“حمامة” أخنوش و“ميزان” الدولة
تمنحنا السياسة أحيانا مشاهد لا تحتاج إلى كثير تأويل، لأنها تشرح نفسها بنفسها، مثل هذا “الفيلم” الرديء الذي أريد له أن يكون تصريفا لقرار “صرف” عزيز أخنوش عن صدارة المشهد، ثم انتهى إلى نتيجة مطابقة لمقولة “تمخّض الجبل فولد فأرا”.
حزب التجمع الوطني للأحرار الذي كان يُعتبر الحزب “الأول” في المغرب، وُضع فجأة أمام سؤال بسيط: من يخلف الرجل الذي صار رأسا أكبر من الجسم؟ فاختار أن يجيب بالطريقة الوحيدة التي يعرفها، أي ليس عبر زعيم جديد، ولا عبر فكرة جديدة، ولا عبر صراع ديمقراطي داخلي… بل عبر “تعيين” مدير تنفيذي اسمه محمد الشوكي، وُلد في السنة نفسها التي وُلد فيها الحزب (الحزب وُلد في انتخابات 1977 رغم أنه تأسس رسميا في 1978)، وكأننا أمام شركة تحتفل بعيد ميلادها بإطلاق اسم ابن مالكها على قاعة مقرها الكبرى.
انتقل الحزب من حالة رئيس نزل عليه بالمظلة من فوق، إلى آخر طفا على سطحه فجأة من القاع، بعدما وفد عليه في الولاية الأخيرة فقط، قادما من حزب آخر هو الأصالة والمعاصرة.
حين لا يملك الحزب “نخبا” تصعد من داخله، ولا تقاليد تصنع زعماء، يصبح انتقال الأشخاص بين الجرار والحمامة مثل انتقال موظف بين شركتين في “الهولدينغ” نفسه، الفرق فقط هو اللون والشعار.
فماذا يعني ما انتهى إليه فيلم التغطية على خروج أخنوش؟
إنه يعني أولا أن أي “مهدي منتظر” لم يأت. والمخزن الذي أمر بالانصراف لم يقل أكثر. والقيادة اضطرت أن “تحل المشكلة” بنفسها في اليوم الأخير من المهلة التي حددتها لتلقي الترشيحات (زعما زعما).
لا مولاي حفيظ العلمي جاء، ولا نادية فتاح العلوي ترشحت، ولا ظهر اسم ثقيل يمكن أن يُقال عنه إنه سيحمل الحمامة على كتفه ويواصل السباق. وحين لا يأتي المرشح الذي يُفترض أن يأتي من فوق، يخرج الحزب من ورطته بأخف الأضرار، فيقبل بمرشح أخنوش نفسه، الرجل الذي “رباه على يدّو”، واضطرت معه الصحف إلى أن تشرح لنا من يكون كما تُعرِّف برئيس مصلحة جديد: ولد سنة كذا، ودرس في جامعة كذا… كأن الزعماء صاروا يحتاجون إلى تعريفات مستخرجة من سجلات الحالة المدنية، لا من فكرهم ومواقفهم وخطابهم ومسارهم…
ما وقع يعني ثانيا، وبوضوح أكبر، أن حزب الحمامة خرج رسميا من السباق حول الصدارة. لأن الحزب الذي يراهن على تصدر انتخابات تشريعية، لا يذهب إلى مؤتمره الاستثنائي بمرشح ظهر في آخر دقيقة، ولا يضع على واجهته شخصا يليق بتدبير مصلحة، لا بقيادة معركة سياسية.
دعونا نقرأ البلاغ الأخير لحزب الأحرار، لنفهم أيضا وظيفة هذا الانتقال. نفس اللغة الخشبية التي تفتتح بالاعتزاز بالنجاح “الباهر” في تنظيم الكان، والتنويه بـ“حكمة جلالة الملك” في مواجهة التشويش، ثم الثناء على “نجاعة الاختيارات الاقتصادية” في تنفيذ قانون المالية… أي كل ما يمكن أن يقوله من انقطع عنه خطّ التوجيهات التي تضبط البوصلة و”تلفات ليه الحلوفة”.
بعدها، بكل بساطة، جملة صغيرة تقول إن المكتب السياسي “تلقى ترشيح الأخ محمد شوكي ويحيله على المؤتمر الاستثنائي”. لا صراع، ولا تنافس، ولا مشاريع. كأننا أمام تقرير إداري يطوي مرحلة ويُمرّر أخرى بأقل قدر من الضجيج.
لقد جاء الحل على مقاس الإحراج: رئيس بلا كاريزما ولا حضور سياسيي، لكنه مضمون الولاء للرئيس المدير العام.
“تعيين” الشوكي، وهو واحد من “مستخدمي” عزيز أخنوش في الفرع السياسي للهولدينغ الذي بناه، لا يعني خروج أخنوش من المشهد كليا، بل يعني العكس: سيحتفظ بالحزب كذراع سياسي لمركب المصالح التي يمثلها. بل قد يتحول إلى أكبر معارض سياسي في المرحلة المقبلة، سواء دخل الحزب إلى الحكومة أم لا، والراجح أنه سيدخلها، لكن بوزن مختلف ووظيفة مختلفة.
سيجد رئيس الحكومة المقبلة أخنوش أمامه في كل مكان: في مواقع المسؤوليات العليا، وعلى رأس المؤسسات الحيوية، وفي المراكز الجهوية للاستثمار، وفي نقاط تقاطع قنوات المعلومات المالية والاقتصادية العمومية والخاصة…
لقد صرفت الدولة أخنوش من حيث “تملك” أن تصرفه، لكنها ستبقيه، ولو مؤقتا، حيث لا تملك أن تعصف بتوازن المصالح. الرجل بات عبئا وخطرا سياسيا على الاستقرار، وهو ما أدى إلى صرفه من خدمة الواجهة، لكن ما يمثله من مصالح متشعبة سيستمر الآن بأداة لم يسبق أن حازها رجل واحد بهذا الشكل: حزب وظيفي تولى بنفسه تعيين “مديره التنفيذي”، وسيواصل الإمساك بخيوطه ما لم يحدث ما يحمل الدولة على نهج “التتريك” الذي يقوم به المخزن تاريخيا مع خدّامه حين تنتهي أدوارهم أو تخرج أقدامهم من “الشواري”.
إذا جمعنا كل هذا، سنجد أنفسنا أمام نتيجة واحدة هي أن الطريق يُفتح أمام الخيار الثالث الذي تحدّثنا عنه في هذا الركن ساعات قليلة قبل صدور قرار “تعيين” الشوكي “مديرا تنفيذيا” لحزب الأحرار.
خيار لا يحتاج إلى كثير هندسة لأنه موجود أصلا، وجاهز تنظيميا وانتخابيا وسياسيا: حزب الاستقلال.
إذا تحقّق هذا السيناريو، بهندسة وتدبير من الدولة عبر اقتلاعها أنياب حزبيها، فليس حبّا في إرث “سيدي علال” ولا وفاء لروح محمد بوستة، بل بحثا عن استعادة قدر من الثقة في البناء المؤسساتي، وإعادة شيء من الاحترام لقواعد تدبير الشأن العام وتصريف منطوق الدستور والثوابت السياسية للدولة… وهي مهام يبدو حزب الاستقلال، في هذه اللحظة بالذات، الأقدر على لعبها، بعدما عاث المتطفلون على التدبير السياسي فسادا في قوانين الدولة وسلوك مؤسساتها.
كل هذا لا يعني أن الدولة “تابت” عن آثامها في حقّ السياسة. لا تبالغوا في الحلم. لكنه يعني أنها استشعرت ولو نسبيا خطورة ما جرى في الأعوام الأخيرة من تجريف وقتل للسياسة بأبعادها الحزبية والنقابية والإعلامية، وخطورة ذلك على الاستقرار والسلم الاجتماعي. والدليل ليس في البلاغات، بل في الشارع: الناس في القرى والجبال صاروا يقصدون مكاتب العمال والولاة مباشرة، والشباب يتظاهرون مخاطبين الملك من الوهلة الأولى، لأن الوسائط الوسيطة تم إفراغها من معناها.
السياسة حين تُقتل، لا تموت وحدها. بل يموت معها السلم الاجتماعي، ويصبح كل احتجاج مرشحا لأن يخرج من السقف ويذهب إلى الجذر. لهذا تُفضّل الدولة اليوم، على ما يبدو، أن تعود إلى حزب قادر على لعب دور الوسيط لا دور آلة الحصاد التي “تاكل ما تشبع”.
حزب يفهم القواعد ويحترمها، ويعرف كيف يتفاوض داخل المؤسسات دون أن يحول كل قانون إلى فضيحة وكل قرار إلى مقامرة.
أما حزب الأحرار، فليهنأ بمديره التنفيذي الجديد. لقد أنهى الفيلم، لكن القصة لم تنته. لأن السؤال الحقيقي ليس من سيقود الحمامة، بل من سيحمل كلفة أخنوش السياسية؟ ومن سيمنع هذا النفوذ من أن يتحول إلى معارضة من داخل الدولة نفسها؟
وفي انتظار الجواب، يبدو أن الميزان يميل حيث يوجد حزب اسمه الاستقلال. حزب يتقدم بخطوات باردة، فيما الآخرون يتعلمون مجددا معنى “الطاعة” في الصعود والنزول، بعد أن ظنوا أن صدارة المشهد حق مكتسب.