سيكولوجية المغربي المقهور
مع انطلاق كأس العالم لأمريكا 2026، عاد، وربما بحضور أكبر هذه المرة، نقاش قديم جديد: لماذا ينجح أبناء المهاجرين في التحوّل إلى أبطال، لدرجة باتوا يشكلون العمود الفقري للمنتخب الوطني، محققين نتائج وأداء يفوقان بكثير ما يمكن أن يحققه مغاربة “الداخل” من حيث المنشأ والتكوين والتربية؟
يذهب بعض مواطنينا المهاجرين إلى تقديم الأمر بوصفه تضحية وعطاء سخيا من أبناء هاجر آباؤهم بحثا عن لقمة العيش، لكنهم لم ينسوا أصلهم، وهذا قد يكون صحيحا، لكنه وحده لا يفسّر الأمر.
ويذهب آخرون، من مغاربة “الداخل”، إلى حصر المسألة كلها في الإمكانيات التي يتم توفيرها للمنتخبات الوطنية، والتي “إذا سخّرت لمغاربة الداخل لكانوا يأكلون العشب في الملاعب دفاعا عن القميص الوطني”.
بين العاطفتين، تضيع الحقيقة. فلا التضحية وحدها تشرح لماذا يصبح ابن المهاجر المغربي لاعبا من طراز عالمي، ولا الإمكانيات وحدها تفسر لماذا لا ينتج الداخل، بالوتيرة نفسها، تلك الكثافة من المواهب المكتملة. المال مهم، والبنيات مهمة، والتأطير مهم، لكن هناك شيئا أعمق من المال والبنيات والتأطير. هناك الإنسان نفسه: كيف يتشكل؟ وكيف ينظر إلى ذاته؟ وكيف يتعلم الثقة في نفسه قبل غيره؟
وحده رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، قدّم تفسيرا عقلانيا، ليس لسر نجاح وتفوّق أبناء المهاجرين، فهذا لغم لا يستطيع أي مسؤول رسمي الاقتراب منه، بل فسّر فقط لماذا يختار أبناء مواطنينا المهاجرين الأبطال اللعب للمغرب بدل بلدان إقامتهم.
شرحت ذلك في المقال السابق من خلال مسألة المشروع الرياضي الذي بات المغرب يقدمه، ويجده هؤلاء الأبطال أكثر إغراء وإتاحة للفرص أمامهم مقارنة بما تعرضه بلدان الإقامة.
لكن دعونا نسجل، في الطريق نحو تفكيك هذا اللغم، مفارقة أخرى لا تقل دلالة. فوزي لقجع، الذي وصفَته منسقة حزب الأصالة والمعاصرة، الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري، بـ“rond-point” الحكومة، أي الرجل الذي تلتقي عنده جميع الاختيارات والسياسات بحكم أنه الماسك بشفرة الميزانية؛ عندما قرر القيام بخروج إعلامي موجه إلى المغاربة أساسا، وليس إلى الخارج، بدليل الرسائل التي تضمنها الحوار، لم يجد أمامه منصة وطنية يعبر منها نحو جمهوره.
استدعى فوزي لقجع منصة أجنبية اسمها “أثير”، وللصدفة، لم يكن يجالسه فيها سوى صحافي مغربي آخر اسمه محمد الرماش.
مسؤول مغربي، يحاوره صحافي مغربي، فوق أرض مغربية، لمخاطبة جمهور مغربي، لكن المنصة أجنبية.
لقجع الذي يعتبر واحدا من المسؤولين عن صناعة المشهد الإعلامي الحالي، برهن، من حيث يدري أو لا يدري، ألا رغبة لديه، ولا لدى الدولة المغربية من ورائه، في أن تفعل ولو عُشر ما تفعله في مجال الكرة لتطوير وتأهيل الصحافة والمشهد الإعلامي الوطني؛ وإلا لكان أول ما يقدم عليه هو العبور عبر منصات وطنية لمخاطبة المغاربة.
لقد نقلت الكاميرات، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من تلك المقابلة، كيف يمضي فوزي لقجع في ملعب تداريب المنتخب الوطني في أمريكا، رافضا حتى الالتفات نحو “صحافي” في منبر مغربي، كان يطارده طالبا منه تصريحا، في مشهد يلخص كل شيء.
وأنا أتأمل هذه المفارقات، خاصة تلك المتعلقة بتركيبة المنتخب الوطني، وهذا الزخم من المواهب الفذة التي تأتيه من مغاربة المهجر، لم يحضرني سوى كتاب مصطفى حجازي، “التخلف الاجتماعي.. مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”.
لا شيء ماديا يمكنه أن يفسر لوحده هذا العجز والشلل و”الثقاف” الذي يجثم فوق أنفاس المغاربة ما داموا داخل بلادهم، في مقابل تفجير طاقاتهم ومواهبهم بمجرد انتقالهم إلى “عالم آخر”، إلى حيث تحفّز مكنوناتهم الإيجابية، ويشعرون أنهم بشر مطلوب منهم أن ينجحوا، لا ضحايا مطلوب منهم أن يصبروا.
في الرياضة كما في الإعلام، ودعونا نقتصر اليوم على هذين المجالين فقط، ينجح المهاجر المغربي في تفجير موهبته الرياضية، دون أن يكون بالضرورة فاشلا دراسيا، كما هو الحال مع النجم الصاعد أيوب بوعدي. وفي الإعلام، يتحول الصحافي المغربي، بمن في ذلك الذي نشأ وتربى وكبر في المغرب، إلى نجم للشاشات العالمية بمجرد انتقاله إلى “عالم آخر”.
هل كان الصحافي هاشم أهل برا، الذي يتولى حاليا إدارة مكتب واشنطن لقناة الجزيرة، سيكون هذا الإعلامي الفذ والمرجعي لو بقي حيث كان داخل المغرب قبل سنوات؟
السؤال ليس موجها إلى الأشخاص، بل موجه إلى الدولة. ماذا نفعل بالناس هنا حتى لا يصيروا ما كان يمكن أن يصيروه؟ وما الذي تفعله بهم بلاد أخرى حتى يكتشفوا، فجأة، أنهم قادرون على النجاح؟
السر والتفسير كلّهما بين دفتي كتاب مصطفى حجازي. ما يعطب الإنسان المغربي هو شعوره العميق بأنه إنسان “مقهور”. وليس القهر هنا كلمة إنشائية، ولا شتيمة سياسية، ولا مرادفا للفقر. القهر، كما يشرحه حجازي، علاقة طويلة ومركبة تعيد تشكيل النفس.
الإنسان المقهور لا يولد عاجزا، بل يُدفع، يوما بعد يوم، إلى أن يشعر بالعجز. ولا يولد فاقدا للثقة في نفسه، بل تتكفل المدرسة، والإدارة، والشارع، والمستشفى، والسلطة، والإعلام، وحتى الأسرة أحيانا، بإقناعه أن عليه أن يخفض رأسه كي يمر.
منذ الولادة وحتى الوفاة، كل شيء (تقريبا) يخبر المغربي بوقوعه تحت طائلة القهر. المستشفى حيث يولد يجمع كل ما يقهر أمه وأباه ويزرع فيه أول بذور الإحساس بالدونية. والطريق التي يتنقل فيها، والرصيف الذي يتمشى فوقه، والمدرسة التي تتولى تنشئته، والإدارة التي تدبر مسار حياته وتدخله منذ أولى تجاربه في محنة “سير حتى تجي” و”ادهن السير يسير”، كلها تعلمه شيئا واحدا: لا شيء يحدث لأنك تستحق أو صاحب حق، بل لأنك توسّلت، أو دفعت، أو عرفت من يتدخّل من أجلك.
ثم تأتي علاقتنا بالدولة التي تتكاثف جميع الأدوات، بما فيها مصيبة الإعلام الجديد، الذي يتلقى “الحبة والبارود” من دار القايد، لجعلها علاقة قهر وخضوع وانكسار وانعدام للشخصية.
دولة لا تخاطب المواطن باعتباره شريكا، بل باعتباره موضوعا. وإعلام لا يساعده على الفهم، بل يجبره على ابتلاع الرواية السائدة. وإدارة لا تسهّل حياته، بل تذكره كل يوم بأنه لا شيء له إلا إذا سمحوا له به.
هذا ما يسميه مصطفى حجازي سيكولوجية الإنسان المقهور. فالإنسان الذي يعيش طويلا تحت القهر لا يتأثر ماديا أو اجتماعيا فقط، بل يتشكل نفسيا بطريقة معطوبة. يصبح خائفا من المبادرة، ومترددا أمام الفرصة، وسريع الغضب على الأضعف منه، وشديد الخضوع أمام الأقوياء، قليل الثقة في نفسه، كثير الشك في إمكانية التغيير.
حين لا يستطيع هذا الكائن المقهور مواجهة مصدر القهر، يوجه غضبه إلى من يشبهونه أو إلى من هم أضعف منه. لذلك تتحول مجتمعات القهر إلى فضاءات يعضّ فيها الناس بعضهم.
لا أقصد أن المغربي في الداخل أقل ذكاء أو أقل موهبة أو أقل وطنية. هذه قراءة سخيفة ومهينة. المقصود أن البيئة التي يعيش فيها المغربي في الداخل لا تطلق طاقته، بل تستنزفها. لا تقول له “أنت قادر”، بل تقول له “شكون نتا؟” و”ولد من نتا؟”.
حتى هذا الهروب الجماعي الذي قمنا به، نحن الذين نستطيع دفع مقابل خدمات مدرسة خاصة، هو في عمقه محاولة للهروب من مصير القهر هذا.
أعرف عدة أصدقاء ممن “مسّك” عليهم الله واستطاعوا ولوج مستوى الطبقة المتوسطة العليا، يدفعون “دمّ جوفهم” لتعليم أبنائهم في مدارس البعثات الأجنبية، ليس لأن تعليمها أفضل دائما، ولا لأنهم يحبون لغة موليير أكثر من لغة أمهاتهم، بل فقط لتجنيب أبنائهم “جرعات” القهر والخضوع والانكسار التي يشربها الكائن المغربي في تربيته وتفاصيل حياته حتى يصبح كائنا معطوبا، فاقدا للأمل، ويائسا من نفسه قبل غيره.
لا أزعم أن المغربي يجد في مدارس البعثات، وفي أندية أوروبا، وفي قاعات تحرير الإعلام الدولي، الجنة. بل يجد المنافسة، والقسوة، والعنصرية أحيانا، والضغط، لكنه يجد أيضا شيئا أساسيا: قاعدة واضحة، ومجالا للاعتراف، وإمكانية للترقي إذا اجتهد، وشعورا بأن موهبته يمكن أن تشقّ طريقها.
لهذا ينجح أمثال أيوب بوعدي وأشرف حكيمي ومحمد الرماش وهاشم أهل برا… فاللاعب المهاجر لا يحب المغرب أكثر من ذلك الذي نشأ في فاس أو آسفي أو خريبكة. بل نجح لأنه تربى في بيئة قالت له، منذ البداية، إن موهبته مشروع، وإن ذكاءه قيمة. وحين اختار المغرب، لم يختره بوصفه مهربا من الفشل، بل بوصفه مشروعا رياضيا مقنعا.
والصحافي المغربي المهاجر ينجح، إذا وفقط إذا غادر، ليس لأنه يصير فجأة أكثر ذكاء، بل لأن الكاميرا التي كانت في الداخل تريده ملحقا بالسلطة، أو مزينا للرداءة، أو متوسلا لتصريح، صارت في الخارج تطلب منه أن يسأل، وأن يفهم، وأن ينجز، وأن يكون له اسم.
الفرق ليس في الجينات، بل في شروط إنتاج الإنسان.
إن أخطر ما في القهر أنه لا يقتل الإنسان دفعة واحدة. بل يتركه حيا، لكنه يسلبه إمكانية أن يكون أفضل نسخة من نفسه. يجعله يتصالح مع القليل، ويخاف من الكثير، ويشك في نفسه كلما اقترب من فرصة، ويعتقد أن النجاح استثناء لا قاعدة.
إن سيكولوجية المغربي المقهور ليست قدرا أبديا. وهذا هو الجانب المضيء في فكرة مصطفى حجازي. القهر يصنع نفسية مهزومة، نعم، لكنه لا يلغي إمكانية التحرر الذي يبدأ حين يتوقف المجتمع عن صناعة الإنسان الخائف، وحين تتحول المدرسة من فضاء للعقاب إلى فضاء للثقة، وتتحوّل الإدارة من آلة للإذلال إلى خدمة، والإعلام من جهاز لتخدير الناس إلى مجال يفتح العيون.
لا تستطيع أن تسقي الإنسان القهر منذ طفولته، ثم تطلب منه، يوم المباراة، أن “يأكل العشب” دفاعا عن القميص.
قبل أن تطلب منه أن يأكل العشب، أعطه أولا شعورا بأنه إنسان، لا مجرّد ملف في “المقاطعة”، ولا رقم في سجلّ اجتماعي موحّد، ولا كائن ينتظر الإذن كي يحلم.