شبابٌ ساسة؛ بأي معنى؟
يُعدّ الفراغ أخطر ما يمكن أن يصيب الحقل السياسي، لأن هذا المجال لا يعرف التوقف. حين تتراجع الكفاءة، تستمر الحركة، ولكن في اتجاه معاكس؛ وحين يغيب أصحاب الموقف، يتقدم من يمتلكون قابلية شغل المواقع دون امتلاك تصور لما يفعلون بها. هكذا يتحول الفراغ إلى آلية اشتغال صامتة، تعيد ترتيب الواجهة السياسية، بينما يبقى الجوهر على حاله.
الحديث عن هذا الفراغ يستدعي العودة إلى السياسة بوصفها مفهومًا مؤسِّسًا للحياة العامة. في هذا السياق، تبرز أطروحة حنة آرندت التي ربطت السياسة بالفعل المشترك في الفضاء العمومي، حيث يتقاطع القول والفعل، وحيث تُصاغ المسؤولية من خلال المشاركة الواعية في الشأن العام. السياسة، وفق هذا التصور، ليست تقنية تدبير، ولا مجرد تنافس على النفوذ، فهي أساسا، ممارسة تُنتج المعنى، وتُحدد اتجاه الجماعة، وتُحمّل الفاعل كلفة اختياراته أمام المجتمع.
انطلاقًا من هذه الرؤية، يتضح أن الإشكال لا يرتبط بحضور الشباب من حيث العدد، وإنما بطبيعة هذا الحضور. فالشباب السياسي لا يُعرَّف بالسن، وإنما بالقدرة على الفهم والتحليل، والاستعداد لتحمل تبعات الموقف، والقدرة على تحويل القناعة إلى ممارسة داخل مؤسسات معقدة. حين تنفصل المرجعيات السياسية عن بعدها القيمي، تفقد قدرتها على التوجيه، وتتحول الانتماءات إلى علامات تعريف فارغة، لا أثر لها في السلوك السياسي اليومي.
ضمن هذا الإطار، يفرض نفسه سؤال غالبًا ما يُطرح بصيغة دعائية: هل السياسة في حاجة إلى الشباب؟
التاريخ السياسي يبين أن السياسة في حاجة إلى فاعلين قادرين على قراءة التحولات، واستيعاب السياقات، وتجديد الأدوات. وقد يكون الشباب أكثر استعدادًا لهذا الدور بحكم موقعهم الزمني، غير أن هذا الاستعداد لا يتحقق تلقائيًا. ولكن حين يُستدعى الشباب لتزيين المشهد أو لإضفاء مسحة حداثية على بنى تقليدية، يتحول حضورهم إلى عنصر رمزي، وتُستعمل “الشبابية” كوسيلة تواصلية لا كقوة تغيير.
تتقاطع عند هذه النقطة مسؤولية الدولة بشكل واضح. فالدولة تمتلك كفاءات عالية، وتستثمر في إعداد نخب شابة داخل مؤسسات ومعاهد ومنظومات تكوين متقدمة، توفر شروط التفكير الاستراتيجي وصناعة القرار. غير أن هذه المسارات تبقى محصورة داخل دوائر محددة، وبشروط ولوج لا تعكس ما هو متاح لغالبية الشباب داخل المجتمع. ينشأ عن ذلك تباين حاد بين شباب يُهيَّأون لتحمل مواقع التأثير الفعلي، وشباب آخر يُطلب منه الاكتفاء بأدوار تمثيلية محدودة في المجال العمومي، دون تمكين حقيقي من أدوات الفعل.
هذا التباين ينعكس على طبيعة المشاركة السياسية. حين يصبح التقدم مشروطًا بالانسجام مع ما هو قائم، وتتقلص مساحات المبادرة، تفقد السياسة بعدها التربوي، ويتحول الانخراط إلى مسار ضبط أكثر منه تجربة تعلم جماعي. كثير من الشباب، أمام هذا الواقع، يختار الانسحاب الهادئ، أو يكتفي بحضور صامت لا يراكم تجربة ولا يُنتج أثرًا.
أما على مستوى الأحزاب السياسية، فالصورة أكثر تركيبًا، ولا تستقيم مع التعميم. فهناك تفاوت واضح بين الأحزاب من حيث درجة الانفتاح الداخلي، وآليات التكوين، وإمكانيات الترقي التنظيمي. غير أن إشكالية مشتركة تظهر بدرجات متفاوتة، وتتجلى في وضعية العضو المتقدم فكريًا والمتأخر تنظيميًا. هذا النوع من المناضلين يمتلك قدرة تحليلية ووعيًا نقديًا، لكنه يصطدم بمنطق تنظيمي يربط الموقع بالولاء والتوازنات أكثر مما يربطه بالإضافة الفكرية.
ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا حين نلاحظ أن الانقسامات الإيديولوجية الكلاسيكية لم تعد، في كثير من الأحيان، محدِّدًا حقيقيًا لطبيعة الممارسة الحزبية. فالتمييز بين ليبرالي ويساري ومحافظ، أو بين يمين ويسار، أصبح في الواقع السياسي المعاصر أقل قدرة على تفسير السلوك السياسي الفعلي. تتشابه الخطابات، وتتكرر المفردات نفسها، وتُستعمل القضايا ذاتها بمرجعيات متقاربة، إلى درجة يصعب معها تمييز الفاعلين إلا من خلال مواقعهم التنظيمية لا من خلال تصوراتهم. هذا التنميط الخطابي يُفرغ الاختلاف من مضمونه، ويجعل الصراع السياسي صراع تموقع أكثر منه صراع رؤى، وهو ما ينعكس مباشرة على دور الشباب داخل الأحزاب، إذ يُطلب منهم الانضباط لخطاب جاهز، لا المساهمة في إنتاج تصور بديل أو إعادة بناء المرجعية على ضوء التحولات المجتمعية.
وفي ذات السياق، تكتسب فكرة غرامشي حول المثقف العضوي دلالتها العملية. فالمثقف المرتبط بقضايا مجتمعه، حين لا يجد فضاءً يحتضن أسئلته ويمنحه موقعًا يتناسب مع إسهامه، يتحول إلى عنصر مُربك داخل التنظيم. يتم استنزافه أو تحييده تدريجيًا، بينما يُفتح المجال أمام فاعلين يجيدون التدبير اليومي وتنفيذ التوجيهات، دون قدرة على مساءلة الاتجاه العام. هذه المفارقة لا تشمل جميع الأحزاب بالقدر نفسه، لكنها تظل حاضرة بما يكفي للتأثير في نوعية النخب التي يتم إفرازها.
تفضي هذه الدينامية، في مجموعها، إلى مشهد مألوف، حيث الشباب حاضرون في الصور واللوائح، ولكن محدودو التأثير في القرار؛ تنظيمات قائمة تنظيميًا، ضعيفة في إنتاج المعنى؛ وممارسة سياسية تُدار بمنطق الاستمرارية أكثر من منطق التحول. تتغير الوجوه، بينما يستمر المنطق نفسه في إعادة إنتاج الفراغ.
الرهان الحقيقي، في ظل هذا الواقع، لا يتعلق بتكثيف الخطاب حول إدماج الشباب، وإنما بإعادة بناء شروط الفعل السياسي ذاته -وببسط أكثر- بتوسيع فضاءات التكوين الحقيقي، ربط المسؤولية بالجدارة، وفتح المجال أمام ممارسة سياسية تعترف بأن الجرأة الفكرية جزء من الكفاءة، لا عائقًا أمامها. من دون هذا التحول، سيبقى المجال السياسي مفتوحًا أمام من يجيدون شغل المواقع أكثر مما يجيدون قيادة المعنى.