء، وهو مركز ارتبط بالاعتقال والتعذيب خلال سنوات الرصاص. وسبق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن أصدرت، يوم الجمعة 2 أكتوبر الجاري، بيانا انتقدت فيه استقبال رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري لوفد الحركة الديمقراطية الاجتماعية، الذي ضم عرشان، مشيرة إلى ارتباط اسمه بمرحلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإلى شهادات ضحايا حول التعذيب وسوء المعاملة والاعتقال التعسفي. كما دعت الجمعية إلى كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، وعدم الإفلات من العقاب.

وسبق للجمعية أن أدرجت اسم عرشان، سنة 2001، ضمن لائحة تضم 45 شخصاً اعتبرتهم مسؤولين مفترضين عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص. وفي 2018، أثارت الميدالية الذهبية التي منحه إياها مجلس الشيوخ الفرنسي جدلاً، وقعت على إثره 25 جمعية وأكثر من 100 شخصية رسالة مفتوحة اعترضت على تكريمه، معتبرة الخطوة إساءة إلى ذاكرة الضحايا والمقاومين.