story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

حكومة البومبا

ص ص

شكّلت الزيادة المفاجئة بحوالي درهمين كاملين في سعر لتر الغازوال بعد مرور ثلاثة أسابيع فقط على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، صدمة جديدة للمغاربة، لا لشيء سوى أنها وقعت بهذه الوقاحة الباردة، وكأنّ جيوب الناس أرضٌ مستباحة، والقدرة الشرائية بقرة حلوب لا يجفّ ضرعها.

لا نتحدث هنا عن بضعة سنتيمات تُهضم في زحمة الحسابات، ولا عن تذبذب عابر في أسواق دولية يمكن أن يناقشه الخبراء في نشرات الاقتصاد، بل عن زيادة فاحشة، خشنة، ثقيلة، فظة، تعرف الحكومة قبل غيرها أنها لن تتوقف عند المضخة، بل ستزحف فورا إلى النقل والخضر والخبز والتوزيع والخدمات وكل ما يتحرك على عجلات، أو يشتعل بوقود، أو يدخل في سلسلة إنتاج أو تسويق. أي إننا أمام ضريبة اجتماعية جديدة مفروضة باسم السوق، وبختم العجز الحكومي، وبصمت التواطؤ المفضوح.

نعم، أقول التواطؤ، لأنّنا لسنا أمام كارثة طبيعية ولا قدر اقتصادي لا يُرد، ولا حكومة مكبّلة بلا صلاحيات ولا سلطة. نحن أمام حكومة تملك أغلبية مريحة، وتملك أجهزة الدولة، وتملك القدرة القانونية والتنظيمية، ويترأسها في الآن نفسه أكبر فاعل في قطاع المحروقات.

هذه ليست حكومة متفرجة على السوق، بل حكومة خرجت من رحمه، وتقيم في قلبه، وتتنفس من هوامشه، وتعرف كل أسراره ومخارجه ومداخله، ثم تتصرف معنا كما لو أن ما يقع خارج إرادتها.

ومن يطلب منّا أن نحمّل المسؤولية لقرار تحرير أسعار المحروقات الذي مضى عليه أكثر من 12 عاما، إنما يحاول أن يهرّب الحاضر إلى الماضي، وأن يبرّئ الجهة الحاكمة الآن من مسؤولياتها ومن تواطئها.

لقد قيل لنا كثيرا، وما زال يقال، إنّ السوق هي التي تحكم، وإنّ أسعار النفط والمنتجات المكررة في الأسواق العالمية هي التي ترفع وتخفض، وإنّ الحكومة لا يمكنها أن تفعل أكثر من الفرجة الحزينة والنصح الأخلاقي والتلويح بالتمنيات. لكن ما يكذّب هذه الحكاية الرخيصة ليس المعارضة، ولا الشارع، ولا “الذباب الإلكتروني”، بل الأرقام الرسمية نفسها.

في كل مرة تنخفض فيها تكلفة استيراد المحروقات، لا ينخفض سعر البيع في المحطات إلا بنصف الوتيرة، وبجزء صغير من الكرم الجبائي والتجاري المفترض. وعندما ترتفع التكلفة، يتحول السوق فجأة إلى كائن شديد اليقظة، خارق الحساسية، سريع الحركة، ينقل الزيادة إلى المواطن بسرعة الصاروخ.

هذا يعني شيئا واحدا: لا وجود لسوق تنافسية حقيقية، بل يوجد ناد مغلق من الكبار، يملك الخزانات، والشبكات، والقدرة اللوجستية، وسلطة التوقيت، ويعرف متى يضغط ومتى يتباطأ، فيما الدولة تتصرف كما لو أنها مراقب محايد في مباراة بين طرف قوي وطرف أعزل، مع أن واجبها ليس التحكيم بين الذئب والخروف، بل منع الافتراس أصلا.

ولعلّ أبشع ما في هذه الفضيحة الجديدة أنها تأتي في لحظة كان يفترض فيها، لو كنا فعلا في دولة تحترم نفسها ومواطنيها، أن يُستعمل المخزون الاستراتيجي لتأخير الصدمة لا لنقلها فورا إلى الناس. وزيرة الانتقال الطاقي خرجت قبل أيام لتطمئن المغاربة، قائلة إن الوزارة تحثّ الموزعين على تفعيل المخزون الاستراتيجي لتفادي زيادات كبيرة.

جميل جدا. ثم ماذا؟ ها هم الموزعون يكذّبونها على الهواء مباشرة، ويرفعون السعر كمن يصفع الحكومة نفسها قبل أن يصفع المواطنين.

إذا كانت الحكومة غير قادرة على إلزامهم، فما جدوى وجودها؟ وإذا كانت تعرف مسبقا أنهم لا يلتزمون، فلماذا تطمئن الناس باسم مخزون لا وجود له إلا في البلاغات؟

القانون الذي يفترض فيه أن يكون سقفا لبيت المغاربة المشترك، يلزم شركات توزيع المحروقات بوضوح بتكوين مخزون يغطي ستين يوما من مختلف المواد. فيما تعترف الوزارة نفسها بأن متوسط المخزون لا يتجاوز ثلاثين يوما، وربما أقل. أي أنّنا لا نعيش فقط في ظلّ سوق متواطئة، بل في ظلّ دولة تعرف أن القانون يُخرق على هذا المستوى الخطير، ثم لا تفعل شيئا جديا لتطبيقه.

الحكومة الحالية لا تتحمل المسؤولية فقط لأنها لم تُصلح ما يفترض أن غيرها أفسده، بل لأنها وجدت في هذا الملف أصلا ما يخدم هندستها السياسية والاقتصادية.

كيف يمكن لرئيس حكومة يملك أكبر شركة في القطاع أن يتحول فجأة إلى قاض صارم على نفسه وعلى أقرانه؟ كيف يمكن أن نطلب من سلطة اندمجت مصالحها مع مصالح السوق أن تحمي المجتمع من هذه السوق؟

لقد قيل لنا إن تضارب المصالح تهمة مبالغ فيها، وإن الناس يخلطون بين النجاح في الأعمال والقدرة على الحكم. حسنا، هذا هو الامتحان العملي. حكومة يرأسها امبراطور المحروقات، في بلد يهتزّ تحت وقع زيادة صادمة في الغازوال، ومخزون استراتيجي ناقص أو مغشوش، وآليات رقابة منصوص عليها منذ 2016 لا تُفعل، وعقوبات تصل إلى سحب الرخص لا أحد يجرؤ على تذكير الكبار بها، وضرائب لم تُخفف لتليين الصدمة، ودعم للغازوال المهني لم يُفعَّل، ثم يطلب منا بعد ذلك أن نصدق ألا علاقة لكل هذا بتضارب المصالح.

وللإنصاف، فإن رئيس الحكومة عزيز أخنوش ليس وحده المسؤول، مهما كان موقعه المركزي في هذه المنظومة. شركاؤه في الأغلبية يتحملون المسؤولية كاملة، لأنهم يزكون الخيارات نفسها، ويدافعون عنها في البرلمان، ويمنحونها الغطاء السياسي، ويشاركون في بيع الأوهام للمغاربة.

هؤلاء جميعا مسؤولون عن الضرب الممنهج للقدرة الشرائية، وعن الاستهانة بذكاء الناس، وعن تغطية افتراس اقتصادي يتكرر كلما سنحت الفرصة. لا أحد منهم يستطيع أن يختبئ خلف شماعة “الإرث”، ولا جلباب بنكيران، ولا قرار عمره اثنا عشر عاما.

من يحكم اليوم هو من يُسأل. ومن يملك الأغلبية اليوم هو من يحاسب. ومن يملك أدوات التدخل والتنظيم والردع اليوم ثم لا يستعملها، فهو المسؤول أمامنا، عن جعل جيوب الناس حطبا إضافيا في نار الربح.

الارتفاع الجديد في أسعار المحروقات جاء ليكشف مرة أخرى أن الدولة، حين يتعلق الأمر بمصالح الكبار، تصير لينة، مرنة، متفهمة، بطيئة الحركة، مليئة بالأعذار التقنية والمؤسساتية. لكنها حين يتعلق الأمر بجيب المواطن، تصير السوق مقدسة، والتوازنات المالية صنما، والظروف الدولية قدرا منزلا.

المشكلة أن المغربي يدفع دائما الثمن كاملا، بينما تتوزع الأرباح بين الدولة حين ترتفع الضرائب مع ارتفاع السعر، وبين الشركات حين تحفظ هوامشها من كل اهتزاز، وبين المضاربين الذين يرفعون كلفة كل شيء بدعوى النقل والتوزيع، ثم يُطلب من المواطن أن يصفق للإنجازات الكبرى وهو يعدّ ما تبقى في جيبه آخر الشهر.

ما نعيشه اليوم ليس انزلاقا عرضيا في سوق محررة، ولا هو مقتصر على سوق المحروقات، بل بات قاعدة عامة شملت اللحم والسمك والطماطم والبصل… وهو نتيجة منطق في الحكم والتدبير، يعتبر الأمن الطاقي تفصيلا، والرقابة إزعاجا، ومحاسبة الكبار مخاطرة، والقدرة الشرائية رقما ثانويا في معادلة الأرباح والنمو والصورة.

وإذا كان القانون لا يُطبَّق إلا على الضعفاء، وإذا كانت السوق لا تُحرَّر إلا بما يرضي شهية الكبار، وإذا كانت الحكومة لا تتحرك إلا متأخرة لتشرح ما وقع بدل أن تمنعه؛ فإننا لا نعيش أزمة محروقات فقط، بل أزمة دولة تتسامح مع الافتراس ما دام الضحية هو المواطن.

وحين يصل الناس إلى هذه القناعة، لا تبقى الخطورة في درهمين أضيفا إلى سعر لتر غازوال، بل في ذلك الشعور الثقيل بأن السلطة نفسها باتت جزءا من المشكلة، عندما باتت بين يدي حكومة “البومبا”.