سلا المدينة في انتخابات 2026.. أربعة مقاعد وخريطة انتخابية مفتوحة على كل الاحتمالات
تدخل دائرة سلا المدينة انتخابات 23 شتنبر 2026 بأربعة مقاعد برلمانية، في وقت تبدو فيه الخريطة السياسية للدائرة مختلفة بشكل كبير عن تلك التي عرفتها قبل عشر سنوات؛ فالحزب الذي كان يهيمن على المشهد ويحصد نصف المقاعد تقريباً، لم يعد ممثلاً بأي مقعد، بينما توزعت المقاعد الأربعة في انتخابات 2021 على أربعة أحزاب مختلفة.
وبينما كان اسم عبد الإله بنكيران عنواناً انتخابياً بارزاً في سلا المدينة خلال انتخابات 2016، يعود حزب العدالة والتنمية إلى الاستحقاق الجديد بمرشح آخر، في وقت يعيد فيه عدد من الأحزاب ترتيب صفوفه، ويظهر في السباق مرشحون بعضهم يخوض المنافسة من مواقع جديدة، وبعضهم الآخر يدخلها دفاعاً عن مقاعد أو إرث انتخابي سابق.
وهكذا، تبدو دائرة سلا المدينة أمام انتخابات جديدة لا تحضر فيها الهيمنة التي ميزت استحقاق 2016، ولا تبدو فيها المقاعد الأربعة محجوزة مسبقاً لأي من الأحزاب المتنافسة.
2016.. حين كان “المصباح” يهيمن على سلا المدينة
في انتخابات 7 أكتوبر 2016، تصدر حزب العدالة والتنمية نتائج دائرة سلا المدينة بـ36,404 أصوات، أي ما يقارب نصف الأصوات المعبر عنها، وانتزع مقعدين من أصل أربعة.
وحل الأصالة والمعاصرة ثانياً بـ11,592 صوتاً، وحصل على مقعد، فيما جاء التجمع الوطني للأحرار ثالثاً بـ8,674 صوتاً، وحصل بدوره على مقعد.
أما الحركة الشعبية، التي حلت رابعة بـ8,008 أصوات، والاستقلال بـ3,461 صوتاً، وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بـ2,459 صوتاً، والاتحاد الاشتراكي بـ913 صوتاً، والاتحاد الدستوري بـ351 صوتاً، فلم تتمكن من الوصول إلى المقاعد.
وكانت انتخابات 2016 قد حملت أيضاً بعداً شخصياً وسياسياً قوياً، بعدما قاد عبد الإله بنكيران لائحة العدالة والتنمية في الدائرة، ليظفر الحزب بمقعدين. غير أن بنكيران قدم استقالته من مجلس النواب بعد تكليفه بتشكيل الحكومة، بحكم حالة التنافي، قبل أن تنتهي مهمته الحكومية بالإعفاء بعد أشهر من “البلوكاج” السياسي.
لكن أهمية انتخابات 2016 بالنسبة إلى قراءة المشهد الحالي لا تكمن فقط في حضور بنكيران، وإنما في حجم التحول الذي وقع بعد ذلك؛ إذ إن الحزب الذي حصد أكثر من 36 ألف صوت لم يعد بعد خمس سنوات قادراً حتى على الحفاظ على مقعد واحد.
2021.. سقوط “المصباح” وتوزيع المقاعد
في انتخابات 8 شتنبر 2021، تغير المشهد بشكل لافت. فقد تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ10,893 صوتاً، يليه الأصالة والمعاصرة بـ9,768 صوتاً، ثم التقدم والاشتراكية بـ7,577 صوتاً، والحركة الشعبية بـ5,862 صوتاً.
وحصلت هذه الأحزاب الأربعة على المقاعد المخصصة للدائرة، لفائدة نور الدين الأزرق، ورشيد العبدي، ومحمد عواد، وإدريس السنتيسي على التوالي.
في المقابل، تراجع العدالة والتنمية إلى المرتبة السادسة بـ4,354 صوتاً، بعد أن كان متصدراً بفارق واسع في 2016، فيما جاء الاستقلال خامساً بـ5,428 صوتاً، والاتحاد الاشتراكي بـ2,359 صوتاً، والاتحاد الدستوري بـ1,459 صوتاً، وفيدرالية اليسار بـ902 صوت.
وبذلك، انتقلت سلا المدينة من دائرة يمنح فيها “المصباح” مقعدين بسهولة نسبية، إلى دائرة تتوزع فيها المقاعد على أربعة أحزاب، من دون أن يتمكن أي حزب من الاقتراب من الهيمنة التي سجلها العدالة والتنمية في الاستحقاق السابق.
بين 2016 و2021.. انهيار الخزان الانتخابي
تكشف مقارنة النتائج عن حجم التحول الذي عرفته الدائرة. فالعدالة والتنمية انتقل من 36,404 أصوات سنة 2016 إلى 4,354 فقط في 2021، أي أنه فقد 32,050 صوتاً، بما يقارب 88 في المائة من رصيده السابق، لينتقل في الوقت نفسه من مقعدين إلى صفر.
أما التجمع الوطني للأحرار، فارتفع من 8,674 إلى 10,893 صوتاً، وحافظ على مقعده، بينما تراجع الأصالة والمعاصرة من 11,592 إلى 9,768 صوتاً، لكنه احتفظ أيضاً بمقعده.
وسجل الاستقلال بدوره ارتفاعاً من 3,461 إلى 5,428 صوتاً، غير أن الزيادة لم تكن كافية لانتزاع مقعد، في الوقت الذي تمكنت فيه الحركة الشعبية من تحويل 8,008 أصوات في 2016، لم تمنحها أي مقعد، إلى 5,862 صوتاً في 2021 قادتها إلى البرلمان.
أما التقدم والاشتراكية، فكان أحد أكبر المستفيدين من التحول، بعدما دخل المنافسة بقوة في 2021 وحصل على 7,577 صوتاً ومقعد برلماني.
لكن قراءة هذه الأرقام يجب أن تراعي أيضاً تراجع حجم المشاركة؛ فقد انخفض مجموع الأصوات المعبر عنها من 72,482 سنة 2016 إلى 51,024 في 2021، كما تراجعت نسبة المشاركة من 36.54 في المائة إلى 26.35 في المائة.
وهذا يعني أن الخريطة الجديدة لم تنتج فقط عن انتقال الأصوات من حزب إلى آخر، وإنما أيضاً عن انكماش الكتلة الانتخابية نفسها نتيجة حراك المقاطعة أو العزوف الانتخابي، وهو عامل سيكون حاضراً في قراءة سباق 2026.
انتخابات 2026.. أسماء جديدة وإرث انتخابي متحرك
تدخل الأحزاب انتخابات 2026 في سلا المدينة بخريطة مختلفة بدورها، إذ لم تعد الأسماء التي صنعت مشهد 2021 حاضرة جميعها بالصفة نفسها.
ويحاول التجمع الوطني للأحرار الحفاظ على موقعه في الدائرة عبر عمر الأزرق، الذي يخلف والده نور الدين الأزرق، الفائز بالمقعد الأول باسم الحزب سنة 2021.
أما الأصالة والمعاصرة، فيدخل السباق عبر عماد الريفي، رئيس مقاطعة بطانة والبرلماني الذي آل إليه المقعد بعد انتقال رشيد العبدي إلى رئاسة جهة الرباط ـ سلا ـ القنيطرة.
وفي الحركة الشعبية، اختير صلاح الدين بلحسن لقيادة اللائحة، بعد مغادرة إدريس السنتيسي للحزب وانتقاله إلى حزب الاستقلال.
وهذا الانتقال يضيف بدوره بعداً خاصاً للمنافسة؛ فالسنتيسي، الذي كان أحد الفائزين في 2021 باسم “السنبلة”، سيعود إلى الدائرة نفسها هذه المرة بألوان حزب الاستقلال، في محاولة لتحويل رصيده الانتخابي السابق إلى مكسب جديد.
أما حزب العدالة والتنمية، فيراهن على كمال الكوشي، الكاتب الإقليمي للحزب بسلا، بعدما حسم عدم إعادة ترشيح عبد الإله بنكيران في الدائرة التي ارتبط اسمه بها انتخابياً لسنوات.
ويخوض التقدم والاشتراكية السباق بواسطة محمد عواد، الذي سبق له أن فاز بمقعد في 2021، فيما يقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الكريم الحسيني، الاستقلالي السابق وعضو مجلس إدارة التعاضدية العامة، وفق المعطيات المعلنة حول الترشيحات.
أما تحالف اليسار، المكون من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، فيدخل المنافسة عبر إدريس حماد، في وقت تستعد فيه بقية الأحزاب لخوض السباق وفق خريطة قد تعرف مزيداً من التغييرات مع اقتراب موعد الاقتراع.
“الأحرار”.. الدفاع عن المقعد في مواجهة إرث الأزرق
يدخل التجمع الوطني للأحرار انتخابات 2026 من موقع الحزب الذي تصدر نتائج 2021، لكنه لا يخوضها بالاسم نفسه الذي حمله إلى المرتبة الأولى قبل خمس سنوات.
فعمر الأزرق يواجه اختباراً انتخابياً مزدوجاً؛ الدفاع عن موقع الحزب في دائرة شديدة التنافس، والحفاظ على المقعد الذي فاز به والده نور الدين الأزرق سنة 2021.
ولا يعني تصدر “الأحرار” للنتائج في الدورة السابقة أن الحفاظ على المقعد سيكون تلقائياً؛ فالفارق بين الحزب وباقي المنافسين لم يكن كبيراً، كما أن تراجع المشاركة وانكماش الوعاء الانتخابي يجعلان كل استحقاق قابلاً لإعادة ترتيب المراكز.
ويضاف إلى ذلك أن الأزرق يدخل السباق في مواجهة أسماء حزبية تتمتع بدورها بامتداد محلي، ما يجعل السؤال المطروح هو ما إذا كان “الأحرار” قادراً على تحويل صدارة 2021 إلى حضور انتخابي مستقر في الدائرة.
“البام”.. الحفاظ على المقعد بعد انتقال العبدي
من جهته، يحاول الأصالة والمعاصرة الاحتفاظ بمقعده في الدائرة عبر عماد الريفي، بعدما كان رشيد العبدي هو من حمل المقعد في انتخابات 2021 قبل انتقاله إلى رئاسة جهة الرباط ـ سلا ـ القنيطرة.
وتكمن أهمية هذه المعادلة في أن الحزب لا يدافع فقط عن مقعده، وإنما عن موقعه داخل خريطة سياسية سلاوية شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقال عدد من الوجوه بين المؤسسات والأحزاب.
وسيكون الريفي أمام اختبار تحويل حضوره المحلي والانتخابي إلى أصوات كافية للإبقاء على “البام” ضمن الأحزاب الأربعة الممثلة في الدائرة.
السنتيسي.. من “السنبلة” إلى الاستقلال
من أكثر التحولات في انتخابات 2026 انتقال إدريس السنتيسي من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال. السنتيسي كان أحد الفائزين الأربعة في انتخابات 2021، حين حصل على المقعد الرابع باسم الحركة الشعبية، قبل أن يغادر الحزب ويقرر خوض الاستحقاق الجديد بألوان الاستقلال.
وبذلك، لن يكون السؤال بالنسبة إلى السنتيسي مرتبطاً فقط بإمكانية الفوز بمقعد جديد، وإنما أيضاً بمدى قدرته على الاحتفاظ بجزء من رصيده الانتخابي السابق رغم تغيير الانتماء الحزبي.وفي المقابل، تقدم الحركة الشعبية صلاح الدين بلحسن.
العدالة والتنمية.. هل يستعيد الحزب جزءاً من رصيده؟
تبدو معركة العدالة والتنمية مختلفة عن باقي المنافسين؛ فالحزب لا يدافع عن مقعد حصل عليه في 2021، وإنما يحاول استعادة مقعد فقده بعد انهيار كبير في رصيده الانتخابي.
وفي 2016، كان “المصباح” القوة الأولى في سلا المدينة بـ36,404 أصوات ومقعدين، قبل أن يتراجع إلى 4,354 صوتاً فقط في 2021.
ويحاول الحزب هذه المرة خوض المنافسة بعيداً عن اسم عبد الإله بنكيران، الذي ظل مرتبطاً بالدائرة انتخابياً وسياسياً، عبر كمال الكوشي.
لكن استعادة المقعد ستتطلب أكثر من استحضار الذاكرة الانتخابية؛ فالأرقام تظهر أن الحزب فقد جزءاً كبيراً من خزانه الانتخابي، فيما باتت المقاعد موزعة بين منافسين متعددين.
ولهذا سيكون أداء العدالة والتنمية في سلا المدينة مؤشراً مهماً على ما إذا كان الحزب قادراً على استعادة جزء من حضوره السابق، أم أن سقوطه في 2021 كان بداية لترسيخ خريطة سياسية جديدة.
أربعة مقاعد.. وخريطة لا تضمن بقاء أحد
تدخل سلا المدينة انتخابات 2026 بأربعة مقاعد، لكن المعطيات الانتخابية السابقة لا تمنح أي حزب ضمانة حقيقية للاحتفاظ بموقعه.
فالأحزاب الأربعة التي فازت بالمقاعد في 2021 لم تجمع سوى 34,100 صوت، بينما كان العدالة والتنمية وحده قد تجاوز 36 ألف صوت قبل خمس سنوات، وهو فارق يعكس حجم التغير الذي عرفته الدائرة.
كما أن انتقال عدد من الوجوه بين الأحزاب، وظهور مرشحين جدد، وعودة آخرين إلى المنافسة، يجعل من الصعب إسقاط نتائج 2021 بصورة مباشرة على استحقاق 2026.
وتبدو معركة سلا المدينة، في النهاية، مفتوحة على أكثر من سيناريو: “الأحرار” يريد الدفاع عن صدارته، و”البام” يسعى إلى الحفاظ على مقعده، والاستقلال يدخل بوجه انتخابي سبق أن فاز بالمقعد نفسه بألوان حزب آخر، بينما يحاول العدالة والتنمية استعادة موقع فقده بالكامل.
وبين هذه الأسماء، يظل التقدم والاشتراكية مطالباً بالدفاع عن مقعده، والحركة الشعبية أمام اختبار الاحتفاظ بحضورها رغم تغيير وكيل لائحتها، فيما يسعى الاتحاد الاشتراكي وتحالف اليسار إلى اقتحام دائرة المقاعد الأربعة.
وهكذا، فإن السؤال في سلا المدينة لا يبدو فقط؛ من سيفوز بالمقاعد الأربعة؟ بل من سيتمكن من بناء خزان انتخابي جديد في دائرة أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها قادرة على إسقاط الهيمنة وإعادة توزيع المقاعد خلال دورة واحدة؟