سماء المغرب المحصنة.. خبير أمني: الردع الذكي خيار استراتيجي خارج سباق التسلح
كشفت بيانات تقرير “غلوبال فاير باور” لعام 2026 عن تموقع القوات الملكية الجوية المغربية في المرتبة 37 عالمياً والرابعة إفريقياً، بأسطول جوي يضم 271 طائرة عسكرية.
وتأتي هذه الأرقام في سياق تحول تقني يتمثل في تخصيص عقد أمريكي بقيمة 41.3 مليون دولار لتطوير الأنظمة الإلكترونية والدفاع السيبراني لمقاتلات F-16 المغربية.
يتوزع الأسطول المغربي الحالي (271 طائرة) بين مقاتلات F-16 Fighting Falcon، وطائرات النقل اللوجستي C-130 Hercules، إضافة إلى مروحيات الاستطلاع Eurocopter AS365.
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن الاستراتيجية الحالية لا تعتمد على التوسع العددي بقدر ما تركز على دمج أنظمة الطيران المتقدمة ووسائل الإصابة الدقيقة.
وفي هذا الصدد، أوضح محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن العقيدة المغربية في مجال الدفاع الجوي “ترتكز على مبدأ الردع الذكي القائم على الجودة وليس على الكم”، مشدداً على أن المملكة اختارت تفادي سباق التسلح العددي، مقابل الاستثمار في أنظمة دفاع جوي حديثة قادرة على تحقيق كشف مبكر واعتراض دقيق للتهديدات الجوية.
وبحسب الطيار، الخبير الأمني، فإن التوجه المغربي يقوم على اقتناء منظومات بعيدة ومتوسطة المدى، تتميز بقابليتها للعمل داخل شبكة قيادة وتحكم متكاملة، ما يسمح بربط الرادارات، وأنظمة الدفاع الجوي، والمقاتلات الحديثة ضمن منظومة واحدة منسجمة.
ويضيف أن الهدف “ليس نشر أكبر عدد ممكن من البطاريات الدفاعية، بل ضمان تغطية فعالة وذكية للمجال الجوي الوطني”، بما يحقق توازناً دقيقاً بين النجاعة العملياتية وترشيد الكلفة.
هذا الاختيار الاستراتيجي ينسجم مع مسار تحديث القوات الجوية، التي تعتمد على مقاتلات F-16 متعددة المهام، وطائرات نقل عسكري، ومروحيات متخصصة في الاستطلاع والاستخبارات، إضافة إلى استثمارات متزايدة في مجالات الحرب الإلكترونية والدفاع السيبراني.
ويرتكز النموذج المغربي، وفق الخبير الأمني، على مفهوم الدفاع الجوي متعدد الطبقات، بحيث يتم توزيع وسائل الحماية بحسب طبيعة التهديد والأهداف المراد تأمينها.
وتشمل هذه المنظومة طبقة بعيدة المدى مخصصة لحماية المدن الكبرى والمنشآت الاستراتيجية، وطبقة متوسطة لتأمين القواعد الجوية والوحدات البرية، ثم طبقة قصيرة المدى موجهة للتصدي للطائرات المسيرة والتهديدات المنخفضة الارتفاع.
ويرى الطيار أن هذا التنظيم يعكس فهماً دقيقاً لخصوصيات الجغرافيا المغربية، الممتدة على واجهتين بحريتين، الأطلسي والمتوسطي، فضلاً عن اتساع المجال الصحراوي، وما يرافقه من تحديات أمنية تجمع بين التهديدات التقليدية والمخاطر غير المتماثلة، خاصة في ظل التطور المتسارع لحرب الطائرات بدون طيار.
وفي بعده العملياتي، يتميز التوجه المغربي بدمج الدفاع الجوي مع سلاح الجو الأرضي ضمن ما يُعرف بمفهوم “المنظومة الشبكية المتكاملة”، بحسب المتحدث ذاته. بحيث أنه بفضل هذه المقاربة، تشكل المقاتلات الحديثة، والرادارات المتطورة، ووسائل الاستشعار والقيادة، أجزاء من شبكة دفاع واحدة، تتيح سرعة تبادل المعطيات واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي.
ويبرز الطيار أن هذا التكامل يمنح المغرب مرونة عالية في الردع والاستجابة السريعة، كما يعزز الطابع الدفاعي للعقيدة العسكرية الوطنية، التي تركز أساساً على حماية السيادة الجوية ومنع فرض أي أمر واقع، دون الانخراط في استراتيجيات هجومية توسعية.
وفي المقارنة الإقليمية، تضع الأرقام مصر في الصدارة إفريقياً (1088 طائرة)، تليها الجزائر (620 طائرة)، ثم أنغولا (278 طائرة). ويظهر الفرق البنيوي في أن الميزانية الدفاعية المغربية تتوجه نحو “الاستثمار الكيفي” وتحديث المنظومات القائمة، عوضاً عن مراكمة الوحدات القتالية.
ومن المرتقب أن يشهد عام 2027 تحولاً إضافياً مع بدء تسلم المغرب لـ 25 مقاتلة جديدة من طراز F-16 Block 72، وهي النسخة الأكثر تطوراً في هذه الفئة، مما سيعزز القدرة على العمل في بيئة قتالية “متعددة المجالات” تربط بين الطيران المأهول، والطائرات بدون طيار، وأنظمة المراقبة المتصلة.