رغم التطبيع.. حمودي: التعاون الأمني بين المغرب وإسرائيل لم يرق إلى شراكة استراتيجية
أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إسماعيل حمودي، أن حصيلة خمس سنوات من التطبيع في المجالين الأمني والعسكري لا تسمح بالحديث عن تحالف أو شراكة استراتيجية، و”إنما عن شراكة وظيفية لم ترقَ بعد إلى مستويات أعلى من التعاون”.
وأوضح حمودي، خلال ندوة وطنية نظمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين تحت عنوان “خمس سنوات على التطبيع: الراهن والمآلات”، أن هذا الوصف يظل الأقرب إلى الواقع بالنظر إلى طبيعة العلاقات القائمة وحدودها القانونية والسياسية.
وأشار المتحدث إلى أن “المجالين الأمني والعسكري يشكلان مركز ثقل في العلاقات بين المغرب وإسرائيل، رغم غيابهما الصريح عن الوثيقة التأسيسية لما يعرف بالإعلان الثلاثي، الذي لم يتضمن إشارات مباشرة إلى هذا النوع من التعاون”.
وأضاف أن الإعلان الثلاثي شمل حوالي أحد عشر مجالا للتعاون، من بينها التجارة والمالية والاستثمار والابتكار والتكنولوجيا والأمن الغذائي، غير أن المجال الأمني والعسكري لم يُذكر بشكل واضح، باستثناء صيغة عامة تفتح الباب أمام “قطاعات أخرى قد يتم الاتفاق عليها لاحقا”.
وشدد المتحدث على أن هذه الصيغة لا تخص الحالة المغربية فقط، بل تنطبق أيضا على اتفاقيات التطبيع التي وقعتها دول أخرى، من بينها الإمارات والبحرين والسودان، رغم اختلاف الصيغة القانونية بين إعلان مشترك ومعاهدة سلام.
وأوضح حمودي أن الولايات المتحدة الأمريكية تولت في جميع الاتفاقيات والمعاهدات الأربعة الجانب المتعلق بالأمن والدفاع، من خلال وعود بتقديم امتيازات عسكرية، مثل بيع طائرات “إف 35” للإمارات أو منح المغرب طائرات مسيّرة، “غير أن هذه الوعود لم تتحقق بالكامل إلى اليوم”.
وسجل أستاذ العلوم السياسية أن واضعي اتفاقات التطبيع لسنة 2020 اختاروا الارتكاز على اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، بدل اتفاقات أوسلو، معتمدين منطق “توسيع الكعكة” الذي تقوم به الولايات المتحدة عبر تقديم ضمانات وحوافز لتعزيز ديمومة الاتفاقات.
وأضاف أن هذا الإطار التفسيري يساعد على فهم سبب صمود اتفاقات التطبيع بعد السابع من أكتوبر، رغم حساسية السياق الإقليمي، معتمدا على ما وصفه بالقانون الدولي المرن.
وأوضح أن هذا القانون يقوم على صكوك سياسية ودبلوماسية، مثل التصريحات المشتركة ومذكرات التفاهم وتبادل الرسائل، بدل المعاهدات الصلبة التي تفضي إلى التحكيم والمسؤولية الدولية في حال الإخلال.
وشدد حمودي على أن اللجوء إلى هذا الإطار القانوني يعود لعدة اعتبارات، من بينها تقديم التطبيع في الخطاب الرسمي المغربي باعتباره “استئنافا للعلاقات”، وحساسية العلاقة مع كيان مرفوض شعبيا، فضلا عن إبقاء الاتفاقات بعيدا عن رقابة البرلمان والرأي العام، لافتا إلى أن هذه الصيغة تتيح للدولة هامشا للمناورة وتقليص الكلفة السياسية المحتملة، كما تؤكد الطابع البراغماتي للتعاون القائم على المصالح لا على المبادئ.
وأكد حمودي أن مذكرات التعاون الأمني والعسكري وُقعت في صيغ تقنية غير ملزمة، شملت مجالات مثل إدارة المخاطر والدفاع السيبراني والصناعة الدفاعية والطائرات المسيّرة والاستخبارات، دون المرور عبر المؤسسات التمثيلية.
وأشار إلى أن الحديث عن “خطة عمل مشتركة” بدل اتفاق دفاعي يعكس حدود التعاون، حيث يظل في إطار تنظيمي وتنسيقي يركز على التخطيط وبناء القدرات وتبادل الخبرات، دون التزامات عملياتية مفتوحة أو استضافات عسكرية صريحة.
وأضاف أن “التكتم بشأن تفاصيل التعاون العسكري يعكس رغبة مشتركة في تفادي إثارة حساسيات سياسية داخلية وإقليمية، والحفاظ على هامش للتكيف مع التحولات المفاجئة في المشهد الإقليمي”.
وشدد على أن “هذا النمط من التعاون يظل قابلا للتجميد أو التسريع أو التعليق، بحسب السياق، ما يجعله تعاونا وظيفيا مرنا أكثر منه توافقا دفاعيا شاملا”.
وبخصوص المآلات، أوضح حمودي أن محدودية الضغوط الأمريكية بعد 2020، سواء في عهد بايدن أو خلال السنتين الماضيتين، “حالت دون توسيع الاتفاقات، رغم تحركات الكونغرس والمؤسسات المرتبطة به”.
وأضاف أن “مشروع التطبيع يعاني من عيوب جوهرية، أولها تحوله من إطار للسلام إلى أداة لبناء تحالفات، ما جعله عرضة للسقوط السياسي أمام استراتيجيات بديلة، كما حدث في سياقات إقليمية متعددة”.
وسجل أن العيب الثاني يتمثل في الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، باعتبارها الطرف الذي يقدم الحوافز، في حين تظل إسرائيل طرفا شبه سلبي لا يملك الكثير ليقدمه.
وأشار إلى أن العيب الثالث يتمثل في الرفض الشعبي الواسع لاتفاقات التطبيع، وهو ما يشكل “عبئا سياسيا مستمرا” على الدول المطبعة، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر.
وخلص حمودي في مداخلته بالتأكيد على أن التغير السريع في السياق الإقليمي، وصعود قوى إقليمية ودولية بديلة، يفرضان بدائل أخرى لمشروع التسوية، في ظل فراغ استراتيجي متزايد لم تعد اتفاقات التطبيع قادرة على ملئه.