story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

سبتة.. إنذار أخير قبل انفجار أزمة الشغل

ص ص

لم تكن مشاهد آلاف الشباب وهم يتدافعون نحو سبتة مجرد حادث عابر، ولا مجرد قضية أمنية أو إنسانية. لقد كانت رسالة اقتصادية مدوية، وصفارة إنذار ينبغي أن تقلق صناع القرار أكثر مما تقلق الأجهزة الأمنية. فما وقع عند حدود سبتة ليس أزمة حدود، بل أزمة أمل. وليس فشلًا في مراقبة الهجرة، بل مؤشرًا على تراجع قدرة الاقتصاد على إقناع شبابه بالبقاء.

كيف يمكن تفسير استمرار هذا النزيف البشري في بلد يشهد استثمارات ضخمة، ويطلق مشاريع استراتيجية، ويطور بنياته التحتية، ويستعد لاستضافة كأس العالم 2030؟ كيف يمكن أن تتوسع الأوراش الكبرى، بينما تتسع معها أيضا قناعة جزء من الشباب بأن مستقبلهم يوجد خارج الوطن؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه صانع القرار.

الهجرة ليست نتاج عامل واحد، بل هي محصلة اختلالات متراكمة تشمل الثقة في المؤسسات، وجودة الخدمات العمومية، والإحساس بالأمان، وفرص الحراك الاجتماعي. لكن يبقى العمل الحلقة التي تربط كل هذه العناصر. فالأجر لا يحدد فقط مستوى الدخل، بل يحدد القدرة على تأمين السكن والعلاج والتعليم وتأسيس أسرة، وعندما يفقد العمل مردوديته الاقتصادية والاجتماعية، فإنه يفقد معناه، ويتحول البقاء إلى خيار أكثر كلفة من الرحيل…

وتؤكد أرقام المندوبية السامية للتخطيط أن الخلل أصبح بنيويا. ففي سنة 2025 بلغ معدل البطالة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة حوالي 37.2%، أي ثلاثة أضعاف المعدل الوطني تقريبا. والأخطر من ذلك أن 77.3% من شباب هذه الفئة يوجدون خارج السكان النشيطين اقتصاديا، فيما يقارب عدد الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين 2.9 مليون شاب، أي واحدًا من كل ثلاثة..

وفي المقابل، أحدث الاقتصاد المغربي خلال السنة نفسها نحو 193 ألف منصب شغل، بينما واصلت المقاولات الإبلاغ عن صعوبات متزايدة في التوظيف، وارتفع معدل الشغل الناقص إلى 10.9%. هذه ليست مفارقة إحصائية، بل دليل على أن سوق الشغل لم يعد يعاني فقط من نقص في فرص العمل، وإنما من أزمة في جودة هذه الفرص وجدواها الاقتصادية..

ظل النقاش العمومي يختزل نجاح السياسات في عدد فرص الشغل التي يتم الإعلان عنها، في حين أن المعيار الحقيقي هو قدرتها على ضمان العيش الكريم. فما قيمة وظيفة لا تؤمن الحد الأدنى من الاستقرار؟ حينها لا يصبح العمل طريقا للخروج من الهشاشة، بل مجرد وسيلة لتدبيرها..

وتفسر نظريات سوق الشغل هذا الواقع بوضوح. فوفقا لمنحنى بيفريدج، فإن اجتماع البطالة المرتفعة مع المناصب الشاغرة وصعوبات التوظيف يكشف عن اختلال عميق في آليات المواءمة بين العرض والطلب. كما يبين منحنى فيليبس أن صعوبة التوظيف، في الظروف العادية، تدفع الأجور إلى الارتفاع. غير أن ما يحدث في المغرب مختلف؛ فالأجور بقيت راكدة نسبيا، بينما واصلت الأسعار الارتفاع، فتآكلت القدرة الشرائية، وارتفع ما يسمى بـ”أجر التحفظ”. وعندما يصبح دخل العمل أقل من تكلفة الحياة، فإن رفض الوظيفة أو الاتجاه نحو الاقتصاد غير المهيكل أو التفكير في الهجرة لا يعود سلوكا غير عقلاني، بل يصبح قرارا اقتصاديا مفهوما..

لكن أصل المشكلة أعمق من سوق الشغل نفسه، فهذا الأخير لا ينتج الثروة، وإنما يوزعها. وإذا كان الجهاز الإنتاجي يقوم أساسًا على مقاولات صغيرة ضعيفة الإنتاجية، وعلى قطاع غير مهيكل واسع (70%)، فمن الطبيعي أن تظل الأجور منخفضة وأن تبقى فرص الترقي محدودة. فلا يمكن بناء اقتصاد بأجور مرتفعة فوق قاعدة إنتاجية هشة. غير أن هذا الضعف ليس قدرًا محتومًا، بل هو أيضًا نتيجة اختيارات تراكمت لسنوات. فمن جهة، لا يزال جزء من النسيج المقاولاتي يفضل تحقيق الأرباح السهلة والاحتماء بالامتيازات والريع بدل الاستثمار في الابتكار ورفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية. ومن جهة أخرى، لم تنجح السياسات العمومية في الانتقال من منطق تدبير الاقتصاد إلى منطق بناء اقتصاد تنافسي. والنتيجة واضحة: إنتاجية ضعيفة، وأجور راكدة، وشباب يصوت بأقدامه نحو الضفة الأخرى..

ما وقع في سبتة لم يكن مجرد محاولة جماعية لعبور الحدود، بل كان محاولة جماعية لعبور الإحباط. فالذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا جميعهم عاطلين عن العمل، بل إن كثيرا منهم فقدوا الثقة في أن العمل داخل الوطن ما زال قادرا على ضمان مستقبل أفضل. وتلك هي أخطر أزمة يمكن أن يواجهها أي اقتصاد؛ أزمة فقدان الثقة في قيمة العمل. وهي رسالة ينبغي أن تهز صناع القرار أكثر مما تهز الرأي العام، لأن التحدي لم يعد يقتصر على خلق الوظائف، بل أصبح في خلق وظائف تمنح الشباب سببا للبقاء، لا دافعا للرحيل..

لم يعد المغرب في حاجة إلى مزيد من الخطب حول التشغيل، بل إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار لقيمة العمل. فلا تنمية حقيقية في اقتصاد ينخره الريع، ولا تنافسية في بيئة يضعف فيها تكافؤ الفرص، ولا ثقة في مؤسسات تتساهل مع الفساد وسوء تدبير المال العام. إن خلق وظائف لائقة، وربط الدعم بالإنتاجية، ومحاربة الفساد بلا انتقائية، لم تعد خيارات سياسية، بل أصبحت شرطًا للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وإقناع الشباب بأن مستقبلهم يستحق أن يُبنى داخل وطنهم.