حين اختار الملك دكار لمخاطبة شعبه.. العلاقات المغربية السنغالية أعمق من نتيجة مباراة
بعد إسدال الستار على نهائي كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم المغرب 2025، الذي احتضنه ملعب مولاي عبد الله بالرباط يوم 18 يناير الجاري، وانتهى بتتويج المنتخب السنغالي على حساب المغرب، عادت العلاقات بين الرباط ودكار لتتصدر واجهة النقاش، وسط محاولات من البعض للتشكيك في متانتها عبر حملات ذات طابع عنصري على بعض منصات التواصل الاجتماعي، غير أن الاطلاع على عمق هذه العلاقات يكفي ليدحض هذه الادعاءات، ويؤكد أن ما يجمع البلدين يتجاوز بكثير نتيجة مباراة كرة قدم.
إن المتفحص لتاريخ وحاضر العلاقات المغربية السنغالية يدرك فورا أنها لا تندرج ضمن العلاقات الدبلوماسية التقليدية، بل تشكل نموذجا فريدا للتلاحم بين شعبين ودولتين، بُني على أسس روحية وإنسانية وسياسية صلبة، تزداد رسوخا مع مرور الزمن، إذ منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، حظيت هذه العلاقة بعناية خاصة، تجسدت في قيامه بثمان زيارات رسمية إلى السنغال، وهو أعلى عدد من الزيارات الملكية إلى بلد إفريقي.
خطاب دكار
ولعل أبرز محطة تعكس هذا الاستثناء في العلاقات الثنائية، الزيارة التاريخية التي قام بها العاهل المغربي إلى دكار في نونبر 2016، حين اختار العاصمة السنغالية لإلقاء خطابه بمناسبة الذكرى الحادية والأربعين للمسيرة الخضراء، في سابقة هي الأولى من نوعها، أُلقي فيها خطاب وطني من خارج التراب المغربي.
وخلال ذلك الخطاب التاريخي، أكد الملك أن “اختياره للسنغال لم يكن وليد الصدفة، بل نابعا من مكانتها المتميزة في إفريقيا بفضل نموذجها الديمقراطي واستقرارها السياسي، إضافة إلى علاقات التضامن التي تجعل الشعبين السنغالي والمغربي كشعب واحد، بحيث يشكل كل منهما امتدادا طبيعيا للآخر في تلاحم فريد يحترم خصوصيات كل طرف”.
دعم ثابت لملف الصحراء
وعلى الصعيد الدبلوماسي والسياسي، تتسم المواقف بين البلدين بتطابق تام في وجهات النظر، وتعتبر السنغال من أشرس المدافعين عن الوحدة الترابية للمملكة، حيث جددت دعمها الثابت لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وذو مصداقية، وهو الموقف الذي تجسد فعليا بافتتاح قنصلية عامة لها في مدينة الداخلة في أبريل 2021.
وفي سياق تعزيز هذا الموقف، شهد نونبر 2025 مباحثات هامة في الرباط بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث رحبت دكار بقرار مجلس الأمن 2797، مؤكدة دعمها المطلق لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ومعتبرة أن الشراكة مع المغرب تعد “المرجع الأساسي لعلاقات المملكة في القارة السمراء”.
تعاون اقتصادي
اقتصاديا، تعكس الأرقام والمؤشرات حيوية التعاون، إذ تضاعف حجم المبادلات التجارية بشكل لافت خلال العقدين الأخيرين ليصل إلى 370 مليون دولار في 2024 (حوالي 3.5 مليار درهم) بعد أن كان لا يتجاوز 98.5 مليون دولار في 2010، مما بوأ السنغال مكانة الزبون الأول للمملكة في منطقة غرب إفريقيا، باستحواذها على 21 بالمائة من الصادرات المغربية.
وترتبط الدولتان بترسانة من الاتفاقيات التي تغطي كافة القطاعات الحيوية، بدءا من القطاع المصرفي والمالي، مرورا بالأشغال العمومية والبنية التحتية، وصولا إلى الزراعة والطاقة، حيث كانت السنغال أول بلد يوقع اتفاقية تضمن المعاملة بالمثل للمقاولات في كلا البلدين.
وتماشيا مع الرؤية الملكية للتنمية الصناعية الإفريقية المشتركة، كشف وزير الصناعة والتجارة المغربي، رياض مزور، في غشت 2025، عن أولويات ثلاث لتعزيز التعاون مع السنغال، نقل الخبرات في الصناعات الغذائية والطاقة المتجددة، تحسين البنيات التحتية المينائية واللوجستية، وإنشاء صناديق استثمارية مشتركة لدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة في المنطقة.
كما يمتد التعاون بين البلدين ليشمل قطاع النقل السككي، حيث تم في غشت 2024 توقيع اتفاقيات شراكة بين المكتب الوطني للسكك الحديدية بالمغرب (ONCF) والشركة الوطنية لتدبير قطار “الترال” السنغالي، تهدف لتبادل الخبرات والتكوين.
البعد الروحي والديني
ولا يمكن الحديث عن العلاقات المغربية السنغالية دون استحضار البعد الروحي والديني المتجذر في التاريخ، والذي تشكل الطرق الصوفية، لا سيما التيجانية والمريدية، عموده الفقري، حيث دأب المغرب على إيفاد وفود رفيعة المستوى للمشاركة في المناسبات الدينية الكبرى بالسنغال مثل “مكال” طوبى وذكرى المولد النبوي في تيفاوان.
هذا الحضور الديني المستمر يحظى بتقدير وامتنان كبيرين من الشعب السنغالي ومشايخه، ويعكس حرص إمارة المؤمنين بالمغرب على صيانة الأمن الروحي المشترك، وتشجيع قيم الإسلام السمح والمعتدل.
وفي مجال التعليم وتكوين الأطر، يمثل العنصر البشري حجر الزاوية في هذه الشراكة، بحيث يتابع أكثر من 3000 طالب سنغالي دراستهم في المغرب، في حين يدرس حوالي 1500 طالب مغربي في الجامعات السنغالية، منهم 400 في كليات الطب.
تضامن في أوقات الأزمات
وتجلى التضامن الفعلي بين البلدين في أوقات الأزمات، إذ أنه خلال جائحة كوفيد-19، وبتعليمات ملكية، كانت السنغال ضمن الدول الإفريقية التي استفادت من جسر جوي للمساعدات الطبية والوقائية في يونيو 2020، كما قدم المكتب الشريف للفوسفاط هبات من الأسمدة لدعم المزارعين السنغاليين في ظل ارتفاع الأسعار عالميا.
ولطي صفحة التوتر العابر عقب نهائي “الكان”، بادر الرئيس السنغالي باسييرو ديوماي فاي، خلال تكريمه لمنتخب بلاده، بتوجيه شكر خاص للملك محمد السادس والشعب المغربي، مشيدا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة التي حظيت بهما البعثة السنغالية.
وفي نفس الاتجاه، أجرى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مساء الأربعاء 22 يناير 2026، اتصالا هاتفيا مع نظيره السنغالي أوسمان سونكو، حيث نوه الطرفان بعمق العلاقات الاستثنائية التي تجمع البلدين.
وقد تُوج هذا الاتصال بالاتفاق على عقد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة للشراكة المغربية السنغالية يومي 26 و27 يناير الجاري في الرباط، بعد توقف دام 13 عاما منذ آخر دورة في دكار عام 2013.