سلالة نادرة بلا لقاح تثير استنفاراً عالمياً.. خبير يوضح أسباب القلق من إيبولا
أعلنت منظمة الصحة العالمية، يوم الأحد 17 ماي 2026، حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً، عقب تفشي جديد لفيروس “إيبولا” في كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، وسط مخاوف من اتساع رقعة انتشار سلالة نادرة لا يتوفر لها، إلى حدود الآن، لقاح أو علاج معتمد.
ويأتي هذا التطور بعد تسجيل عشرات الوفيات ومئات حالات الاشتباه، في وقت حذرت فيه السلطات الصحية الدولية من أن التفشي الحالي قد يكون أوسع من الأرقام المعلنة، خاصة مع ارتفاع نسبة العينات الإيجابية وصعوبة الكشف المبكر عن الإصابات بسبب الأعراض الأولية المحدودة للسلالة المتفشية.
وفي هذا الصدد، قال الطيب حمضي، الطبيب والخبير في السياسات والنظم الصحية، إن إعلان منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عامة “يعني أن فيروس إيبولا يشكل خطراً حقيقياً، وأن انتشاره لا يهدد فقط المناطق التي يوجد فيها حالياً، بل قد يمتد إلى دول أخرى إذا لم تُتخذ الاحتياطات اللازمة”.
وأوضح حمضي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الأمر “لا يتعلق بتحذير من جائحة وشيكة، بل بتحذير من خطر انتشار الفيروس إلى بلدان أخرى إذا لم تتم محاصرته في المناطق الموبوءة”، معتبراً أن هذا الإعلان يمثل “دعوة لجميع دول العالم من أجل التعاون بمختلف الأشكال لمحاصرة الوباء في مكان ظهوره”.
وأشار الخبير الصحي إلى أن مرض إيبولا “يُعد من أخطر الأمراض الفيروسية”، موضحاً أن نسبة الوفيات فيه “تتراوح بين 25 و90 في المائة حسب السلالة وجودة الأنظمة الصحية”، فيما يبلغ المعدل العام للوفيات “حوالي 50 في المائة”.
وأضاف أن الدول التي تتوفر على “بنية صحية جيدة وتكفل سريع وفعّال بالمرضى” يمكنها خفض نسبة الوفيات إلى حدود 25 في المائة، بينما قد تصل إلى 90 في المائة “في المناطق ذات البنية الصحية الضعيفة”.
وبخصوص الأعراض، أوضح حمضي أن المرض يبدأ عادة بـ”حمى مفاجئة ومرتفعة مصحوبة بآلام في الرأس والمفاصل والحلق”، قبل أن تتطور الحالة إلى “الإسهال والقيء والنزيف والطفح الجلدي”، وقد تنتهي بالوفاة.
وأكد المتحدث ذاته أن فيروس إيبولا “ينتقل أساساً من الحيوان إلى الإنسان”، مشيراً إلى أن الخفافيش الحاملة للفيروس تنقله إلى الحيوانات البرية الموجودة في الغابات، مثل القردة، قبل أن ينتقل إلى الإنسان “عبر الاحتكاك بهذه الحيوانات أو استهلاك لحومها أو ملامسة دمائها وسوائلها”.
وأضاف أن الخفافيش التي تتغذى على الفواكه “قد تلوث الفواكه التي تتناولها الحيوانات الأخرى، ما يؤدي إلى إصابتها بالفيروس”، لافتاً إلى أن العدوى قد تنتقل لاحقاً إلى الإنسان “عبر لمس الدم أو اللعاب أو الإفرازات أو تناول لحوم غير مطهية جيداً”.
وشدد حمضي على أن انتقال العدوى بين البشر “لا يتم عبر الهواء”، موضحاً أن الفيروس ينتقل من خلال “ملامسة سوائل جسم الشخص المصاب، مثل القيء أو الدم أو البول أو البراز أو الإسهال”.
وأشار إلى أن العدوى تنتشر غالباً “أثناء تكفل أفراد الأسرة بالمريض ومخالطته بشكل مباشر”، مضيفاً أن خطر انتقال الفيروس “يرتفع بشكل أكبر خلال مراسم الدفن”.
وأوضح أن مرحلة الدفن “تُعد من أخطر مراحل انتقال العدوى”، لأن الشخص المتوفى يكون في مرحلة تبلغ فيها “الحمولة الفيروسية أعلى مستوياتها”، مضيفاً أن تغسيل الجثمان أو تغيير الملابس أو التحضير للدفن “قد يتحول إلى مصدر خطير جداً للعدوى”.
ولهذا، أكد الخبير الصحي أن من بين الإجراءات الأساسية لمحاصرة الوباء “اعتماد بروتوكولات دفن صحية وآمنة”، مع الحفاظ في الوقت نفسه على “كرامة المتوفى واحترام الطقوس الدينية”، ولكن تحت إشراف السلطات الصحية المختصة.
وأضاف حمضي أن الموجة الوبائية الحالية “ليست الأولى من نوعها في جمهورية الكونغو الديمقراطية”، بل تمثل “المرة السابعة عشرة التي تشهد فيها البلاد تفشياً لفيروس إيبولا”، مذكراً بأن آخر موجة وبائية امتدت “من غشت 2025 إلى دجنبر 2025 وشكلت الموجة السادسة عشرة”.
وأشار إلى أن العالم شهد سابقاً “موجات خطيرة من الوباء”، من أبرزها موجة غرب إفريقيا سنة 2013 التي خلفت “أكثر من 11 ألف وفاة”، إلى جانب موجة أخرى عرفتها جمهورية الكونغو الديمقراطية سنة 2018.
وأوضح أن اسم فيروس “إيبولا” يعود إلى نهر إيبولا الواقع فيما كان يعرف سابقاً بـ”زائير”، وهو الاسم القديم لجمهورية الكونغو الديمقراطية.
كما لفت إلى وجود “عدة سلالات من الفيروس”، غير أن ثلاث سلالات رئيسية هي المسؤولة عن الإصابات لدى الإنسان، وهي “سلالة زائير، وسلالة السودان، ثم سلالة بونديبوغيو”.
وأكد حمضي أن سلالة “زائير” تُعد “الأكثر خطورة”، لكنها تتوفر في المقابل على “لقاحات وأدوية تساعد في علاج المرضى والحد من انتشار الوباء”، موضحاً أن السلالة المتفشية حالياً “ليست سلالة زائير، بل سلالة أخرى لا يتوفر لها حالياً أي لقاح أو علاج، وهنا تكمن خطورة الوضع”.
وأشار إلى وجود “ثلاثة عوامل رئيسية” تزيد من خطورة الموجة الحالية، أولها “انتشار الإصابات في منطقة غنية بالمناجم وتشهد حركة تنقل كبيرة للسكان والعمال والمسافرين”.
أما العامل الثاني، بحسب المتحدث، فيتمثل في “وجود صراعات مسلحة في المنطقة”، ما يجعل “عمليات التشخيص ومحاصرة المرض وعزل المصابين أكثر صعوبة”.
فيما يرتبط العامل الثالث بـ”غياب أي لقاح أو دواء فعال ضد السلالة الحالية”.
وفي ظل هذا الوضع، شدد حمضي على أن المطلوب اليوم هو “دعم الدول المصابة، خصوصاً جمهورية الكونغو الديمقراطية، من أجل محاصرة المرض عبر عزل المصابين والتكفل بهم طبياً، وضمان شروط النظافة والسلامة الصحية”.
وأضاف أن ذلك يشمل أيضاً “التعامل الآمن مع جثث المتوفين وعمليات الدفن”، بالنظر إلى خطورة انتقال العدوى خلال هذه المرحلة.
وبخصوص المغرب، أكد الخبير الصحي أنه “لا يوجد خطر مباشر أو خاص يهدد المملكة حالياً”، غير أنه شدد على أن “أي فيروس معدٍ يفرض اتخاذ الاحتياطات اللازمة وتعزيز المراقبة الصحية”.
كما دعا إلى “تعاون دولي واسع مع البلدان المصابة، سواء عبر الدعم المالي أو الصحي أو اللوجستي”، حتى يتمكن السكان “من البقاء في مناطقهم وتأمين ظروف العيش الأساسية إلى حين السيطرة على الوباء”.
وأوضح حمضي أن مدة حضانة الفيروس “تتراوح بين يومين و21 يوماً”، فيما تبدأ الأعراض غالباً “ما بين خمسة وعشرة أيام بعد الإصابة”.
وختم بالتأكيد على أن الشخص المصاب “لا ينقل العدوى قبل ظهور الأعراض”، لأن الفيروس “لا يكون موجوداً في سوائل جسمه بشكل ناقل للمرض إلا بعد بدء الأعراض”، معتبراً أن هذه النقطة “أساسية في محاصرة انتشار الوباء والسيطرة عليه”.
وكانت وزارة الصحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية قد أعلنت تسجيل عشرات الوفيات ومئات حالات الاشتباه المرتبطة بسلالة “بونديبوجيو” من فيروس إيبولا، وهي سلالة نادرة لا يتوفر لها لقاح أو علاج معتمد، بخلاف سلالة “زائير” التي شهدت تطوير لقاحات خاصة بها خلال السنوات الماضية.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن التفشي الحالي يُعد السابع عشر في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ اكتشاف فيروس إيبولا لأول مرة سنة 1976، محذرة من أن حركة التنقل بين الكونغو الديمقراطية وأوغندا قد ترفع من خطر انتقال العدوى إلى دول أخرى.
ودعت المنظمة الدول إلى تعزيز المراقبة الصحية عبر الحدود، وتفعيل آليات الطوارئ الوطنية، مع عزل الحالات المؤكدة ومراقبة المخالطين بشكل يومي، دون اللجوء إلى إغلاق الحدود أو فرض قيود شاملة على السفر والتجارة.