story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

سيدي الرئيس.. الحرب مثيرة في البدء ثم تصبح مملة

ص ص

إلى السيد الرئيس دونالد ترامب، القائد الأعلى للقوات المسلحة للولايات المتحدة الأمريكية

سيدي الرئيس،

إن تاريخ القوة الأمريكية لم يُكتب فقط بالقدرة على شق السماء بالطائرات الشبحية أو استعراض العضلات العسكرية في البحار والمحيطات وما وراءها، بل كُتب أيضاً بالقدرة على إدراك طبيعة العصر وفهم تحولاته.

إن عقيدتكم الراسخة القائمة على مبدأ “أمريكا أولاً”، والساعية دوماً إلى تجنب “الحروب الأبدية” التي استنزفت دماء ومقدرات بلادكم، تفرض عليكم اليوم أن تضعوا نصب أعينكم حقيقة عسكرية بالغة التعقيد تشكّل جوهر الصراعات الحديثة؛ وهي أن العالم المعاصر بات يشهد مفارقة صارخة: بدء الحروب أصبح أسهل بكثير، لكن حسمها أصبح شبه مستحيل تقريبا.

إن التفوق التقني الجبار الذي يمنحكم المعرفة الدقيقة بكيفية إطلاق الرصاصة الأولى وتوجيه الضربة الافتتاحية الصادمة والخاطفة، كما فعلتم في إيران صبيحة 28 فبراير الماضي، لا يعني بالضرورة امتلاك المفاتيح السياسية أو العسكرية لصياغة المشهد الأخير، وهو درس بات قاسما مشترك بين الأزمات العسكرية الراهنة.

وهم “الضربة القاضية”

في هذا السياق، يبرز وهم “الضربة القاضية” كواحد من أخطر المطبات الاستراتيجية التي يقع فيها القادة الكبار في عصرنا، ولعل زميلك، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يقدم في أوكرانيا، لك ولباقي الزملاء المولعين بالقتل والدمار، النموذج الحي على ذلك، حيث بدأ الصراع باعتقاد راسخ أن النصر سيكون خاطفاً ونظيفاً، وأقرب إلى نزهة جورجيا قبل 15 عاما ويزيد، ليتعثر لاحقاً في وحل مأزق شبه جامد.

إن هناك ميلاً عسكرياً غربياً قديماً، يتجدد اليوم، يربط بشكل خاطئ بين تراكم الأهداف وتكثيف القصف وبين تحقيق النصر السياسي، وهو ما يذكرنا بما قاله المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز بأن “الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى”، مما يعني أن التكنولوجيا الفائقة لا يمكنها أبداً أن تلغي السياسة، ولا يمكنها تحويل القصف الجوي إلى استراتيجية قائمة بذاتها، فالآلة لا تضمن مطلقاً أن يتصرف الخصوم وفق ما يتوقعه المخططون في البنتاغون، ومزيد من الأهداف المرسومة على الشاشات قد يتحول من خيارات متعددة إلى مجرد بديل كمي يعميكم عن التفكير الاستراتيجي العميق الذي يحقق التغيير السياسي المطلوب.

معضلة “الانكشاف التام”

وإذا أردتم، سيدي الرئيس، تفكيك المشهد الميداني، ستجدون أن التكنولوجيا لم تنهِ الجيوش التقليدية ولم تحل الدبابات على التقاعد كما كان يروج البعض، بل جعلت ساحة المعركة تعيش حالة من الانكشاف المتزايد بفعل ثورة أنظمة الاستشعار، والنيران فائقة الدقة، والشبكات السريعة التي تنقل البيانات من المستشعر إلى منظومة الاستهداف في ثوانٍ معدودة.

وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح عبر نمطين يبدوان ظاهرياً مختلفين تماماً؛ ففي أوكرانيا، تحول الجندي من هذا الطرف أو ذاك إلى بطة تعيش داخل منطقة قتل تصنعها المسيّرات الرخيصة والكثيفة، حيث يتحرك المقاتلون كأنهم داخل لعبة فيديو قاتلة، لدرجة أن عمليات التسلل التكتيكي البسيطة باتت تستغرق أسابيع خلف الخنادق.

وعلى الجانب الآخر، تجدون في الشرق الأوسط نمطاً جوياً عالي التقنية، حيث تعمل الطائرات الأمريكية والإسرائيلية بأجهزة استشعار متقدمة، وأقمار صناعية، ورادارات، بل ويصل الأمر إلى قرصنة كاميرات المرور في شوارع طهران لتعقب القيادات الإيرانية.

ورغم الفارق الشاسع بين حرب استنزاف بالغة البدائية وحرب سيبرانية جوية بالغة الحداثة، إلا أن الرابط المشترك بينهما هو تلك القدرة الهائلة على الرؤية، والتتبع، والاستهداف، وإعادة الضرب، مع ضرورة إدراك أن هذا الانكشاف ليس كاملاً ولا دائماً، بل هو جزئي ومتقطع وقابل للتشويش، ويدخل في سباق يومي لا ينتهي بين الابتكار والابتكار المضاد.

مأزق الدفاع الغربي

سيدي الرئيس..

إن هذا التحول الجذري يضع الجيوش الغربية، وعلى رأسها جيش الولايات المتحدة الأمريكية، في مأزق حقيقي يتعلق بعقيدة الشراء والتسليح، إذ يدور في أروقة الدفاع نقاش حاد بين تيار يمثله جنرالات ميدانيون يرون أن المناورة الكبرى أصبحت غير قابلة للتحقق بسبب أحزمة الاستنزاف القاتلة، وتيار آخر يمثله باحثون استراتيجيون بارزون مثل ستيفن بيدل، يحذرون من تضخيم ثورة المستشعرات ويؤكد أن الجيوش الأفضل تدريباً وتسليحاً يمكنها تجاوز هذه القيود بالتكتيكات المناسبة.

ورغم أن القيادات العسكرية تتحدث علناً عن ضرورة تبني مزيج عالٍ ومنخفض يجمع بين الأسلحة الباهظة والأنظمة الرخيصة والكثيفة، إلا أن الممارسات الواقعية ما زالت تجعل الساسة والعسكريين أسرى لخيال صناعي قديم يستثمر بقوة في منصات تقليدية ضخمة، مثل الدبابات الثقيلة والمقاتلات والمدمرات النادرة والبطيئة الإنتاج، بينما تتحرك الحرب المعاصرة بسرعة تحديث البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، وتبديل العتاد غير المأهول خلال أشهر لا عقود، مما يهدد بترك قوات الجيوشِ الجرارة كثيفةِ التسليح، متأخرة عن إيقاع المعركة الحقيقي.

شلل “النسيج الرابط”

ولعل التحذير الأكثر خطورة الذي يجب أن يوضع على طاولتكم، بصفتكم القائد الأعلى للقوات المسلحة، هو أن زيادة هذا الانكشاف وسرعة الاستهداف لا يقللان بالضرورة من مخاطر التصعيد النووي، بل قد يضاعفانها في سيناريوهات حساسة مثل صراع محتمل حول تايوان.

ففي حال اندلاع مواجهة مع الصين، فإن محاولاتكم لشل النسيج الرابط للآلة العسكرية الصينية عبر الهجمات السيبرانية أو الفضائية، قد تؤدي بطريق الخطأ إلى ضرب أو تعطيل الأنظمة والبنى التحتية التقنية التي تستخدمها بكين للسيطرة على قواتها وترسانتها النووية.

هذا التداخل الفني المعقد يفتح أوسع الأبواب أمام سوء التقدير القاتل، حيث قد يفسر قادة الخصم ضربة تقليدية خاطفة على أنها تمهيد لضربة نووية أمريكية استباقية، مما قد يدفعهم للرد بشكل كارثي لا يمكن تداركه، وهي مسارات تصعيد مرعبة قد لا يفهمها السياسيون جيداً عندما يطلقون أمر البداية.

التوصية الختامية:

ختاماً، سيدي الرئيس، لقد أصبحت الحرب في العصر الحديث أكثر شفافية بفضل التكنولوجيا، ولكنها لم تصبح أبداً أكثر قابلية للسيطرة أو التنبؤ بمساراتها.

إن دقة الأنظمة وإغواء امتلاك القوة الغاشمة قد يمنحان شعوراً زائفاً بالقدرة على حسم الأمور سريعاً، مما يجعل الحروب أكثر إغراءً للقادة كي يبدؤوها، لكنها سرعان ما تصبح أكثر استعصاءً عليهم عندما يحاولون إنهاءها.

ولأصدقكم القول، سيدي الرئيس، تبدو فكرة بدء الحرب، والضربات الخاطفة والمدمرة، وتفجير ما يملكه العدو، بوم بوم بوم، تبدو فكرة مثيرة عندما يعرض عليكم ملخص يومي في دقيقتين، يفجر الأدرينالين في عروقكم… لكن تكرار الأمر نفسها لأسابيع، دون استسلام العدو، هو امر يبعث على كلل حقيقي.

إن الحكمة الاستراتيجية التي تميز قيادتكم، سيدي الرئيس، تقتضي التمسك دائماً بالقاعدة الذهبية التي تخبركم بأن إيقاع الحرب لا يخضع لقرار البداية، وحماية المصالح العليا للبلاد لا تتطلب فقط معرفة كيف نضرب، بل تتطلب قبل كل شيء التأكد من أننا نعرف أين وكيف ستتوقف الحرب وما هي الكلفة السياسية لإنهائها.

سيدي الرئيس، إذا لم يكن وزير حربك، وقادة جيوشك، ومستشاروك الاستراتيجيون والعسكريون، قد أخبروك بهذه المعلومات البسيطة، فإنك ربما في حاجة إلى إجراء تغييرات أوسع من إقالة 12 جنرالا في عز الحرب، أو إبعاد مديرة المخابرات الوطنية، أو أي مسؤول آخر.