جامعيون: تعدد آليات دعم السكن واختلال التنسيق الترابي يحدان من فعالية الدولة الاجتماعية
أكد أستاذ القانون الإداري و العلوم الإدارية بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية السويسي بالرباط محمد البقالي أن تمويل الدولة لقطاع السكن في المغرب، عبر مزيج من الدعم المباشر والامتيازات الضريبية، بات يُشكل منظومة “ظرفية وغير منسجمة” تستنزف المالية العمومية دون تقييم دقيق لنجاعتها أو أثرها الاجتماعي الحقيقي.
وأوضح البقالي خلال ندوة وطنية بعنوان “الدولة الإجتماعية الترابية.. رهانات التحول و تحديات التفعيل” الأربعاء 13 ماي 2026 أن الإشكال الجوهري لا يكمن فقط في حجم الاعتمادات المرصودة للسكن، وإنما في تعدد أدوات التدخل العمومي وتشتتها بين الدعم المباشر الذي قد يصل إلى عشرات المليارات من الدراهم، وبين نفقات جبائية تفقد الدولة موارد مهمة سنويا دون تتبع صارم لفعاليتها.
وأضاف المتحدث أن السياسة الحالية تعتمد على مسارين متوازيين: دعم مالي مباشر موجه للأسر، وإعفاءات وتخفيضات ضريبية لفائدة المنعشين العقاريين والفئات المستفيدة، وهو ما يخلق – بحسب تعبيره – “تراكما في الامتيازات دون رؤية تقييمية موحدة”.
كما شدد البقالي على أن جزءا كبيرا من هذه النفقات، سواء الظاهرة أو غير المباشرة، يظل خارج تقييم الأثر الحقيقي، رغم تنبيهات مؤسسات رقابية إلى ضرورة مراجعة وتصفية الامتيازات غير المجدية، معتبرا أن استمرارها بالشكل الحالي يحول السياسة السكنية إلى “تدبير مالي ظرفي أكثر منه سياسة اجتماعية مستدامة”.
وأشار المتحدث إلى أن كلفة هذه التدخلات قد تصل، عند تجميع الدعم المباشر والنفقات الجبائية على مدى عدة سنوات، إلى ما يفوق ستين مليار درهم، دون احتساب محدودية الاستدامة المالية لهذه الآلية، التي وصفها بأنها “مرتبطة بالظرفية أكثر من ارتباطها برؤية إصلاحية بعيدة المدى”.
وخلص البقالي إلى التأكيد على أن إشكال السكن في المغرب يستدعي توحيد أدوات التدخل العمومي، وربطها بأهداف دقيقة وقابلة للقياس، بدل تعدد البرامج والامتيازات التي تضعف أثر الدولة الاجتماعية وتزيد من كلفة المالية العمومية دون مردودية واضحة.

من جهته أشار أستاذ القانون الإداري و المالية العامة نصير المكاوي إلى أن الفعل الاجتماعي في المغرب يعيش “فجوة بنيوية” بين تدخلات الدولة المركزية والجماعات الترابية، وهو ما يحد من نجاعة السياسات العمومية الموجهة لمحاربة الهشاشة والفقر وتحقيق العدالة المجالية.
وأوضح أن الدولة المغربية تتوفر على منظومة واسعة من البرامج والمؤسسات الاجتماعية، تشمل قطاعات الصحة والتعليم والتضامن والتشغيل، إضافة إلى مبادرات وطنية وبرامج تنموية متعددة، غير أن أثرها يظل متفاوتا بسبب ضعف الالتقائية بين الفاعلين وتشتت التدخلات على المستوى الترابي.
وأضاف المتحدث أن التفاوتات المجالية بين المدن الكبرى والمناطق القروية والعالم القروي عموما تعكس اختلالا واضحا في توزيع الخدمات العمومية، مشيرا إلى أن المواطن القادم من “الهامش” غالبا ما يصطدم بفوارق كبيرة عند انتقاله إلى المدن الكبرى من حيث البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن النقاش حول “التقائية السياسات العمومية” يظل محوريا، غير أن الواقع يكشف، حسب قوله، غياب الانسجام بين برامج الدولة من جهة، وبرامج الجهات والجماعات الترابية من جهة ثانية، رغم التنصيص القانوني على ضرورة هذا التكامل.
وأضاف أن إشكال التزامن في إعداد برامج التنمية بين المستويات الترابية المختلفة يطرح صعوبات حقيقية في تحقيق التنسيق، ويجعل من الصعب بناء رؤية موحدة للتنمية الاجتماعية على المستوى المحلي.
كما توقف المتحدث عند إشكال “اللاتمركز الإداري”، موضحا أن عددا من المصالح اللاممركزة تفتقد للقرار المالي والإداري، وهو ما يحد من قدرتها على تفعيل الشراكات مع الجماعات الترابية، ويجعل تنفيذ السياسات العمومية رهينا بالمركز.
وخلص المكاوي إلى أن تفعيل الدولة الاجتماعية على المستوى الترابي يقتضي إعادة النظر في منظومة الاختصاصات والتمويل، وتعزيز الالتقائية بين الفاعلين، بما يسمح بتحويل البرامج من مقاربة قطاعية مجزأة إلى رؤية ترابية مندمجة قادرة على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.