story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

“خويو!”.. نداء المغرب الغريق

ص ص

لم تعد الكوارث في المغرب في حاجة إلى تقارير كي تُثبت وجودها. يكفي أن تنظر إلى وجه أمّ تُمسك طفلها على كتفها وتُصغي إلى هدير الماء وهو يقترب من عتبة الباب. وأن تسمع نداء بسيطا، صافيا، ومؤلما في الوقت نفسه أن “خويو”. تلك الكلمة التي قالها محمد السيمو، رئيس جماعة القصر الكبير، وهو يصف وضع المدينة بال”خطير”، بعد امتلاء سد وادي المخازن ودخول المدينة إلى سباق مع الموت.

فيضان القصر الكبير هو مرآة جديدة-قديمة تتكرر فيها الحكاية نفسها: مطرٌ كثير، وواد يعلو، وسدّ يمتلئ، وأحياء تُغمر، وناسٌ يُحاصرون داخل بيوتهم، ثم نكتشف، كما يحصل كل مرة، أننا عُزّل أمام الطبيعة، وأن أدواتنا في النجاة ما تزال بدائية، وأن “الخطة” تبدأ عادة من آخر دقيقة.

تقول الحكومة إنها “تتابع الوضع”، وقال الناطق الرسمي باسمها، مصطفى بايتاس، إن اجتماعا سيترأسه وزير الداخلية اليوم لاتخاذ الإجراءات وتعبئة الإمكانيات. وتحدّث أيضا، بلغة الأرقام، عن حجم التساقطات التي ارتفعت، ونسبة ملء السدود بما يفوق تسعة ملايير متر مكعّب من المياه، كل هذا صحيح… لكن الأرقام، حين تُلقى فوق رؤوس الناس وهي تُخرج أثاثها المبلل إلى السطوح، تصبح مثل خطاب تقني يُلقى على غريق: يشرح له ارتفاع منسوب البحر بدل أن يرمي له حبلا.

المشكلة ليست في المطر. المطر نعمة. المشكلة في أننا ما زلنا نتعامل مع الفيضانات كطارئ مفاجئ، بينما هي، في زمن تغيّر المناخ، معطى بنيوي يجب أن يدخل إلى قلب التخطيط، لا إلى هامش البلاغات.

حين نقول “تخطيط” فنحن لا نعني ورقة تُوقَّع في الرباط، بل منظومة كاملة تتضمن خرائط أخطار دقيقة، ومنظومة إنذار مبكّر ومفهوم للناس، وبروتوكولات إجلاء واضحة، ومراكز إيواء جاهزة قبل أن تفيض الأودية، وتدريب دوري للمدارس والأحياء، ومخزون لوجستي لا ينتظر التعليمات كي يتحرك.

لنأخذ مثال منطقة “وادي لحضر” قرب تازة. نحن هنا لا نتحدث عن قمم الأطلس ولا عن قرية معزولة وراء العالم. بل نتحدث عن دواوير تبعد حوالي 12 كيلومترا عن مدينة تازة، ومع ذلك تتحول إلى سجن مفتوح كلما ارتفع منسوب الوادي. لا قنطرة ولا عبور. فيلجأ الناس إلى الجرارات والآليات الفلاحية لمواجهة السيول، في مشاهد تهين فكرة الدولة قبل أن تهين كرامة المواطن.

بعض السكان هناك يذكرون أن الوادي ابتلع أرواحا في سنوات سابقة، ويتساءلون ببساطة موجعة: لماذا لا يصل صوتنا؟

هنا يجب أن نكون عقلانيين بلا قسوة، وأن نحتج بلا شعبوية. لأن السؤال الحقيقي ليس: من المذنب اليوم؟ بل: لماذا يتكرر السيناريو نفسه؟ ولماذا يظهر “المغرب الفعّال” في مكان، ويختفي في مكان آخر؟

اسمحوا لي بسؤال يوجع لكنه مشروع: كيف نجحت الملاعب في امتصاص مياه أمطار هائلة، وبقيت بيوتٌ كاملة مهددة بسيول من المياه؟

هذا السؤال لا يعني أننا ضد البنيات الكبرى. بالعكس. هذه المشاريع ضرورية، وهي جزء من صورة بلد يريد أن يكون في قلب العالم. لكن ما لا يُفهم هو هذا الفرق الفادح بين سرعتي بلد واحد: سرعةٌ خارقة حين يتعلق الأمر بالمركز، وبطءٌ قاتل حين يتعلق الأمر بالمواطن العادي في الأطراف.

إذا كانت الدولة قادرة على تعبئة التمويلات وإنجاز الأوراش الكبرى بسرعة قياسية، فلماذا لا تُترجم هذه القدرة إلى أبسط شروط السلامة في مدن مثل القصر الكبير؟ لماذا نحتاج إلى أن يرتفع الماء كي نتذكر دور الإيواء؟ ولماذا ننتظر الهيجان كي نكتشف هشاشة الصرف الصحي، وضعف المسالك، وغياب الجسور، وانعدام سيناريوهات الإجلاء؟

الأكثر إيلاما في القصر الكبير أن نداء “خويو”، رغم وجاهته، يكشف عطبا عميقا. نطلب من الناس أن يتركوا بيوتهم في لحظة ذعر، وكأن البيت مجرد جدار.

البيت عند الانسان المغربي ذاكرة، ومصدر رزق، وحياة. وحين تقول لأسرة اخرجي من بيتك، فأنت تحتاج أن تكون قد أعددت لها ما بعد الخروج: أين ستنام؟ كيف ستحمي أطفالها؟ من سيؤمّن دواءها؟ من سيحمي ممتلكاتها من النهب.

هذه ليست أسئلة ترف، بل هي جوهر الدولة حين تُختبر.

لهذا، نعم، يجب أن ننتقل من ردّ الفعل إلى الفعل. ومن التدخل بعد وقوع الكارثة إلى السياسة بمعناها الشامل. سياسة تعترف بحقيقتين:

أولا: الكوارث الطبيعية ليست استثناء، بل أصبحت قاعدة تتكرر بوجوه مختلفة: جفاف، وفيضانات، وموجات حر… وهذا يفرض ميزانيات قارة للوقاية، لا فتاتا بعد وقوع الكارثة.

ثانيا: الإنسان ليس ضحية فقط. بل هو جزء من الحل. يجب أن نكف عن التعامل مع المغربي كأنه قاصر ينتظر الدولة لتفكر بدلا عنه. علينا إدماج ثقافة الوقاية في المدرسة والإعلام والجامعات، تتضمن مهارات الإسعافات الأولية، وسلوكيات السلامة، وتدريبات إخلاء، وفرق تطوع محلية مدرّبة، ومسؤوليات واضحة.

ثم نصل إلى لبّ الموضوع: الديمقراطية والمؤسسات.

حين نكتشف “المغرب الغريق”، فهذا يعني شيئا بسيطا، هو أن الشعب غائب عن معادلة ترتيب الأولويات.

أنا لا أردد شعار “أوقفوا كل شيء!”. هذا تبسيط طفولي. لكنني أقول: لا يمكن أن نبني مغربا عالميا بواجهة مضيئة وظهر مكشوف.

لا يمكن أن نُنتج السياسات الكبرى فوق رؤوس الناس، ثم نطلب منهم الصبر حين تبتلع المياه بيوتهم.

الديمقراطية ليست ترفا نظريا، بل آلية إنقاذ حقيقي. أن يكون لمغاربة القصر الكبير وتازة وآسفي وغيرهم صوتٌ مؤثر في اختيار المشاريع، وفي مراقبة الميزانيات، وفي محاسبة من يترك قنطرة مؤجلة لسنوات وكأنها كماليات.

الديمقراطية تعني أن المواطن لا يظهر فقط عندما يُطلب منه الإخلاء، بل يظهر قبل ذلك وهو يشارك في منع الإغراق أصلا.

نعم، سنبني الملاعب، وسننجح في التنظيم، وسنُقنع العالم أننا قادرون. لكن العظمة ليست في أن يُصفّق لك الآخرون. العظمة في ألا يغرق أبناؤك داخل بيوتهم.

وإلى أن نفهم هذه الجملة جيدا، سيظل نداء “خويو” يتكرر، وسيظل “المغرب الغريق” يدفع ثمن الفرق بين بلدين يسكنان البلد نفسه: مغرب يركض، ومغرب يسبح كي لا يموت.