story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

ثلاث نسخ من إيران خلال قرن.. كيف صنعت الجغرافيا والنفط والثورة دولةً لغّمها الغرب بالحلم النووي

ص ص

على امتداد قرن كامل، لا تبدو إيران دولة تسير في خط مستقيم، بل عبارة عن ثلاث نسخ منها، تتناوب على التحكم، كل واحدة تمسك المقود حين تضعف الأخرى، ثم تتركه حين تتقدم الكلفة أو يتبدّل الزمن.

هناك أولا إيران الدولة/الأمن، التي لا ترى في السياسة سوى فنّ منع الانهيار، وتتعلم من كل صدمة أن السلطة إن لم تتصلّب تُلتهم. وهذه هي إيران التي تُعيد تركيب نفسها كلما تصدّعت، وتنتج أجهزة أشدّ حضورا من الفكرة، وتتعامل مع المجتمع بوصفه مجالا للمراقبة قبل أن يكون مجالا للتعاقد.

ثانيا هناك هناك إيران الثورة/التضحية، التي تشتغل بذاكرة كربلاء بوصفها آلة سياسية لا تنفد، وتحوّل الجرح إلى معنى، والخسارة إلى شرعية، والموت إلى رأسمال رمزي. إيران هذه هي التي تجعل الاستشهاد لغة لتفسير الألم ولإنتاج الصمود، والتي تتجدد كلما أحست أن الداخل يتفسخ وأن الخارج يقترب، فتستدعي “الرواية الكبرى” كي تُعيد شدّ المجتمع إلى مركز واحد.

ثم نجد إيران النفط/الجغرافيا، التي لم تختر موقعها ولا ثروتها، لكنها تحمل ثمنهما كل يوم. إيران التي تقع بين إمبراطوريات وممرات، وبين بحر يُغري ومضيق يهدد، وبين أسواق تريد الطاقة وقوى تريد النفوذ، فيتحول النفط إلى قدر سياسي قبل أن يكون موردا اقتصاديا.

من قدر إيران، على امتداد القرن الماضي، أن تعيش داخل جغرافيا لا تسمح لها بأن تكون “بلدا عاديا”. فهي ليست مجرد دولة في غرب آسيا، بل عقدة عبور بين قارات ومصالح، تمتد من تخوم القوقاز وآسيا الوسطى شمالا إلى الخليج وبحر عُمان جنوبا، وتطل على واحد من أكثر شرايين الطاقة حساسية في العالم عند مضيق هرمز.

في مطلع القرن العشرين لم تكن إيران بحاجة إلى أن تبحث عن “خصوم” كي يتنازعوا حولها؛ كانوا هناك أصلا. تنازع بريطاني–روسي على النفوذ في بلاد تعبرها طرق التجارة وتجاورها حدود الإمبراطوريات، ثم جاء اتفاق تقاسم النفوذ سنة 1907 ليمنح ذلك التنافس شكلا رسميا: مناطق نفوذ متقابلة ومجال “محايد” في الوسط.

هذا النوع من الخرائط لا يصنع فقط حدود تأثير خارجي، بل يصنع داخل البلاد قابلية دائمة للاهتزاز: نخبة تحاول بناء دولة، وقوى اجتماعية، تجار البازار ورجال الدين والمثقفين، ترى في الخارج شريكا متغولا لا يمكن الوثوق به.

ثم جاء النفط ليضيف إلى الجغرافيا معنى أشد خطورة، فلم تعد إيران فقط مفترق طرق، بل خزّانا يمكن أن يُشعل العصر الصناعي أو يربكه. اكتشاف النفط في جنوب غرب البلاد عام 1908، ثم تأسيس الشركة التي ستصبح لاحقا إحدى ركائز القوة النفطية البريطانية، جعل “السيادة” في المخيال الإيراني تقاس بما يحدث في الحقول والموانئ والعقود، لا بما يقال في الخطب وحدها.

لكن “المعضلة الإيرانية” ليست خارجية فقط، بل هي أيضا داخلية بامتياز. فإيران الحديثة لم تُبنَ فوق مجتمع متجانس يسلّم بمركز واحد للشرعية، بل فوق توازنات حساسة بين الدولة المركزية، والبازار كقوة اقتصاد ومزاج اجتماعي، والمؤسسة الدينية بوصفها منتجا للمعنى والاحتجاج، والنخب المتعلمة التي حلمت بدولة قانون، ثم التيارات اليسارية التي رأت في الاستعمار أصل العطب.

لهذا تبدو إيران، في كل منعطف كبير، وكأنها تعود إلى السؤال نفسه بأسماء جديدة: من يحكم؟ وبأية شرعية؟ ولصالح من تُدار الثروة والموقع؟

وفي خلفية هذا السؤال ظل ثابتٌ لا يتغير، هو أن العالم لا ينظر إلى إيران فقط بما تريده لنفسها، بل بما تمثله جغرافيا في ميزان الطاقة والتجارة والأمن. وما دام مضيق هرمز—مثلا—يمر عبره جزء ضخم من تدفقات النفط والغاز عالميا، فإن أي اهتزاز داخلي أو مواجهة خارجية تتحول تلقائيا إلى حدث كوني، لا إلى شأن وطني محلي.

الثورة الدستورية بداية القرن 20

لم تبدأ إيران القرن العشرين كدولة تبحث عن تحديث هادئ، بل كبلد مثقَل بديون وأزمات وامتيازات تُمنح للخارج، وبسلطة تتآكل هيبتها كل يوم، وبمدينة مثل طهران تختنق من الضرائب وغلاء السكر، وتراقب جهازا إداريا تزداد فيه اليد الأجنبية نفوذا حتى في تفاصيل الجمارك.

في هذا السياق، لم تكن “الثورة” كلمة رومانسية في إيران، بل كانت أقرب إلى صحوة متأخرة لبلد أحسّ أنه يُدار من خارجه بقدر ما يُدار من داخله، وأن حياته اليومية صارت رهينة توازنات لا يملكها. كانت الشرارة التي ستتحول إلى ثورة دستورية تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل كل شحنة الإهانة السياسية: غضب الأسواق، وقلق الناس من الإفلاس، وسخط طبقة تجارية-حِرفية رأت أن الامتيازات الأجنبية تُفرّغ رزقها من معناه.

وعلى الضفة الأخرى، كان رجال دين كبار ينظرون إلى ما يحدث بوصفه انهيارا للعدل قبل أن يكون أزمة اقتصاد، بينما كان المثقفون والوطنيون قد بدأوا يتخيلون طريقا آخر، نحو دولة يحكمها قانون مكتوب لا مزاج البلاط.

اللافت في لحظة 1905–1906 ليس فقط أنها فجّرت أول تجربة برلمانية حديثة في إيران، بل أنها جمعت أطرافا لا يجمعها عادة سقف واحد. البازار لم يكن مجرد سوق، بل شبكة تضامن ومؤسسات تمويل وأعراف قوة؛ ورجال الدين لم يكونوا مجرد وعاظ، بل وسطاء شرعية اجتماعية وسياسية؛ والمثقفون والليبراليون لم يكونوا مجرد قرّاء صحف، بل أبناء زمن جديد تشكّل فيه معنى “الأمة” مقابل معنى “الرعية”.

التقت هذه الأطراف، ليس لأن رؤاها واحدة، بل لأنها وجدت في الدستور أداة مشتركة لإجبار السلطة على الاعتراف بحدودها. حتى “الاحتجاج” أخذ شكلا يناسب المجتمع الإيراني في حينه، من خلال اعتصامات جماعية وطلب “الأمان” في فضاءات محمية، أشهرها لجوء آلاف المحتجين إلى حدائق المفوضية البريطانية في طهران صيف 1906، في مشهد بدا كأنه مفارقة جارحة: شعب يطلب الدستور كي يقلّص نفوذ الخارج، لكنه يضطر في لحظة الصدام إلى الاحتماء برمزية الخارج نفسه.

حين صدر الأمر بإنشاء مجلس الشورى الوطني ثم صيغ “القانون الأساسي” في 1906، بدا الأمر وكأنه انتصارٌ نهائي. لكنه كان، في العمق، إعلان ولادة صراع طويل على الشرعية. فالدستور لم يكن اتفاقا على طبيعة الدولة بقدر ما كان اتفاقا على منع الاستبداد المطلق، ثم بدأ الخلاف الحقيقي بعد ذلك، حول من يملك الحق في تفسير “الإسلام” داخل السياسة؟ ومن يحدد حدود سلطة الملك؟ وما معنى تمثيل الأمة؟ وهل يكون البرلمان مصدر التشريع أم مجرد شريك للعرش؟

لذلك جاءت “القوانين الأساسية المتممة” في 1907 كمحاولة لترتيب هذا الاشتباك، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام معركة لا تنتهي بين شرعية دينية ترى نفسها حارسة للهوية، وشرعية دستورية ترى نفسها حارسة للقانون، وسلطة ملكية ترى نفسها مركز الدولة.

سرعان ما ظهر أن الملك الجديد، محمد علي شاه، لا يرى في المجلس إلا قيدا مهينا، وأن قوى الخارج، التي كانت تقيس إيران بميزان المصالح، لا تعطي للدستور قيمة إذا تعارض مع خرائط النفوذ. ثم جاءت لحظة 23 يونيو 1908 حين قُصف البرلمان نفسه، باعتباره تجسيدا لفكرة أن السيادة يمكن أن تُكتب في نص، وأن الحاكم يمكن أن يُسأل.

قُصف المجلس على يد لواء القوزاق بقيادة ضباط روس، كان رسالة صريحة بأن الشرعية الدستورية يمكن كسرها بالمدفع إذا غابت عنها الحماية السياسية والعسكرية.

مع ذلك، فإن الدستور لم يمت بالقصف، بل عاد من الأطراف. من تبريز تحديدا، ومن مدن وأقاليم عرفت أن المعركة لم تعد مع البلاط وحده، بل مع معنى الدولة ذاته. دخلت قوى دستورية طهران في يوليو 1909، وأُزيح الشاه، وعاد البرلمان، كأن إيران تعلن للمرة الثانية في أقل من ثلاث سنوات أنها تريد أن تُدار بصيغة جديدة، حتى لو كانت هذه الصيغة هشّة وممزقة بين المعسكرات.

النفط غيّر السياسة قبل الاقتصاد

لم يدخل النفط إلى إيران بوصفه “موردا” يُضاف إلى اقتصاد قائم، بل بوصفه معنى جديدا للسلطة نفسها. فقبل أن يصبح النفط أرقاما في الميزانيات، صار منطقا يسرّع الصراع الداخلي ويستدعي الخارج إلى قلب الدولة، لأن اكتشافه جاء في لحظة كانت فيها إيران تتلمّس طريقها نحو دولة حديثة بعد الثورة الدستورية، بينما كانت خزائنها مثقلة بالقروض والامتيازات، وسلطتها المركزية مترددة بين ضغط الشارع وابتزاز القوى الكبرى.

فجأة، صار تحت التراب ما يكفي لجرّ الإمبراطوريات إلى الداخل، وما يكفي أيضا لجرّ الداخل إلى الانقسام حول سؤال بسيط وقاس: من يملك حق التصرف في ما تحت الأرض؟

لم تكن “القصة” حينها متعلّقة بحقل نفطي، بل قصة امتياز مُنح عام 1901 لبريطانيا، حول حق التنقيب على نطاق واسع ولمدة طويلة، لم يُقرأ داخل إيران كعقد تجاري فحسب، بل كترجمة قانونية لفكرة أقدم: أن الدولة الضعيفة تُستبدل فيها السيادة بسطر في ورقة.

كثير من الدراسات التي تتبعت نصوص الامتيازات تذكر كيف صيغت بعقل “القرن الإمبراطوري”، تمتد لمدة طويلة، واحتكار شبه كامل، وعودة بسيطة للدولة المضيفة تُقاس غالبا كنسبة من الأرباح بدل أن تُقاس كملكية للثروة. هذا النوع من الصياغة هو ما صنع باكرا شعورا واسعا بأن السيادة يمكن أن تُسرق في العقود قبل أن تُسرق في الحدود.

ثم جاء الاكتشاف سنة 1908 ليحوّل الامتياز إلى دولة داخل الدولة. فما إن ثبتت الجدوى التجارية حتى تأسست الشركة الأنغلو-فارسية عام 1909، وبدأت علاقة جديدة من نوع لم تكن إيران تعرفه، عبر شركة تُعيد ترتيب المكان والناس والشرطة والطرق والسكك والتشغيل، وتصنع “مدنا نفطية” تنشأ بسرعة وتغير علاقات العمل والسلطة محليا.

تصف الأبحاث الاجتماعية الحديثة حول بدايات المجتمع النفطي الإيراني كيف أنتجت هذه الصناعة المبكرة فضاء جديدا للسلطة والانضباط، وأدخلت الدولة إلى اختبار عسير: هل تملك فعلا القرار داخل أراضيها حين تصبح أهم منشآتها موجهة لخدمة طلب خارجي وعقود خارجية؟

في عام 1914 اشترت الحكومة البريطانية حصة مسيطرة في الشركة، في خطوة لم تكن “استثمارا” محايدا، بل قرارا استراتيجيا مرتبطا بتحول البحرية البريطانية إلى الوقود النفطي، وبأمن الإمبراطورية في زمن الحرب.

هذا الربط بين النفط والدولة البريطانية جعل الإيرانيين يرون أمامهم لاعبا مزدوجا. شركة تتفاوض كفاعل اقتصادي، ودولة عظمى تتصرف كفاعل جيوسياسي في آن واحد. من هنا أخذت المسألة طابعا أشد حساسية، ولم يعد النزاع حول ربح وخسارة، بل حول سيادة باتت تُختبر يوميا، وحول حدود دولة تتشكل بينما أهم مواردها مربوط بعقيدة أمنية لبلد آخر.

مع مرور السنوات، لم يقتصر أثر النفط على علاقات إيران بالخارج، بل أعاد ترتيب الداخل أيضا. فقد خلق طبقة اجتماعية جديدة، ونقابات، ومطالب، واحتكاكا يوميا بين مجتمع محليّ فقير وبنية صناعية حديثة تعمل بمعايير وانضباط مختلفين. لكنه في الوقت نفسه ضخّم هشاشة السياسة. كل أزمة مالية أو صراع حول الإصلاح أو محاولة لتقوية الدولة المركزية كانت تجد نفسها تلقائيا أمام سؤال النفط، لأنه صار الطريق الأقصر لتحصيل الموارد.. والطريق الأقصر أيضا لتدخل الخارج.

لهذا لم يكن مفاجئا أن يتحول النفط، لاحقا، إلى قلب الوطنية الإيرانية الحديثة. ليس لأنه أغنى البلاد، بل لأنه لقّنها باكرا درسا سياسيا حادا مفاده أن الاستقلال ليس شعارا يُرفع، بل عقدا يُكتب، ومن يكتب العقد يكتب حدود السيادة حتى لو لم يغيّر الحدود على الخريطة.

“ريزاخان” والدولة القسرية

حين ظهر ريزاخان على المسرح السياسي لم يأتِ بوصفه رجل أفكار يفاوض على معنى الدولة، بل بوصفه رجل قوة يفرضها. وانقلاب 1921 لم يكن مجرد تغيير حكومي، بل كان بداية انتقال حاد من إيران متعبة بعد الثورة الدستورية، تتنازعها الأقاليم والقبائل والديون والتدخلات، إلى مشروع “دولة مركزية” يرى أن أول شرط للسيادة هو احتكار السلاح، وأن أول شرط للحداثة هو أن تصبح البلاد قابلة للإدارة من العاصمة.

منذ تلك اللحظة بدأ العسكري الذي سيصير لاحقا “رضا شاه” يتصرف كما لو أن إيران تحتاج إلى قبضة لا إلى نقاش، وإلى جهاز دولة يسبق المجتمع، ولو اضطر إلى كسره كي يعيد تركيبه.

أعاد ريزاخان، في سنوات قليلة، هندسة السلطة من الأساس. جيش موحد بدل جيوش مبعثرة الولاء، ومركزية صارمة بدل تفاوض دائم مع الأطراف، وبيروقراطية تتوسع بسرعة لتجعل الدولة حاضرة في الضرائب والقضاء والتعليم والشرطة.

كان يؤمن، كما يوحي مسار قراراته، أن إيران لن تصير “أمة” إلا حين تصير “دولة” أولا، وأن الدولة لا تُبنى على الهشاشة؛ بل تُبنى على الانضباط. لذلك تحولت الإصلاحات عنده إلى عملية اقتلاع بقدر ما هي عملية بناء. اقتلاع لمراكز القوة القديمة، خصوصا تلك التي كانت تعيش خارج منطق الدولة الحديثة أو فوقه.

من هنا بدأت الخصومة الأكثر حساسية، مع المؤسسة الدينية الشيعية، بوصفها بنية نفوذ اجتماعي واقتصادي ورمزي كانت تتقاسم مع الدولة حق تعريف الشرعية في المجتمع. لم يكتفِ ريزاخان بتقليص دور رجال الدين داخل المجال العمومي، بل راح يدفع الدولة نحو احتكار جديد للرموز، عبر قانون حديث، ومحاكم نظامية، وتعليم رسمي، وأزياء “وطنية” يراها هو علامة وحدة، بينما يراها كثيرون إلغاء لما اعتادوه من تعدد محلي واجتماعي.

ولأن ريزاخان كان ينظر إلى تركيا الكمالية كنموذج قريب ومغر، فقد أخذ من منطقها لبّ الفكرة، أي صناعة أمة حديثة عبر توحيد الشكل العام، وتخفيض وزن المؤسسة الدينية في المجال السياسي، وإعادة تعريف “التقدم” باعتباره خروجا من القديم لا تفاوضا معه.

لذلك تحولت مشاريع التعليم والتحديث العمراني والإدارة إلى وجه من وجوه بناء الدولة، لكن الوجه الآخر كان أكثر كلفة. فكل إصلاح كان يحمل في داخله بذرة مقاومة، لأن المجتمع لم يكن يرى نفسه مادة قابلة للتشكيل على طاولة السلطة.

ثم جاءت لحظة “كشف الحجاب” في منتصف الثلاثينيات بوصفها التعبير الأكثر كثافة عن هذه الدولة القسرية التي تتدخّل فب تفاصيل اللباس. لم يعد الأمر مجرد تشجيع على نمط لباس جديد، بل أصبح فرضا قاسيا في التطبيق، خلّف خوفا وعزلة اجتماعية لدى فئات واسعة، وفتح جرحا طويل الأمد في علاقة الإيرانيين بمفهوم “التحديث” نفسه: هل هو تحررٌ يُختار أم تحديثٌ يُفرض؟ وهل يصنع بناء الدولة تلقائيا تقدّم المجتمع، أم يخلق مقاومة صامتة تتحول مع الزمن إلى خصومة سياسية؟

تحالف غير متوقع ضد “الدولة التابعة

كان صعود رضا شاه مشروعا لدولة تريد أن تنتزع زمامها من التفكك، لكنه في نظر خصومه كان مشروعا لدولة تُبنى على حساب السياسة، وتُدار من أعلى بعقلية الثكنة، وتتحول فيها “النهضة” إلى واجهة يمكن أن تخفي تبعية للخارج أو استباحة للداخل.

في قلب هذه المفارقة تشكلت لحظة نادرة في التاريخ الإيراني الحديث، عندما سيجد رجل دين بارز، من داخل منطق الحوزة والبرلمان معا، نفسه على أرضية مشتركة مع وطنيين ليبراليين من طينة محمد مصدق، رغم اختلاف اللغة والمنطلقات. لم يوحدهما “برنامجٌ موحد” بقدر ما وحدهما خوفٌ واحد من أن تتحول الدولة التي تُبنى باسم السيادة إلى دولة تُصادر السيادة ذاتها، وأن يصبح التحديث قناعا يُمرَّر تحته نزع السياسة من المجتمع.

كان حسن مدرس، الذي خرج من تقاليد الفقه الشيعي إلى فضاء البرلمان، يمثل نموذجا للسياسي الديني الذي لا يكتفي بالوعظ، بل يشتغل على فكرة “الحد” الذي يجب أن تقف عنده السلطة. لم يكن حضوره في المجلس في شكل “داعية”، بقدر ما كان حضور صوت يصرّ على أن الشرعية لا تُسلَّم لزعيم مهما بدا قويا أو حديثا.

من داخل تلك اللحظة المضطربة التي أعقبت الثورة الدستورية، كان مدرس يرى أن الاستبداد يعود بلباس جديد، وأن رضا شاه، الذي راكم سلطته عبر الجيش والإدارة والأمن، يذهب إلى ما هو أبعد من بناء الدولة، يذهب إلى تحويلها إلى ملكية شخصية، وإلى تحييد البرلمان نفسه عن دوره.

أما مصدق، الذي تشكل وعيه في سياق قانوني حديث، فكان يرى الخطر من زاوية أخرى. رآه في دولة تتحول فيها السيادة إلى “قرار فوقي” بلا تمثيل، وتصبح معها البلاد قابلة لتوقيع الصفقات باسم الإصلاح.

كان مصدق من أبناء المدرسة الدستورية التي اعتبرت البرلمان روح الدولة الجديدة، ولذلك كان ينظر إلى توسع نفوذ رضا شاه بوصفه انقلابا تدريجيا على روح 1906، وعلى فكرة أن القانون أعلى من إرادة الفرد. لم يكن مصدق في ذلك الوقت زعيما جماهيريا كما سيصير لاحقا، لكنه كان رمزا لتيار يعتقد أن الدولة الحديثة لا تكتمل بالجيش والإدارة وحدهما، بل بتوازن السلطة وحق المجتمع في أن يراقبها ويحاسبها.

ما جعل هذا التحالف “غير المتوقع” ممكنا هو أن الدولة القسرية حين تتوسع، تسحق خصوما لا يجمعهم شيء إلا أنها تسحقهم بالطريقة نفسها. لم يحاصر رضا شاه رجال الدين فقط، بل حاصر السياسة ذاتها، ولم يضعف الوطنيين الليبراليين فقط، بل أضعف فكرة التعدد في المجال العام.

لكن لحظة التحالف انتهت على نحو جعلها تُكتب في الذاكرة الشيعية والسياسية معا بلغة “الجرح” لا بلغة “الهزيمة”. لأن مصدق، مهما تعرض للنفي والإقصاء، بقي في المخيال السياسي رمزا يمكن أن يعود، بينما مدرس تحوّل إلى “قصة” مكتملة، بعد اعتقال، ونفي داخلي، ثم قتلٌ في السجن سنة 1937، بعد سنوات من العزل والإذلال.

لم تعد القضية مجرد تصفية خصم سياسي، بل تحولت إلى تفعيل رمزي عنيف لواحدة من أقدم تمثلات المذهب الشيعي، أي أن الدم حين يُسفك في سبيل “الحق” لا يُغلق الملف، بل يفتحه إلى الأبد. لهذا ظل اسم مدرس حاضرا ليس كسياسي برلماني فقط، بل كشهيد سياسي؛ وتحوّل مقتله إلى مادة تُغذي لغة التضحية التي ستصبح لاحقا من أهم موارد التعبئة في إيران الحديثة.

انكسار الشرعية

لم يكن النفط في إيران ملفا اقتصاديا منفصلا عن السياسة، بل كان هو السياسة حين تلبس ثوب الأرقام. فمنذ أن ترسّخت الامتيازات الأولى في مطلع القرن، تشكّل في الوعي الإيراني المبكر إحساسٌ جارح بأن الدولة لا تتصرف في ثروتها كما تتصرف الدول في ثرواتها، وأن ما يُستخرج من تحت الأرض لا يمرّ أولا من “سيادة” العاصمة، بل من حسابات الشركة ومنطق الإمبراطورية.

لهذا، حين حاول رضا شاه في الثلاثينيات إعادة النظر في العلاقة مع الشركة النفطية البريطانية، لم يكن يتعامل مع عقد مالي فقط، بل مع عقدة شرعية، وسؤال كيف يحكم بلدا يريد أن يجعله “حديثا” وهو عاجز عن أن يُقنع شعبه بأن ما تحت أقدامهم لهم؟

جاءت لحظة مراجعة العقود محمّلة بآمال شعبية واسعة. وكان من الطبيعي أن يُستقبل أي حديث عن “إعادة التفاوض” بوصفه وعدا باسترجاع جزء من الكرامة. لكن ما حدث في النهاية كان أشبه بصدمة أخلاقية. بدل أن تتحول المراجعة إلى تصحيح تاريخي، انتهت إلى اتفاق جديد سنة 1933 مدد الامتياز لعقود طويلة أخرى، في لحظة شعر فيها كثيرون أن الدولة، وهي تتفاوض باسمهم، خرجت من الغرفة وقد قيّدت نفسها أكثر بدل أن تتحرر.

لم تكن المشكلة في التفاصيل التقنية وحدها، بل في الرسالة السياسية التي تلقاها المجتمع. الدولة التي تبني المدارس والجيش والسكك، وتطالب الناس بالانضباط باسم “الوطن”، لم تستطع أن تنتزع من الطرف الآخر ما يثبت أنها صاحبة القرار في أهم مورد استراتيجي.

هكذا بدأ النفط يشتغل كوقود اجتماعي ضد السلطة وضد النفوذ الأجنبي في آن واحد، لأن الفشل في ملف النفط كان يترجم في المخيال العام كفشل في معنى الدولة نفسها. وفي بلد خرج لتوه من ثورة دستورية لم تكتمل، كانت الشرعية هشة أصلا؛ فجاء “التمديد المهين” ليكسر ما بقي من الثقة في أن الإصلاح من أعلى يمكن أن يحقق السيادة من دون أن يصطدم بالخارج أو يتواطأ معه.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتُعرّي إيران أكثر، بعد احتلال 1941، وإزاحة رضا شاه، وعودة السؤال الكبير ولكن بصيغة أشد خشونة: إذا كانت البلاد تُدار في الحروب الكبرى كأرض عبور ومخزن طاقة، فماذا تبقى من الاستقلال؟

في أواخر الأربعينيات، اتخذت هذه الحركة شكلا أكثر تنظيما حين أُقر قانون يلزم الحكومة بمراجعة امتياز الشركة النفطية، كأن البرلمان يريد أن يقول إن زمن الصمت انتهى، وإن الأمر لم يعد يخص البلاط أو الحكومة وحدها. لكن المفاوضات التي تلت ذلك أعادت إنتاج الإحباط، بعد “اتفاق تكميلي” طُرح سنة 1949، واعتبره الوطنيون تجميلا للعلاقة لا تغييرا لها. بدا كأنه رشوة سياسية أكثر منه استردادا حقيقيا للملكية، وبدا أن الفجوة بين ما يريده الشارع وما يُعرض على الدولة تتسع بسرعة.

هنا عاد محمد مصدق إلى الواجهة، ليس بوصفه معارضا تقليديا، بل كرمز لإصرار قديم على أن البرلمان ليس ديكورا وأن السيادة ليست خطبة. التف حوله تيار وطني جديد، وتحوّلت قضية النفط إلى بؤرة تجمع الغضب الاجتماعي مع الخطاب القانوني، في لحظة صارت فيها “السيادة” كلمة قابلة للتعبئة مثلما هي قابلة للتقنين.

التحق آية الله أبو القاسم كاشاني بهذا المزاج الوطني، فبدا التحالف بين مصدق ورجل دين ذي حضور شعبي تجسيدا لشيء أعمق من السياسة اليومية. حين يشعر مجتمع بأن ثروته تُنتزع، فإنه يبحث عن لغة جامعة، واللغة الجامعة في إيران كانت خليطا من الوطنية والعدالة والدين. لم يكن هذا التحالف تطابقا فكريا كاملا، بل تقاطع مصالح ورموز. مصدق يمنح المعركة شكلها الدستوري والقانوني، وكاشاني يمنحها حرارة الشارع وسقف التعبئة الأخلاقية، في بلد يعرف أن المعارك الكبرى لا تُربح بالأوراق وحدها.

وحين جاءت سنة 1951، لم يعد التأميم قرارا مفاجئا، بل ذروة تراكم طويل من الإحباطات والوعود المكسورة ومحاولات التفاوض التي بدت في نظر الناس مجرد طرق ملتوية لتأجيل الحق. كان التأميم، في جوهره، محاولة أخيرة لاستعادة معنى الدولة، بأن تكون قادرة على أن تقول “هذا لنا” دون أن ترتجف.

تأميم النفط بوصفه لحظة سيادة

في ربيع 1951، بدا أن إيران، لأول مرة منذ زمن طويل، تجرّب ممارسة السيادة حقا. لم يأتِ قرار تأميم النفط كقفزة في الهواء، بل كتتويج لتراكم طويل من الإحساس بأن “الملكية” تُكتب على الورق لصالح الآخرين، وأن الدولة تُطالَب بالانضباط أمام شعبها، بينما تُجرَّد من القدرة على التصرّف في أثمن ما لديها. حين صعد محمد مصدّق إلى رئاسة الحكومة، كانت شرعيته مشدودة إلى الشارع أكثر من القصر، وإلى البرلمان أكثر من الأجهزة، وإلى فكرة واحدة تُختصر في كلمة لكنها تحمل تاريخا كاملا من الإذلال: هذا النفط لنا.

في تلك اللحظة بالذات لم يكن مصدق يخوض معركة تقنية حول نسب الأرباح والتعويضات، بل كان يخوض معركة كرامة سياسية في بلد كان يرى مصفاة عبادان كقلب ينبض خارج جسده. ومع أن الرجل كان يعاني متاعب صحية مزمنة في سنواته الأخيرة، إلا أن حضوره السياسي ظل كثيفا، وصوته ظل يستمد حرارة من فكرة أن التأميم ليس تصعيدا بل استرجاعٌ متأخر.

ردُّ بريطانيا لم يتأخر، لكنه لم يأخذ شكل خطاب غضب فقط، بل شكل خنق اقتصادي تجسّد في سحب الخبراء، وتعطيل التشغيل، ثم الدفع نحو مقاطعة النفط الإيراني وتجفيف عائداته، لتصبح السيادة الجديدة محاصرة داخل اقتصاد ينكمش بسرعة.

في الوقت نفسه، فُتحت جبهة “الشرعية الدولية” بسلاح القانون، من خلال شكوى أمام محكمة العدل الدولية، وملف أمام مجلس الأمن، ومحاولة لتصوير المسألة كتهديد للسلم أو كمصادرة غير مشروعة. لكن المفارقة أن لاهاي نفسها، في حكمها الشهير في يوليو 1952، قضت بعدم اختصاصها للنظر في النزاع كما طُرح عليها، وهو ما استقبله الإيرانيون كاعتراف ضمني بأن القضية، في جوهرها، ليست جنحة قانونية بل نزاع سيادة.

وفي مجلس الأمن، لم تكن المعركة أقل رمزية. ذهاب مصدق إلى نيويورك، وحديثه بلغة الدولة التي تقف وحيدة أمام قوة استعمارية سابقة، لم يكن مجرد محاولة لكسب التصويت، بل محاولة لانتزاع الاعتراف بأن ما يجري شأن داخلي لشعب يريد أن يملك ثروته. والوثائق الأممية لتلك الجلسات تُظهر كيف تحوّل ملف النفط إلى ساحة اختبار.

في عز الحرب الباردة، كانت إيران تقع على تماسّ جغرافي حساس، وقريبة من الاتحاد السوفياتي، وفي داخلها حزب توده الشيوعي حاضرٌ كقوة منظمة في النقابات والشارع، وفي مخيال الغرب حاضرٌ كإمكانية “انزلاق” لا تُقاس فقط بحجمه الحقيقي بل بقوة الخوف منه.

جعل هذا الخوف واشنطن ترى أن خسارة النفط الإيراني ليست مسألة أرباح فحسب، بل مسألة أمن استراتيجي. إما أن يُحرم “العالم الحر” من النفط، أو يصبح النفط سلاحا في يد خصم أيديولوجي، أو تتحول الأزمة إلى كسر لهيبة الغرب في المنطقة. هذه اللغة تظهر بوضوح في وثائق السياسة الخارجية الأميركية التي كانت تقرأ الأزمة بوصفها خطرا على خطوط الاتصال وعلى توازن “الحزام الشمالي” حول السوفيات.

هكذا صار كل تفصيل صغير في أزمة التأميم يحمل معنى عالميا. الإضراب في عبادان لا يُقرأ كإضراب، بل كاختبار نفوذ الشيوعيين؛ وفشل التصدير لا يُقرأ كفشل تجاري، بل كفرصة لتمدد الخصم؛ ومعركة التعويض لا تُقرأ كخلاف قانوني، بل كسابقة قد تنتقل بالعدوى إلى بلدان أخرى ترى في التأميم طريقا للخلاص من عقود الامتياز.

في نظر دوائر غربية عديدة، لم يكن الخطر أن تفقد بريطانيا سيطرتها على النفط الإيراني فقط، بل أن يرى الآخرون—في العالم العربي وأمريكا اللاتينية وإفريقيا—أن التأميم ممكن، وأن الابتزاز الاقتصادي قد لا يكسر الإرادة. وهذا بالضبط ما جعل أزمة إيران أكبر من مساحتها الجغرافية.

بين الشارع الذي كان يرى في مصدق صورة “إيران التي تستعيد نفسها”، وبين الخارج الذي كان يرى في التأميم تهديدا لهيبة نظام كامل، كانت الدولة الإيرانية تُساق إلى مأزق مركّب. فهي تريد أن تثبت سيادتها دون أن تنهار ماليا، وتريد أن تحاصر النفوذ البريطاني دون أن تُفتح عليها تهمة “الانحراف نحو السوفيات”، وتريد أن تُبقي التحالف الوطني عريضا دون أن تتحول شوارعها إلى ساحة صراع بين خصوم داخليين يتغذون من الاستقطاب العالمي.

أمريكا تدخل

لم تكن واشنطن، في أزمة النفط الإيرانية، ضيفا طارئا جاء يطفئ حريقا ثم يغادر. كانت تدخل ببطء، كمن يختبر الباب قبل أن يفتحه كاملا، وبحذر شديد يليق بقوة تصعد على أنقاض إمبراطوريات قديمة.

بدا الأمريكيون في البداية أقرب إلى لغة “الوساطة” منها إلى لغة “التحالف”، وأكثر ميلا إلى مخاطبة مصدق بعبارات احترام لشعب يريد أن يتحكم في موارده. وكان مزاج ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما تبعه من موجة تفكك الاستعمار الكلاسيكي، يسمح لواشنطن أن تظهر كقوة مختلفة عن بريطانيا، وأن تقدم نفسها كوسيط عاقل بين “حق” يتشكل في طهران و”مصلحة” تتوجع في لندن.

لكن هذا الدعم ظل في معظمه لفظيا، لأن ما كان يحكم المطبخ الأمريكي لم يكن سؤال العدالة في عقد نفطي فقط، بل سؤال أوسع وأخطر: كيف تُدار إيران، على حافة الاتحاد السوفياتي، في ذروة الحرب الباردة، من دون أن تنزلق خارج المدار الغربي؟

هنا بدأت العلاقة الأمريكية مع مصدق تتشكل كعلاقة مزدوجة الطبقات. في العلن: تعاطف مع مطلب التأميم، وضغط على البريطانيين كي يتخلوا عن عنادهم، ومحاولات لصياغة حل “يحفظ ماء وجه الجميع” عبر تسويات مالية أو صيغ تشغيل جديدة لا تُسقط مبدأ السيادة ولا تُحطم مصالح النفط. وفي العمق: خوف حقيقي من أن يتحول الانتصار الإيراني إلى “سابقة” سياسية في العالم الثالث، تفتح شهية دول أخرى على إعادة كتابة العقود، وتُظهر أن الإمبراطوريات يمكن كسرها من بوابة الاقتصاد، بدل الحرب.

لكن أكثر ما كان يقلق واشنطن لم يكن بريطانيا وحدها، بل الفراغ. إذ ما الذي يحدث إذا نجح مصدق سياسيا وأخفق اقتصاديا تحت المقاطعة؟ وما الذي يحدث إذا تحولت الأزمة إلى انهيار مالي يفتح الباب للاضطراب الاجتماعي؟

في هذا السيناريو يصبح حزب توده، بما يملكه من تنظيم ونفوذ داخل بعض النقابات والشارع، حاضرا في الحسابات الأمريكية كاحتمال جاهز للاستثمار في لحظة تعب. لم تكن واشنطن بحاجة إلى أن تؤمن بأن توده قادر وحده على السيطرة على الدولة، يكفيها أن تؤمن بأن الفوضى تمنح السوفيات فرصتهم. لهذا كانت الوساطة الأمريكية، منذ بدايتها، تحمل في داخلها وظيفة احتواء التأميم كي لا يصير مدرسة، واحتواء الأزمة كي لا تصير مدخلا لتغيير أوسع في ميزان الحرب الباردة.

مع مرور الوقت، بدأت هذه الازدواجية تُنتج توترا مع مصدق نفسه. كان الرجل يبني شرعيته على الشارع، والشارع كان يطالبه بالصلابة لا بالمساومة. كلما ضاقت المقاطعة الاقتصادية، صار مصدق محتاجا أكثر إلى تعبئة داخلية، وكلما ارتفع منسوب التعبئة، ارتفع منسوب القلق الأمريكي.

كانت واشنطن تريد من مصدق أن يربح دون أن يُلهم الآخرين، وأن ينتصر دون أن يهزم النظام الذي قامت عليه مصالح الغرب في المنطقة. وهي معادلة يكاد يكون من المستحيل تحقيقها، لأنها تطلب من زعيم وطني أن يضع سقفا لطموح شعبه في اللحظة التي يشعر فيها الشعب أن الكرامة صارت ممكنة.

كان التحالف الذي حمل مصدق إلى ذروة اللحظة أعرض من أن يظل متماسكا تحت الحصار. آية الله كاشاني، الذي مثل في لحظة معينة جسرا بين المزاج الديني والاندفاع الوطني، لم يكن يرى الأزمة مجرد قضية نفط، بل قضية نفوذ وقيادة داخل مجتمع يتنازع الشرعية. وحين طال أمد الأزمة، بدأت التباينات تظهر.

كان مصدق يميل إلى توسيع مساحة القرار التنفيذي لضبط الفوضى وإدارة الاقتصاد في زمن الخنق، بينما كان كاشاني—الذي يقرأ السياسة بمنطق توازنات القوى داخل البلد—يخشى أن يتحول هذا التوسع إلى تهميش لمراكز أخرى، وفي مقدمها البرلمان والوزن الاجتماعي الذي يمثله رجال الدين والبازار. ومع كل خطوة كان مصدق يتقدم فيها نحو تركيز السلطة في يده بوصفها “ضرورة أزمة”، كان خصومه يرون فيها بداية انزلاق نحو حكم فردي باسم الوطنية.

في الوقت نفسه، كانت علاقة مصدق بالشيوعيين أشبه بلعبة السير على حافة السكين. فقد كان بحاجة إلى أن يمنعهم من احتكار الشارع كي لا يفقد حلفاءه المحافظين والدينيين، وبحاجة أيضا إلى ألا يدفعهم إلى العداء الكامل كي لا يفتح على نفسه جبهة داخلية إضافية.

حاول أن يضع مسافة واضحة بينهم وبينه، وأحيانا ضيّق عليهم كي يطمئن الداخل المتدين ويبعث برسالة للخارج أنه ليس بوابة سوفياتية. لكن هذه المسافة نفسها كلفته سياسيا؛ لأنها جعلته يبدو، في لحظة تعب اقتصادي، كمن يعزل قوى الشارع الأكثر تنظيما، دون أن يضمن في المقابل دعما غربيا يرفع الخنق عنه، ودون أن يضمن كذلك بقاء التحالف الداخلي متماسكا.

عملية “أجاكس”

حين تُستعاد سنة 1953 في الذاكرة الإيرانية لا تحضر كـ“حادث سياسي” وقع ثم انقضى، بل كجرح تأسيسي أعاد ترتيب معنى الدولة من الداخل، وأعاد تعريف “الخارج” في وجدان شعب كامل. قبلها كانت السيادة تُناقش في البرلمان، وتُختبر في عقود النفط، وتُقاس بقدرة حكومة منتخبة على الصمود تحت ضغط الإمبراطوريات. أما بعدها فقد صار السؤال أقل رومانسية وأكثر قسوة: من يملك الشارع حين ينقلب الشارع على نفسه؟ ومن يملك الدولة حين تُعاد هندستها حول الأمن لا حول السياسة؟

عملية “أجاكس”، كما تكشفها الوثائق المنشورة والاعترافات المتقطعة، لم تكن مجرد تبديل للحكومة بغيرها، بل كانت تفكيكا دقيقا للتحالف الذي حمل مصدق، ثم إعادة تركيب ميزان القوة بحيث يعود الشاه إلى مركز الصورة لا بوصفه رمزا دستوريا، بل بوصفه عقدة النظام الجديدة.

اتفقت واشنطن ولندن في لحظة قررتا فيها أن الأزمة لم تعد قابلة للاحتواء بالتسويات، وأن “الدواء” سيكون في تغيير القمة لا إصلاح العقد. كان السيناريو في ظاهره قانونيا، عبر فرمان ملكي يُقيل مصدق ويُعين الجنرال فضل الله زاهدي. وفي باطنه كان اختبارا لإيران نفسها، هل ستبقى إن نُزعت عنها فكرة أن القرار يخرج من صندوق السياسة لا من غرفة العمليات؟

بدا أن الانقلاب تعثر في الليالي الأولى. أعلن مصدق إحباط محاولة إقصائه، والشاه تراجع خطوة إلى الوراء وفرّ خارج البلاد، وزاهدي اختفى، كأن اللعبة انكسرت في منتصفها. لكن ما تلا ذلك هو الجزء الأكثر إرباكا في الحكاية. الشارع الذي كان يفترض أن يثبت إرادة دولة، انقسم ضد نفسه، وتحوّل إلى مسرح تُدار فيه السياسة كما تُدار المشاهد في فيلم مزدحم بالكومبارس.

اندلعت مظاهرات مضادة، وشنّت هجمات على مقرات، وتم احتلال الإذاعة، وانتشرت اشتباكات تُسفك فيها الدماء ثم تُروى في اليوم التالي بوصفها “ثورة شعبية” لا انقلابا مدعوما من الخارج. تقديرات الضحايا تختلف، لكن المصادر الكبرى تتحدث عن مئات القتلى في طهران خلال تلك الأيام، في بلد لم يكن يتعلم الديمقراطية بقدر ما كان يُعاقَب على محاولة تعلمها.

عاد الشاه، وجاء زاهدي رئيسا للحكومة، وتحوّلت أولوية الدولة إلى تصفية ما تبقى من معسكر مصدق، ثم ضرب اليسار، خصوصا حزب توده الذي صار في الرواية الرسمية “الخطر الأكبر” الذي كاد يبتلع البلاد. كان المطلوب أن يُغلق الباب على أي احتمال لعودة السياسة إلى شكلها المفتوح، عبر محاكمات، واعتقالات، وإعدامات لبعض الوجوه، ثم رسالة عامة مفادها أن الدولة تفضّل الاستقرار القسري على الفوضى الدستورية.

غير أن التحول الأكبر لم يكن في أسماء الحكام، بل في “طريقة الحكم”. فإيران ما بعد 1953 لم تعد تُدار بمنطق إصلاح سياسي يمكن أن يتسع أو يضيق بحسب التوازنات، بل بمنطق جهاز يرى أن السياسة خطرٌ ينبغي مراقبته.

هنا تظهر “السفاك” كعنوان لمرحلة كاملة، في دولة يُعاد بناؤها حول جهاز استخبارات وأمن داخلي يصبح العمود الفقري للسلطة، لا مجرد ذراعها. تأسس هذا الجهاز رسميا في أواخر الخمسينيات، وصار رمزا للرقابة والتعذيب وكسر التنظيمات المعارضة وملاحقة النقابات والطلبة والصحافيين، في علاقة وثيقة مع خبرات ودعم خارجيين، بما في ذلك التدريب والمساندة التقنية وفق ما تذكره مصادر بحثية متعددة.

ومنذ تلك اللحظة بالذات أخذ العداء لأمريكا يتشكل داخل الوعي الإيراني بوصفه شيئا يتجاوز الخلاف السياسي إلى شعور تاريخي بالمهانة. لأن التدخل لم يُقرأ كحدث انتهى في غشت من تلك السنة، بل كخيط طويل يفسر لماذا تحوّل الشاه إلى حاكم أكثر صلابة وأقل قابلية للمساءلة؟ ولماذا انتفخ جهاز الأمن إلى درجة صار معها المجتمع كله تحت الشبهة؟ ولماذا بدا أن القرار الوطني، في لحظاته الفاصلة، يحتاج دائما إلى “إذن” غير مرئي من الخارج؟

حتى حين لم تكن أمريكا حاضرة في كل قرار، صار حضورها الرمزي حاضرا في تفسير الناس للقرارات، وفي تصورهم لطبيعة الدولة التي تُدار “بالوكالة” أو “بالسند” لا بالشرعية الشعبية. ولهذا ستعود 1953 لاحقا، في خطاب الثورة الإسلامية، كأقوى دليل على أن السيادة تُسرق مرة باسم النفط ومرة باسم مكافحة الشيوعية ومرة باسم الاستقرار، لكن الثمن دائما يدفعه المجتمع.

تحديث بإيقاع أمريكي وصدام داخلي

في مطلع الستينيات تغيّر المزاج في واشنطن. إذ لم تعد أمريكا ترى في حلفائها فقط سدودا في وجه السوفيات، بل راحت ترى في بعضهم قنابل موقوتة إذا استمروا في الحكم بالقمع واللامساواة. إدارة جون كينيدي، التي كانت تتحسّس آثار الانقلابات والثورات في العالم الثالث، نظرت إلى إيران بوصفها “حالة” تحتاج إلى جرعة إصلاح كي لا تتحول إلى فرصة للشيوعية أو للفوضى. ومن هنا جاء الضغط السياسي على الشاه في شكل تحديثات اجتماعية محسوبة، وتخفيف نسبي في القبضة، وفتح مساحات إعلامية مضبوطة، وأهم من ذلك إصلاحات تخلق طبقة ريفية أقل تبعية للإقطاع القديم وأكثر ارتباطا بالدولة المركزية.

كان الشاه يتلقى الرسالة بوضوح: إن أردت دعمنا، فعليك أن تُصلح. لكنه، بذكائه السلطوي، فهم الإصلاح بطريقة مختلفة، أي ليس تنازلا يضعف الملكية، بل كهندسة جديدة للولاء تُضعف خصومه التاريخيين وتربط المجتمع به مباشرة.

لذلك صاغ حزمة “الثورة البيضاء” كبرنامج شامل يتضمن إصلاحا زراعيا، ومشاريع للتحديث الاجتماعي، ومنح النساء حق التصويت، ومحو الأمية، وبعض الإجراءات التي توحي بأن الدولة تتجه نحو مجتمع أكثر “عصرنة”.

كانت هذه الإصلاحات، على الورق، تقدمية بالمعنى الاجتماعي، لكن على الأرض كانت تحمل هدفا سياسيا مركزيا هو ضرب الشبكات التقليدية للنفوذ، وفي القلب منها كبار ملاك الأراضي، ومن بينهم مؤسسات دينية وأوقاف وشبكات اقتصادية مرتبطة برجال دين وتجار البازار.

أي أن الإصلاح الذي أرادته واشنطن لتثبيت الاستقرار بدأ يفتح، بسرعة، باب صدام داخلي عميق. فالإصلاح الزراعي لم يكن مجرد توزيع أراض أو تحويل في الإنتاج، بل كان إعادة تعريف لمركز القوة في المجتمع. ففي إيران، كما في غيرها، كانت الأرض أكثر من مجرد مصدر رزق؛ كانت مصدر نفوذ وشرعية اجتماعية.

حين بدأت الدولة تنتزع هذا المصدر من طبقاته التقليدية، شعرت المؤسسة الدينية ومعها أجزاء من البازار أن الأمر يتجاوز “الاقتصاد” إلى محاولة لإعادة تشكيل المجتمع على مقاس الدولة، وتقليص دور الوسائط التي كانت تربط الناس بهويتهم وبمصادر عيشهم وبنظام قيمهم.

وفي الوقت نفسه، كان منح النساء حق التصويت خطوة رمزية كبيرة، لكنها لم تُقرأ من طرف خصوم الشاه كباب عدالة بقدر ما قُرئت كباب “إملاء” غربي، أو كعلامة على أن الملكية تريد أن تبرهن لواشنطن أنها تتقدم في الاتجاه الذي تريده.

أما “تحرير الصحافة” النسبي، فقد كان يتم بمنطق اليد التي تفتح نافذة صغيرة للهواء، لكن الجدران الأمنية تبقى قائمة، مما يجعل الانفتاح يبدو كهدنة لا كتحول. ومع تراكم هذه الإشارات، صار السؤال يتردد في الأوساط الغاضبة: هل هذا إصلاح من أجل المجتمع أم إصلاح من أجل إعادة تثبيت السلطة بحماية أميركية؟

هنا دخل رجل دين صاعد إلى مركز المسرح هو روح الله الخميني. لم يظهر هذا الأخير كقائد سياسي بالمعنى الحزبي، بل كصوت قادر على تحويل الاعتراض إلى معنى جامع. لم يكن اعتراضه، في جوهره، على “التحديث” كفكرة مجردة، بل على التحديث حين يصبح مرادفا للتبعية، وعلى الإصلاح حين يتحول إلى أداة لإضعاف المجتمع لصالح دولة أمنية تحتمي بالخارج.

ربط الخميني نقده، بذكاء تعبوي كبير، بين الإصلاحات التي تمس بنية المجتمع وبين التحالفات التي تمس سيادة البلد. ومن هنا جاءت نبرته الحادة تجاه العلاقة مع إسرائيل، ليس بوصفها تفصيلا دبلوماسيا، بل بوصفها رمزا لتحول إيران إلى جزء من معمار إقليمي ترسمه واشنطن وتستفيد منه تل أبيب.

صار الاستقلال في خطابات الخميني كلمة مفصلية، وصار تصوير الشاه كحاكم “تابع” للغرب، أو كمن يربط مصير البلاد بإرادة الخارج، أقوى من أي جدل فقهي أو نقاش إصلاحي.

تدريجيا، لم تعد “الثورة البيضاء” برنامج دولة فقط، بل أصبحت مرآة تنعكس فيها أسئلة الهوية والسيادة والشرعية. فالشاه رأى فيها تثبيتا للملكية وتحديثا يعيد إنتاج ولاء جديد، وواشنطن رأت فيها سدا وقائيا ضد الراديكالية والشيوعية، بينما رآها خصومه محاولة لاقتلاع المجتمع من جذوره وإعادة تشكيله بقوة الشرطة والقانون والإعلام.

مع تصاعد الاحتجاجات، بدأ الخميني يتحول من عالم دين إلى قائد رمزي لصدام أكبر بين دولة تريد أن تُعرّف إيران من أعلى وبإيقاع أمريكي، ومجتمع واسع يشعر أن تعريفه لنفسه يُنتزع منه باسم التقدم.

وعندما قررت الدولة إزاحة هذا الصوت بالنفي، لم تكن تُقصي فردا فقط، بل كانت تُعلن، دون أن تدري، أنها تفتح مسارا جديدا. فالمعارضة الدينية حين تُحاصر داخل البلاد، قد تصبح في المنفى أكثر قدرة على التحول إلى فكرة عابرة للحدود، وأكثر قابلية لأن تجمع حولها تيارات لا يجمعها شيء سوى رفض “العبودية” للغرب ورفض دولة تتحدث باسم الإصلاح بينما تضيق بالاعتراض. هكذا، بدل أن تُنهي “الثورة البيضاء” احتمال الثورة، بدأت تكتب شروطها الأولى.

نفي الخميني والمعارضة الطويلة النفس

لم يكن نفي الخميني إبعادا لرجل دين مزعج عن العاصمة، بل كان ـ من حيث لم يقصد الشاه ـ وضعا لفتيل طويل داخل زمن أطول. حين تُبعِد الدولة خصما وهي تملك كل أدوات القوة، تظن أنها تُنهي المشكلة، لكنها في بعض الأحيان تمنحه ما لم تمنحه له في الداخل، أي مسافة آمنة لصناعة السردية، ووقتا كافيا لتحويل الاعتراض إلى معنى، والمعنى إلى تنظيم.

هكذا تحوّل النفي، في التجربة الإيرانية، إلى “مصنع رمزي” للقيادة، ينتج صورة الرجل الذي لا تُسكتُه الدولة، ويمنحه مقام “المظلوم” الذي يلتقطه المخيال الشيعي بسرعة، ثم يمدّ له، شيئا فشيئا، الجسور إلى جمهور أوسع من جمهور الحوزة.

خرج الخميني أولا إلى تركيا في 1964، في انتقال أرادته الدولة صامتا ومهذبا لرجلٌ يُنقل بعيدا دون أن يتحول إلى قضية عالمية. لكن تركيا كانت محطة قصيرة في معناه وطويلة في دلالته، هناك اكتشف النظام أن إسكات الصوت لا يعني إسكات الفكرة، وأن العزل الجغرافي لا يكفي لقطع الصلة بالناس حين تكون الصلة مبنية على شبكة تلامذة ومريدين ووسطاء.

انتقل الخميني إلى العراق، إلى النجف تحديدا، فوجد نفسه في قلب أحد أهم مراكز المعرفة الشيعية في العالم، وفي مكان يسمح بأن تتحول المعارضة من خطب غضب إلى مدرسة خطابية متماسكة، تُنتج نصوصا وتسجيلات، وتبني “استمرارية” لا تقوم على لحظة انفجار بل على تراكم بطيء يشبه عمل الماء على الصخر.

لم يكن الخميني في النجف يعيش في منفى فقط، بل في ورشة تعيد صياغة العلاقة بين الدين والسياسة، وتحوّل الاعتراض على الشاه إلى اعتراض على “نظام” كامل يقوم، في نظره، على التبعية وعلى إفراغ السيادة من معناها.

هناك ستتقوى فكرة أن الصراع ليس حول إصلاحات جزئية، بل حول من يملك الحق في تعريف إيران. هل هي دولة تُدار بوصفها مشروعا تحديثيا تحت مظلة الغرب، أم هي أمة يجب أن تستعيد قرارها عبر سلطة جديدة تتكلم باسم الشرعية الدينية والاجتماعية؟

في هذا السياق تشكلت نواة خطاب طويل النفس، في شكل خطابات تُسجَّل، وكتيبات تُهرَّب، وحلقات تعليم تُخرّج كوادر، وعلاقة متنامية بالبازار وبشبكات المساجد وبالعائلات الدينية التي تستطيع تحويل الفكرة إلى حركة.

في مقابل هذا البناء البطيء، كان الشاه يزيد ثقة بنفسه، ويقدم مشروعه بوصفه قدر إيران الذي لا بديل عنه. في 1967 تُوّج إمبراطورا، وأعلن نفسه “شاهنشاه”، ملك الملوك، كما لو أنه يريد أن يغطي هشاشة الشرعية الحديثة بوهج تاج قديم، وأن يُظهر للعالم أن إيران ليست مجرد دولة نفطية في ظل الحماية الأميركية، بل قوة حضارية تعود إلى مجدها الإمبراطوري.

كانت لغة الدولة تقول في الداخل: نحن نبني. وفي الوقت نفسه كانت أدواتها تقول: نحن نراقب ونقمع. وكانت التنمية تُستعمل كتعويض عن غياب التمثيل، وكأن الإنجاز المادي يُطلب منه أن يعوض الناس عن حقهم في الاختيار.

ثم جاءت طفرة النفط بعد 1973 لتضاعف هذه الثقة إلى حد الغرور. فجأة صار لدى الشاه مالٌ يكفي لشراء التكنولوجيا والصفقات والسلاح والبنى التحتية في وقت قصير، فتصرف كما لو أن الزمن انحنى له.

صار يتكلم بلغة “إيران الكبرى” التي ستصير قوة صناعية، وصار يرى نفسه شريكا للغرب لا تابعا له، وصار يبالغ في تسريع التحديث إلى درجة أحدث فيها التحديث نفسه اختلالات اجتماعية من خلال هجرة داخلية، وتفاوتات صارخة، وثراء سريع في القمة، وقلق متزايد في القاعدة. ومع كل خطوة يسرّع فيها وتيرة البناء، كان يسرّع أيضا وتيرة القطيعة مع فئات ترى أن الهوية تُنتزع، وأن المجتمع يُعاد تشكيله دون إذن.

في هذا المناخ، نمت معارضة الخميني ببطء يشبه نمو جذور شجرة في الظل. لم تكن قادرة على إسقاط النظام وهي في المنفى، لكنها كانت قادرة على صنع الشرط النفسي والسياسي لإسقاطه، أي أن يتحول الشاه، في عيون قطاعات واسعة، من مُحدِّث قوي إلى حاكم متغطرس، ومن صانع دولة إلى صانع فجوة بين الدولة والمجتمع.

ومع استمرار القمع، بدأ خطاب المنفى يبدو أكثر “صدقا” من خطاب السلطة الذي يَعِد بالنهضة بينما يضيق بالاعتراض، وخطاب المنفى يَعِد بالكرامة بينما يقدّم نفسه كضحية لآلة الدولة.

الغرور الاستراتيجي

في هذا السياق، كان الشاه يبحث عن قفزة تختصر قرنا في عقد، والغرب كان يبحث عن ممول سخيّ يعوض نزيف الطاقة ويضمن عقودا تدر أرباحا في زمن مضطرب. صفقات السلاح تضخمت، والمشاريع الصناعية تمددت، والوفود الاقتصادية صارت تتعامل مع طهران كما تُعامل خزنة مفتوحة لا كعاصمة بعيدة على أطراف الحرب الباردة.

لم يعد الشاه في نظر شركات كبرى مجرد حليف سياسي؛ بل صار “شريكا ماليا” قادرا على دفع المقدّمات، وتمويل البنى التحتية، والدخول في مشروعات لا تجرؤ عليها دول أخرى إلا بالدَّين.

وسط هذا الفائض، اتسع الطموح النووي بسرعة مذهلة. ولم يعد مجرد مفاعل بحثي ورمز علمي، بل صار مشروع دولة تُريد أن تُعرّف نفسها بوصفها قوة صناعية كاملة، وأن تبني أمنها على ردع مركب يقوم على اقتصاد متين، وجيش حديث، ومعرفة نووية تضعها في منطقة حساسة من سلم القوة.

بدأ الشاه يتحدث عن برنامج واسع لإنتاج الطاقة النووية، وبدا كأنه يريد نقل إيران من مجرد دولة “تبيع الخام” إلى دولة “تملك التكنولوجيا”، لا لترف علمي بارد، بل لتأسيس استقلال مستقبلي في عالم قد يتغير فيه النفط نفسه إلى ورقة ضغط ضد المنتجين.

فتحت طهران خطوطا ثقيلة مع الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها. وصارت المفاوضات تدور حول محطات، وخبرات، وعقود توريد، وتكوين كفاءات، ثم دخلت إيران في شراكات وتمويلات أوروبية جعلتها طرفا داخل مشاريع تخصيب حساسة في القارة، وتحوّلت مساهماتها إلى قروض واستثمارات تُغري باريس تحديدا في زمن كانت فيه المشاريع النووية مكلفة وتحتاج سيولة ضخمة.

لكن في الداخل كانت الصورة تتآكل بهدوء، كخشب ينخره السوس من الداخل بينما يُلمَّع من الخارج. فقد خلقت الطفرة نموا سريعا، لكنها خلقت أيضا تفاوتا فاضحا، وتضخما، وارتفاعا في الأسعار، وتوسعا في الفساد وفي اقتصاد الامتيازات، لأن تدفق المال حين يقع في دولة تُدار بمنطق الأمن أكثر مما تُدار بمنطق المساءلة، يتحول سريعا إلى طبقات جديدة من الغنى المحمي، وإلى شبكات تتغذى على القرب من السلطة. وبينما كانت الدولة تبني السدود وتشق الطرق وتطلق المشاريع، كانت تُقنع نفسها أن الشرعية تُشترى بالإنجازات وبالاحتفالات وبالصور الإمبراطورية، وأن الناس سيغفرون غياب السياسة إذا قُدمت لهم حياة حديثة.

الذي كان يتراكم في الأزقة وفي الجامعات وفي البازار وفي الحوزات لم يكن رفضا للتنمية في حد ذاتها، بل شعورا بأن التنمية تُدار كحفل فوقي لا كعقد اجتماعي، وبأن الثروة التي دخلت البلاد لا تعني بالضرورة أن الناس صاروا شركاء في القرار، وبأن الدولة التي تزداد ثراء تزداد في الوقت نفسه رقابة وقسوة وتعاليا. هكذا صار فائض القوة، بدل أن يرمم الشرعية، يضاعف الإحساس بالمسافة بين دولة تتعامل مع نفسها كإمبراطورية عائدة، ومجتمع يتعامل مع يومه كمعركة كرامة صغيرة تتكرر.

الغرب يبحث عن بديل

حين بدأت سبعينيات الشاه تقترب من نهايتها، كان المشهد الإيراني يبدو، من الخارج، كأنه قصة نجاح لدولة غنيّة بالنفط، تتسلح بسرعة، وتشتري التكنولوجيا، وتقدم نفسها كحليف موثوق في منطقة تتقلب.

لكن تحت هذه الواجهة كان شيء آخر أقل لمعانا وأكثر خطورة يتشكّل. نظامٌ يزداد ثراء وقوة مادية، لكنه يفقد بالتدريج شرعية المعنى. القمع لم يعد تفصيلا يمكن تبريره باسم الاستقرار، والاحتفاء بالبذخ صار يستفز مجتمعا تتسع فيه الفوارق، وجهاز الأمن صار يبتلع السياسة حتى بدا أن الدولة لا تثق في شعبها إلا بقدر ما تراقبه. هنا بالذات بدأ الشاه يتحول، في عيون كثيرين داخل الغرب نفسه، من “رصيد” في الحرب الباردة إلى “عبء” سياسي وأخلاقي وإعلامي.

لا تُفهم هذه اللحظة إذا قُرئت فقط بمنطق المؤامرة أو بمنطق العفوية. إنها لحظة تقاطع نادر بين هشاشة داخلية وحسابات خارجية. لم يسقط الشاه لأنه فقد دعم الغرب فجأة، ولم يفقد دعم الغرب لأنه سيسقط حتما؛ بل لأن الأمرين كانا يتغذيان من بعضهما. كلما ازداد النظام قمعا وتصلبا، صار أكثر إحراجا لحلفائه الغربيين الذين يرفعون شعارات الحقوق والديمقراطية في منافستهم للمعسكر السوفياتي؛ وكلما ازداد الضغط الخارجي على الشاه ليُلين قبضته، ازداد خوفه من الانفلات، فزاد قمعه، فزاد إحراجه، وهكذا دخلت الدولة في حلقة تعيد إنتاج الأزمة.

في هذا السياق ظهرت في دوائر التفكير الغربية فكرة يمكن تلخيصها في سؤال: إذا كان هذا النظام لم يعد قابلا للتسويق، فما البديل الذي يحمي المصالح ويمنع الشيوعية؟ ومن هنا بدأت تتشكل فكرة بديل محافظ دينيا لكنه معاد للشيوعية، أو على الأقل غير قابل للاختراق السوفياتي بسهولة. هذا منطقٌ معروف في الحرب الباردة. حين يصبح الحليف الاستبدادي مُكلفا، تبدأ القوى الكبرى البحث عن حليف آخر يضمن الحد الأدنى من المصالح، ولو بوجه مختلف.

الغريب في هذه المعادلة أن المؤسسة الدينية، التي كانت تُقدَّم طويلا في سردية الشاه بوصفها “بقايا ماض” يجب تحديثه، بدأت تُقرأ في بعض الزوايا الغربية كاحتمال للضبط، لا كتهديد مطلق. فالإسلام السياسي المحافظ، في المخيال الاستراتيجي للحرب الباردة، كان في حالات كثيرة يُعدّ خصما طبيعيا للشيوعية، لأن هذه الأخيرة تحمل مشروعا ماديا وأمميا يصطدم مباشرة بمنظومات الاعتقاد والهوية.

لذلك لم يكن التفكير في “بديل ديني” يعني حبا بالدين أو اقتناعا به، بل كان يعني حسابا بسيطا: إن سقط الشاه، فمن الأفضل أن يملأ الفراغ من لا ينتمي إلى معسكر موسكو ولا يحمل مشروعا يساريا قادرا على تحويل إيران إلى جبهة سوفياتية على حدود الخليج.

لكن هذه الفكرة لم تكن خطة جاهزة بقدر ما كانت أفقا يتقدم مع تآكل الشرعية الداخلية. ففي الداخل كانت المعارضة تتشكل على هيئة طيف واسع: ليبراليون، ووطنيون، ويسار، وإسلاميون، وبازارات، وطلبة، ونقابات… دولةٌ تواجه مجتمعا لا يجتمع على برنامج موحد، لكنه يجتمع على أن النظام صار مغلقا على نفسه، وأن الثروة لم تعد تُقنع، وأن الأمن لم يعد يمنح الطمأنينة بل صار يولّد الخوف والغضب.

التقاطع الغريب هنا أن انهيار الشرعية الداخلية كان يُنتج، دون قصد، فرصا في حسابات الخارج. فالغرب كان يريد إيران مستقرة في معسكره، لكنه صار أمام خيارين أحلاهما مر: إما التمسك بشاه يزداد كلفة أخلاقية وسياسية، أو القبول بتحول قد ينتج نظاما مختلفا لكنه يضمن استمرار إيران خارج المعسكر السوفياتي. والناس في الداخل كانوا يريدون الخلاص من دولة أمنية، لكن هذا الخلاص، حين يصبح ممكنا، يصبح أيضا لحظة تدخل خارجي، لأن القوى الكبرى لا تنتظر سقوط دولة مهمة لكي تبدأ التفكير في “الخلف”.

الثورة التي أكلت أبناءها

في 1978 كانت إيران تبدو كبلد يتنفس بصعوبة تحت وزن ثقيل. دولة تضخمت إلى حد صار معه كل شيء فيها يمر عبر الأمن، وثراءٌ نفطي لم يمنح الناس الإحساس بالشراكة بقدر ما منحهم الإحساس بأنهم غرباء داخل بلدهم، وحداثةٌ مفروضة من أعلى بلا جسر حقيقي إلى المجتمع.

في المقابل كانت تتشكل، داخل الشوارع والجامعات والبازار والمساجد، معارضةٌ لا يجمعها برنامج واحد بقدر ما يجمعها قاسم واحد، هو أن هذا النظام بلغ حدّه. الليبراليون الذين أرادوا دولة قانون وملكية دستورية فعلية، والعلمانيون الذين ضاقوا بالدولة البوليسية وبهيمنة البلاط، واليسار الذي رأى في النظام تجسيدا للتبعية وللاستغلال، ورجال الدين الذين رأوا في “الثورة البيضاء” اقتلاعا للهوية وتدميرا لاقتصادهم الاجتماعي ورضوخا لإرادة الغرب… كل هؤلاء وجدوا أنفسهم، لأول مرة، في خندق واحد دون أن يكونوا متشابهين، لأن اللحظة كانت لحظة هدم الباب قبل التفكير في شكل البيت.

تدريجيا صار الشعار الأكثر حسما يتقدم على كل شيء: طرد الشاه وعودة الخميني. لم يكن هذا الشعار نتيجة اتفاق فلسفي بين أطراف الثورة، بل نتيجة منطق الشارع حين يتقدم نحو سقف أعلى. كل جولة قمع كانت ترفع السقف. وكل اعتقال كان يخلق أسماء جديدة. وكل محاولة لتخويف الناس كانت تزيدهم شعورا بأن الخوف لم يعد يُجدي.

ثم جاءت لحظة حاسمة أعادت “التضحية” إلى قلب السياسة بصورة لا تخطئها عين، في تلك الجمعة الدموية التي خرج فيها الناس بعد الصلاة، فواجهتهم الدولة بالرصاص. لم يعد الأمر بعدها نقاشا حول إصلاح أو تعديل أو حكومة جديدة؛ بل صار دما في الشارع، والدم في المخيال الشيعي لا يبقى مجرد حادث، بل يتحول إلى معنى، وإلى طاقة تعبئة، وإلى جسر بين الحزن والغضب.

انقلب ميزان القوة النفسي، والدولة التي كانت تراهن على أن الرعب يوقف الناس اكتشفت أن الرصاص يخلق جمهورا أكبر. والشاه الذي كان يراهن على أن المعارضة مفككة اكتشف أن الدم يوحدها أكثر من أي وثيقة. ومع اتساع الاحتجاجات، وتزايد الإضرابات خصوصا في القطاعات الحيوية، بدأ النظام يتداعى من الداخل، والحليف الخارجي يرسل إشارات متناقضة. لم يعد ممكنا حكم إيران بمعادلة قديمة قواهما نفطٌ يمول، وأمنٌ يضبط، وواجهة تحديث تلمّع الصورة.

عندما بدأ الشاه ينسحب تدريجيا، ثم يغادر البلاد في النهاية، لم يكن يخرج فقط من قصره، بل يخرج من سردية كاملة كانت تقول إن الدولة هي الملك وإن الملك هو الدولة. لم يكن سقوطه نهاية مفاجئة، بل نهاية متراكمة لنظام فقد قدرته على تفسير نفسه لشعبه.

وفي لحظة الفراغ، لم يجد الإيرانيون قاسما مشتركا أخيرا سوى الخميني. عاد الرجل من المنفى كما يعود الرمز إلى لحظة تتطلب رمزا، وكأنه نقطة تقاطع وحيدة يمكن أن تمر عبرها التيارات المختلفة دون أن تتصادم فورا، لأنه كان بالنسبة إلى كثيرين “منفيا” عاد منتصرا، ولأن عودته جسدت فكرة أن الدولة ليست قدرا أبديا.

لكن هذه الثورة التي جمعت الجميع لم توحدهم حول شكل المستقبل، بل جمعتهم على إسقاط الماضي. وحين سقط الماضي، ظهر السؤال الذي كانت الشعارات تؤجله: من يملك الشرعية الآن؟ الليبراليون اعتقدوا أن العودة ستفتح باب دستور تعددي، واليسار رأى في سقوط الشاه فرصة لتغيير اجتماعي جذري، ورجال الدين رأوا أن اللحظة لحظة “استعادة الأمة” وتطهير الدولة من التبعية. وفي هذه الفجوة بين حلم كل طرف وحلم الآخر بدأت الثورة تأكل أبناءها مبكرا، لأن القاسم المشترك الذي جمعهم—الخميني كرمز إسقاط—لم يكن بالضرورة القاسم المشترك الذي سيجمعهم في بناء الدولة.

من “وثيقة باريس” إلى ولاية الفقيه

حين كان الخميني لا يزال في المنفى، كانت الثورة تبدو، في عيون كثيرين، وعدا مفتوحا أكثر منها مشروعا مكتملا. كانت اللغة التي تُقال للداخل وللعالم تسعُ الجميع، من خلال حديث عن الحرية، وعن العدالة، وعن إنهاء الاستبداد، وعن دولة تُعاد إلى شعبها بعد أن صودرت لصالح القصر والأمن.

ثم عاد الخميني، وعادت معه حقيقة أقدم من الثورة نفسها: أن التحالفات التي تُبنى على هدف واحد تنهار حين يبدأ توزيع السلطة. في الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام البهلوي ظل الخطاب العام يحتفظ بقدر من الضباب المفيد الذي يسمح لكل طرف أن يقرأ المستقبل على طريقته. غير أن الضباب لم يكن يدوم طويلا، لأن الدولة لا تُدار بالوعود، بل بالمؤسسات، وبمن يملك قرار تشكيل المؤسسات.

لم تكن فكرة مركزية “الفقيه” وليدة تلك الأيام؛ بل كانت نظرية سبق أن صاغها الخميني ووسّعها في سنوات المنفى، لكنها كانت، بالنسبة لقطاعات واسعة من حلفاء الثورة، مجرد أحد الاحتمالات لا جوهر المشروع. وما وقع عمليا هو أن الثورة، بدل أن تُسلِّم مفاتيح البناء إلى جمعية تأسيسية تمثل الأطياف المختلفة، انزلقت بسرعة نحو هيئة أكثر قابلية للضبط والتحكم، جسّدها مجلس خبراء يكتب دستورا على مقاس ميزان القوة الجديد، ويمنح الشرعية لمركز أعلى يتجاوز الحكومة والبرلمان معا.

كان الفرق بين جمعية تأسيسية ومجلس خبراء فرقا في الفلسفة لا في الاسم فقط. فالجمعية التأسيسية تعني التفاوض المفتوح بين رؤى متعددة حول معنى الدولة، أما مجلس خبراء مضبوط التوازنات فيعني أن “المعنى النهائي” للدولة سيُكتب من زاوية واحدة، ثم يُقدَّم بوصفه عقدا اجتماعيا مكتملا.

وفي اللحظة التي ثُبّت فيها مبدأ ولاية الفقيه داخل النص الدستوري، لم تعد السلطة السياسية مجرد تفويض انتخابي قابل للتغيير، بل صارت جزءا من هندسة دينية-قانونية تجعل رأس النظام فوق المساءلة اليومية، وحارسا لـ“الاتجاه العام”، أي فوق السياسة نفسها.

منذ تلك النقطة بدأ الاصطدام مع حلفاء الأمس يتحول من خلافات قابلة للتسوية إلى معركة وجود. اليسار، بأحزابه وتنظيماته، لم يكن مجرد منافس انتخابي في نظر السلطة الجديدة، بل كان يمثل خطرا أيديولوجيا على احتكار الشرعية باسم الدين، ولأن له حضورا تنظيميا في الشارع والنقابات والجامعات. والليبراليون، الذين راهنوا على دستور يحد من السلطة ويضمن التعددية، وجدوا أنفسهم أمام دولة تُعيد إنتاج المركز الواحد، لكن هذه المرة باسم المقدس لا باسم الملك.

لم يكن الصدام مجرد قرار سياسي، بل كان إعادة فرز شاملة لمجتمع الثورة. بل إن كلمة “الثورة” نفسها تحولت إلى ملكية رمزية للنظام الجديد، تُمنح لمن ينضبط وتُسحب ممن يعترض. وفي وقت قصير بدأ التضييق على الصحافة، وبدأت موجات اعتقال وتصفية وترويض، ليس عبر إجراءات الدولة التقليدية فقط، بل بأدوات جديدة صُممت خصيصا لحراسة الثورة من “الشعب” إذا لزم الأمر.

هنا سيظهر الحرس الثوري واللجان. ولم تكن هذه التشكيلات مجرد أجهزة أمن إضافية، بل كانت إعلانا عن نوع جديد من دولة تُبقي الجيش النظامي في مكانه، لكنها تخلق بجانبه قوة موازية تَدين بالولاء المباشر للقيادة العقائدية، وتستمد شرعيتها من “حماية الثورة” لا من القانون المدني وحده. واللجان، التي بدأت كأجهزة ضبط محلية، صارت عيونا للدولة الجديدة في الأزقة والأحياء، تُراقب وتُحاسب وتُصنّف الناس، وتضبط المجال العام بمعايير تُقدَّم بوصفها أخلاقية ودينية، لكنها تؤدي وظيفة سياسية دقيقة، هي منع نشوء حياة سياسية مستقلة تسبح خارج المدار.

ومع صعود هذه الأدوات، لم يعد الخلاف مع الشيوعيين والليبراليين مجرد تنازع على السلطة، بل صار تنازعا على حق الكلام نفسه. والثورة التي خرجت باسم الحرية بدأت تضيق بحرية من لا ينتمي إلى تعريفها الجديد للحرية. والعدالة التي كانت شعارا جامعا بدأت تُقرأ بوصفها عدالة “الثورة” لا عدالة المجتمع. ومع كل خطوة في هذا الاتجاه، كانت الدولة الجديدة تُقنع نفسها بأنها تحمي الثورة من أعدائها، بينما كانت في الواقع تحوّل الثورة إلى نظام.

لحظة القطيعة النهائية مع واشنطن

لم تكن أزمة الرهائن حادثة دبلوماسية عابرة في تاريخ إيران ما بعد الثورة، بل كانت لحظة تأسيس لقطيعة نفسية وسياسية جعلت العلاقة مع واشنطن تنتقل من مستوى الخلاف إلى مستوى الهوية.

قبل احتلال السفارة كان العداء لأمريكا حاضرا في الوجدان الإيراني بفعل ذاكرة انقلاب 1953، وعودة الشاه، وتوحّش الأمنٌ، وذلك الإحساس المرّ بأن السيادة الايرانية لا تُصنع في طهران. تلك الذاكرة، رغم ثقلها، كانت قابلة لأن تبقى في خانة الاتهام التاريخي؛ لكن مع أزمة الرهائن تحولت إلى واقع حيّ يُبثّ يوميا، ويُترجم إلى طقوس سياسية، ويصير مادة تعبئة داخلية، ويمنح النظام الجديد سلاحا لا يشيخ: “عدو خارجي” دائم يصلح لتفسير الأزمات ولتوحيد الصف وإسكات الأسئلة المحرجة.

الثورة أسقطت النظام القديم بسرعة، لكن الدولة الجديدة لم تكن قد استقرت بعد، وسرعان ما اندلع صراع بين تيارات، وخوف من اختراقات، وقلق من عودة الشاه، وارتباك في المؤسسات. حين دخل “طلبة أتباع خط الإمام” إلى السفارة الأميركية في طهران واحتلوها في نوفمبر 1979، لم يكونوا يقتحمون مبنى فحسب، بل كانوا يقتحمون معنى رمزيا ثقيلا: السفارة في المخيال الثوري ليست بعثة دبلوماسية، بل مركز نفوذ وذاكرة تدخل.

مع كل وثيقة عُرضت وكل صورة نُشرت، صارت السفارة تُقدَّم للرأي العام كدليل مادي على أن “العدو” كان يعيش وسط العاصمة، وأن الثورة لم تنتصر نهائيا بعد ما دام ظل واشنطن حاضرا في قلب المدينة. وقد ثبتت الأزمة في الوعي العالمي حين بقي 52 دبلوماسيا وموظفا أميركيا رهائن لأكثر من 444 يوما.

في الداخل الإيراني، تحولت الأزمة إلى اختبار قوة بين تصورين للدولة. هناك من كان يريد أن تُترجم الثورة إلى نظام سياسي يمكن أن يتعايش مع قواعد الدبلوماسية الدولية، وهناك من كان يرى أن الثورة لا تكتمل إلا بقطع الحبل نهائيا مع أميركا، وأن أي “مرونة” هي بوابة ارتداد.

ما إن بارك الخميني عمليا الاستيلاء على السفارة حتى تغير ميزان القوى داخل النظام. صار خط التشدد هو الخط الأكثر شرعية، وصار بإمكانه أن يضغط على خصومه تحت شعار بسيط: من لا يقف مع “الثورة” في مواجهة أميركا فهو متردد أو مشبوه.

ثم جاء فشل عملية الإنقاذ الأميركية ليصب الزيت على النار، لا لأنها كانت مجرد هزيمة تقنية، بل لأنها قدمت للنظام الناشئ مادة أسطورية جاهزة: قوة عظمى تحاول أن تقتحم إيران فتمنعها “الطبيعة” أو “القدر”. عملية “مخلب النسر” في أبريل 1980 انتهت بكارثة لوجستية في الصحراء الإيرانية بعد عواصف رملية ومشكلات تقنية وتصادم طائرة ومروحية، ومقتل ثمانية عسكريين أميركيين.

منذ ذلك اليوم، لم يعد العداء لأميركا مجرد موقف خارجي، بل صار جزءا من “صناعة الدولة” في الداخل. لأنه منح النظام ثلاث وظائف في آن واحد: وظيفة شرعية تقول إن الثورة ما زالت “مستهدفة” وبالتالي تحتاج إلى قيادة صارمة؛ ووظيفة أمنية تبرر اتساع الأجهزة وتغولها بوصفها خط دفاع ضد الاختراق؛ ووظيفة سياسية تسمح بتأجيل الصراع الاجتماعي والاقتصادي عبر رفع سقف المعركة إلى مستوى “الأمة” و”السيادة” و”الكرامة”.

وفي قلب هذه الأزمة، ظهرت شبكات وأسماء وأجيال ستصير لاحقا جزءا من “الدولة العميقة” الإيرانية. فالطلبة الذين قادوا العملية، والكوادر التي صعدت داخل أجهزة الثورة الجديدة، تعلموا مبكرا معنى السيطرة على حدث رمزي وتحويله إلى رأسمال سياسي.

كثيرون منهم دخلوا لاحقا إلى مؤسسات الدولة أو ارتبطوا بمراكز القرار، وبقيت التجربة نفسها مدرسة في كيفية تحويل لحظة شعبية إلى بنية سلطة، تعبر تعبئة، وخطاب، وضبط، ثم ترجمة ذلك إلى نفوذ مؤسسي طويل الأمد. وتشير بعض الدراسات التاريخية عن أزمة الرهائن صراحة إلى أن التجربة كانت نقطة انطلاق لمسارات سياسية لاحقة لعدد من المشاركين فيها داخل الجمهورية الإسلامية.

أما في الخارج، فقد أغلقت أزمة الرهائن الباب على أي احتمال لعودة العلاقات الطبيعية. وتحولت إيران في المخيال الأميركي إلى دولة “تتحدى” الولايات المتحدة علنا، وتُظهرها عاجزة أمام جمهورها، وهو ما جعل القضية مسألة كرامة وطنية أميركية كما هي مسألة سيادة إيرانية.

حين انتهت الأزمة باتفاق الجزائر في يناير 1981، لم تنتهِ آثارها. تحرّر الرهائن، لكن بقيت القطيعة كإطار حاكم للعلاقة، وبقيت “السفارة” حدثا تأسيسيا في ذاكرة النظام، وبقيت واشنطن، في خطاب الجمهورية الإسلامية، ليس كدولة تختلف معها، بل “خصما بنيويا” تحتاجه لتفسير العالم وتفسير الذات.

الحرب العراقية الإيرانية.. الاستنزاف

لم تدخل إيران حربها مع العراق بوصفها واقعة عسكرية فقط، بل بوصفها اللحظة التي ستعيد ترتيب علاقتها بالعالم وبنفسها معا.

كان النظام الجديد بالكاد قد خرج من رحم الثورة، وما تزال الدولة تتشكل بين لجان ثورية ومؤسسات تتعلم سلطتها، وبين خوف دائم من الانقلاب والاختراق. وفي المقابل كان صدام حسين يرى في إيران الثورية فرصة نادرة: جارٌ مرتبك، وجيشٌ أُعيدت هندسته بعد الثورة، ونخبةٌ عسكرية تعرضت للتصفية والشك، وصوتٌ أيديولوجي يهدد بإشعال الداخل العراقي نفسه.

هكذا اندلعت الحرب في شتنبر 1980، لكن ما جرى بعدها جعلها أكثر من صراع حدودي، إذ تحولت بسرعة إلى مختبر دولي للاستنزاف، وحربا طويلة لا يريد كثيرون أن تنتهي سريعا، لأن نهايتها السريعة كانت تعني، في منطق الحرب الباردة، أن طرفا سيخرج أقوى مما ينبغي.

في السنوات الأولى، بدا أن العالم يتعامل مع الحرب كما يتعامل مع ميزان حساس: لا كسر كامل لإيران كي لا تنهار المنطقة كلها أو تُفتح شهية الشيوعية والفوضى، ولا انتصار كامل لإيران كي لا تتحول الثورة إلى نموذج قابل للتصدير ولتغيير معادلات الخليج.

لم يكن هذا التوازن المصلحي شعارا معلنا، لكنه كان واضحا في سلوك القوى الكبرى، من خلال شبكات تسليح وتمويل ومعلومات تتقاطع، ومساعدات تُقدَّم هنا وهناك، وقرارات دولية تُدار ببطء محسوب، بحيث يُترك الطرفان في حلقة طويلة من النزيف. لا أحد كان يقول رسميا “دعوهما يستنزفان” طيلة ثماني سنوات، لكن النتائج على الأرض كانت تقول ذلك بما يكفي.

ومع تحول الحرب إلى “حرب المدن” ثم إلى “حرب الناقلات”، دخل النفط إلى قلب المعركة بوصفه سلاحا. صار الاستهداف المتبادل للبنية النفطية ولحركة الشحن في الخليج جزءا من محاولة خنق الخصم من رئته الاقتصادية. النفط مقابل النفط، والميناء مقابل الميناء، والناقلة مقابل الناقلة، ومضيق هرمز اقترب من أن يتحول إلى شريان عالمي قابل للانقطاع في أي لحظة. وتحولت الحرب إلى معركة على قدرة كل دولة على البقاء في السوق وعلى تمويل الحرب نفسها.

في هذا المسرح المعقد، صار الاستنزاف سياسة دولية بمعنيين. الأول أنه استنزاف مادي للطرفين يخدم فكرة “لا غالب ولا مغلوب” التي تريح كثيرين في الخارج؛ والثاني أنه استنزاف رمزي أيضا، لأن الحرب الطويلة كانت تُعيد تشكيل هوية النظامين معا.

بنى العراق سردية قومية-عسكرية حول “البوابة الشرقية” و”القادسية”، وإيران بنت سردية دينية-وطنية حول “الدفاع المقدس”. ومع مرور السنوات، لم يعد القتال مجرد دفاع عن حدود الدولة، بل صار دفاعا عن معنى الثورة نفسها، وعن حق النظام الجديد في البقاء.

هنا ستترسخ ثقافة “المليون شهيد” بوصفها لغة داخلية للشرعية. ليس المهم الرقم الدقيق بقدر ما هو منطق التعبئة. فالحرب أفرزت مقابر جماعية، وأسماء الشهداء صارت تملأ الشوارع والساحات والمدارس، وصار الاستشهاد موردا معنويا للدولة.

لم يخرج الحرس الثوري من تلك الحرب كما دخلها، بل خرج كفاعل مركزي، يملك خبرة قتالية، وشبكات لوجستية، وشرعية “حماية الثورة” بالدم، ثم تمدّد لاحقا داخل الاقتصاد والسياسة. وفي المقابل، المجتمع الذي دُفع إلى خط التعبئة، خرج حاملا ذاكرة طويلة عن الحصار والحرمان وطقوس الفقد.

وحين انتهت الحرب بوقف إطلاق النار في 1988، لم يخرج أي طرف منتصرا بما يكفي ليُعلن نهاية التاريخ، ولم يخرج طرف مهزوما بما يكفي ليُعلن نهايته. خرج الاثنان مثقلين، وهذا بالضبط ما جعلها، بأثر رجعي، تبدو كحرب استنزاف مثالية في ميزان القوى الدولي.

العودة إلى النووي كخيار ردع

بعد أن ابتلعت الحرب العراقية الإيرانية ثماني سنوات من عمر البلدين، لم تعد إيران تنظر إلى الأمن بوصفه ترفا سياسيا أو هامشا في خطاب السيادة، بل بوصفه شرط البقاء الأول. لم يكن ما تركته تلك الحرب مجرد خراب اقتصادي ومقابر جديدة، بل تركت أيضا درسا قاسيا رسّخ في الوعي الرسمي أن القانون الدولي يمكن أن يتأخر، وأن العالم قادر على التعايش مع مذبحة طويلة ما دامت لا تمسّ قلب مصالحه المباشرة.

في قلب هذا الدرس، كانت التجربة الأكثر فداحة: السلاح الكيماوي الذي استُخدم ضد الإيرانيين مرارا خلال الحرب، وما خلّفه من قتلى ومصابين وآثار صحية ممتدة، في وقت كان فيه رد الفعل الدولي باردا ومترددا إلى حد جعل الذاكرة الإيرانية تقرأ المسألة كأنها “إشارة سماح” باستباحة الدم إذا كانت الدولة معزولة وضعيفة.

عندما رحل الخميني وبدأت مرحلة إعادة بناء الدولة تحت قيادة علي خامنئي ورئاسة هاشمي رفسنجاني، صار سؤال الردع جزءا من لغة الإعمار نفسها. ولم تعد الأولوية هي استعادة ما تهدّم فقط، بل منع تكرار ما حدث أصلا، خصوصا أن إيران خرجت من الحرب وهي مقتنعة بأن خصومها سيعودون متى سنحت الفرصة، وبأن امتلاك القدرة على “منع الحرب” أهم من امتلاك القدرة على “كسبها”.

من هنا عاد الملف النووي إلى الواجهة داخل دوائر القرار بوصفه مسألة أمن قومي، لا مشروعا علميا محضا. تشير مصادر بحثية إلى أن إحياء البرنامج النووي في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات ارتبط بإعادة تموضع إيران بعد الحرب وبسعيها إلى امتلاك خيارات استراتيجية أعلى كلفة على أي خصم محتمل، مع انفتاحها على تعاون تقني مع روسيا والصين وغيرهما.

لكن المفارقة التي ستطارد هذا المسار، أن الغرب الذي دخل لاحقا في صدام حاد مع البرنامج الإيراني، هو نفسه الذي زرع بذوره في زمن الشاه ضمن منطق الحرب الباردة. برنامج “الذرة من أجل السلام” الذي روجت له واشنطن في الخمسينيات والستينيات أنتج في إيران بنية نووية أولية ومؤسسات وخبرات، وتحوّل ذلك لاحقا إلى قاعدة يمكن البناء عليها. ففي 1967 زودت الولايات المتحدة إيران بمفاعل أبحاث في طهران ووقود عالي التخصيب لتشغيله، في سياق كانت فيه إيران الشاه جزءا من معمار احتواء الاتحاد السوفياتي.

غير أن هذا “الإرث” انقلب بعد الثورة إلى لعنة سياسية. لأن البرنامج الذي كان يُقدَّم بالأمس كعلامة تحديث وحليف موثوق صار، في خطاب ما بعد الثورة، ملفا يدار تحت ضغط الشك المتبادل. إيران تقول إن حقها في التكنولوجيا النووية جزء من سيادتها وحقها في التنمية والردع، والغرب يرى في دولة ترفع خطابا ثوريا وتمتلك قدرات صاروخية وتعيش صراعا مفتوحا مع إسرائيل عنصرا لا يمكن التعامل معه بمنطق الثقة.

في التسعينيات، أخذت العودة شكلها العملي الأكثر وضوحا عبر ملف بوشهر،. وهو مشروع بدأ في زمن الشاه وتوقف بعد الثورة، ثم عاد عبر التعاون مع روسيا. ففي 1995 وقّعت إيران عقدا مع وزارة الطاقة الذرية الروسية لاستكمال محطة بوشهر، في إشارة إلى أن البرنامج لم يعد مرتبطا بالغرب وحده وأن طهران وجدت منافذ بديلة لتأمين التكنولوجيا والوقود والخبرات.

ومع بداية الألفية، تحوّل الملف من “إعادة بناء قدرات” إلى “أزمة دولية كاملة” حين ظهرت المنشآت السرية إلى السطح. تم الكشف في 2002 عن منشأتي “نطنز” و”أراك”، اللتين كانتا غير معلنتين بهذه الصورة، ونقل البرنامج إلى مستوى جديد من الشكوك، فلم يعد السؤال فقط ما الذي تفعله إيران، بل لماذا فعلته في الظل.

منذ تلك اللحظة بدأ المسار الطويل للعقوبات والتفاوض والمواجهة التقنية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ثم اتفاقات وتعثرات، وصولا إلى لحظة صار فيها النووي، في وعي الإيرانيين وخصومهم معا، لغة السياسة الخارجية الأولى.

اللافت أن هذا الصدام لم يكن مجرد خلاف حول جهاز طرد مركزي أو نسبة تخصيب، بل كان خلافا حول معنى السيادة نفسه. بالنسبة لإيران، التخصيب داخل الأرض الإيرانية صار علامة على الاستقلال الوطني بعد قرن من الإحساس بالتدخل والوصاية، وبالذات بعد تجربة 1953 وتجربة الحرب والكيماوي.

وبالنسبة للغرب، التخصيب نفسه صار علامة خطر لأن التاريخ القريب علّمه أن البرامج المدنية يمكن أن تنزلق، وأن المعرفة النووية بمجرد أن تُمتلك لا يمكن “إلغاءها” بالعودة إلى الوراء. لذلك ظل البرنامج يعيش في المنطقة الرمادية: إيران ترفض أن يبدو كاستسلام، والغرب يرفض أن يبدو كقبول بدولة على عتبة القدرة النووية.

تناقضات بداية القرن الجديد

في مطلع القرن الجديد كان المشهد يبدو، على الورق، كأنه يفتح نافذة نادرة لتخفيف العداء بين واشنطن وطهران. كانت حركة طالبان الأفغانية كانت وجوديا لإيران منذ التسعينيات، ليس لأنها حركة سنّية متشددة اضطهدت الشيعة وهددت النفوذ الإيراني على حدود أفغانستان فقط، بل لأن سقوط كابول بيدها كان يعني، في الحساب الإيراني، أن الشرق يتفلّت لصالح قوى لا يمكن التفاهم معها.

وحين وقعت هجمات 11 شتنبر، ثم اندفعت الولايات المتحدة إلى أفغانستان، حدث تداخل مصالح لا يمكن إنكاره. كانت واشنطن تريد إسقاط طالبان، وطهران تريد ذلك أيضا. لهذا شهدت تلك الفترة اتصالات وتنسيقا في ملفات محددة، خصوصا في سياق ترتيبات ما بعد طالبان ومسار مؤتمر بون وبناء السلطة الجديدة في كابول، وهي لحظة يقرّ كثير من الباحثين الغربيين بأنها كانت من أوسع محطات التقاطع العملي بين الطرفين منذ 1979.

لكن هذه النافذة كانت تحمل في داخلها بذرة إغلاقها. ف“التعاون” لم يكن مبنيا على ثقة أو على تصور شراكة، بل على تقاطع ظرفي، لطرفين يسيران في اتجاه واحد، كلٌّ منهما يمسك بخنجره خلف ظهره.

كانت واشنطن تنظر إلى إيران كدولة ثورية تُنتج نفوذا خارج حدودها وتُبقي شعار العداء قائما، وطهران كانت تنظر إلى الولايات المتحدة كقوة لا تدخل منطقة ثم تغادرها بسهولة، وكأن الجغرافيا حين تستضيف الجيش الأميركي تتحول، ببطء وثبات، إلى منصة دائمة للضغط. فمجلس واحد في بون لا يلغي ذاكرة 1953، ولا يطفئ أثر الرهائن، ولا يُقنع دولة خرجت لتوّها من حرب إبادة واستنزاف بأن “النوايا” تكفي.

وفيما كانت إيران تساعد، ضمن حدود، على تحطيم خصمها الطالباني، كانت تسمع من واشنطن خطابا يضعها في خانة الخطر الأكبر. فخطاب الرئيس بوش الإبن يوم 20 شتنبر 2001 أمام الكونغرس، لم يكن موجّها لإيران بالاسم، لكنه زرع نبرة الشبهة حين تحدث عن أن الولايات المتحدة “تعرف” من يختبئ خلف الأقنعة ومن “أخفى وجهه الحقيقي”.

وبعد أشهر قليلة تحوّل هذا المناخ إلى تسمية صريحة هي “محور الشر” في خطاب حالة الاتحاد في يناير 2002، حيث وُضعت إيران في السلة نفسها مع العراق وكوريا الشمالية، بوصفها دولة تسعى إلى أسلحة دمار شامل وتدعم الإرهاب وتقمع شعبها.

قُرئ ذلك في طهران كإهانة سياسية، لكن أخطر من الإهانة كان المعنى العملي، وهو أن الولايات المتحدة تتقدم في المنطقة، وتجمع خصوم إيران في خطاب واحد، ثم تعلن أن إيران نفسها هدفٌ في النهاية.

وبين أفغانستان والعراق، تضاعف الإحساس الإيراني بالخطر. فبعد 2001 صارت القوات الأميركية على حدود إيران الشرقية. ثم جاء 2003 ليضع القوات الأميركية، عمليا، على حدودها الغربية أيضا. وهنا بدأت طهران ترى نفسها محاطة بقوس عسكري أميركي طويل، وأن إزالة طالبان وصدام لم تكن، في الميزان الإيراني، “تحريرا” للجوار بقدر ما كانت إزاحة حراس حدوديين—بكل ما لهم وما عليهم—واستبدالهم بقوة عظمى تمتلك قدرة الوصول والضغط والتأثير على الداخل.

اللافت أن هذه التناقضات أنتجت سياسة مزدوجة على الجانبين. طهران لم تكن قادرة على الوقوف علنا مع واشنطن، لأنها بنت شرعيتها على العداء لها، لكنها في الوقت نفسه لم تكن راغبة في بقاء طالبان وصدام. وواشنطن كانت تستفيد من لحظات التقاطع مع إيران حين يخدم ذلك أهدافها السريعة، لكنها كانت، في الوقت نفسه، تبني سردية عامة ترى إيران خصما بنيويا لا شريكا ظرفيا.

لم تكن هذه الازدواجية خطأ في القراءة بقدر ما كانت طبيعة لحظة ما بعد 11 شتنبر، وعالم يشتعل، وحسابات أمنية أميركية تتوسع، وإيران تُدرِك أن أي خطوة “تعاون” قد تتحول إلى دليل اتهام أو إلى فخ سياسي.

عودة إلى الصفر مع ترامب

في مطلع الألفية الجديدة حاولت طهران، ولو ببطء شديد وتحت سقف أيديولوجي صارم، أن تُعيد تعريف علاقتها بالعالم بلغة أقل صداما مما كان سائدا في سنوات “الثورة الدائمة”. كان الخطاب الجديد يقول، بوضوح محسوب، إن إيران لا تبحث في القرن الواحد والعشرين عن أعداء إضافيين، بل عن تخفيف عددهم، وتحويل التوترات إلى مساحات رمادية يمكن إدارتها بدل إشعالها.

لم يكن ذلك انقلابا على هوية النظام بقدر ما كان تعديلا في أدواته، عبر مزيد من البراغماتية، ومزيد من الدبلوماسية، ومحاولة لتقليص كلفة العزلة التي صارت تتغذى من العقوبات ومن التوترات الإقليمية ومن صورة إيران كخصم مزمن.

في هذا السياق جاء خطاب محمد جواد ظريف لاحقا كترجمة أكثر تهذيبا لفكرة قديمة داخل الدولة، مفادها أن الصراع المفتوح بلا نهاية لا يُنتج إلا مزيدا من الاستنزاف، وأن تحويل “الأعداء” إلى “محايدين” ثم إلى “أصدقاء” ليس شعارا أخلاقيا بل تكتيك بقاء.

بلغ هذا المنحى ذروته حين دخلت إيران مسار التفاوض النووي الذي انتهى إلى اتفاق 2015. ولم يكن الاتفاق مجرد ورقة تقنية حول التخصيب والتفتيش، بل كان محاولة لإعادة إدخال إيران إلى السوق العالمية وإلى شرعية التفاوض، وإعطاء النظام متنفسا اقتصاديا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جوهر السيادة كما يفهمها: ألا تُسلب منه القدرة على القرار داخل حدوده.

كانت تلك لحظة تقول فيها طهران إنها تستطيع أن تفصل بين خصومتها السياسية مع واشنطن وبين هندسة مصالح مشتركة تضبط الانفجار. وكانت لحظة تقول فيها واشنطن، على الأقل في ذلك الوقت، إن ترويض الملف النووي ممكن عبر الدبلوماسية لا عبر الحرب.

ثم جاءت إدارة ترامب لتعيد المشهد إلى نقطة الصفر بسرعة صادمة، كما لو أن سنوات التفاوض كانت استراحة قصيرة في صراع أطول. لم تكن المشكلة في أن ترامب يفضّل الضغط على الحوار فقط، بل في طبيعة الرؤية التي حملها، والتي ترفع سقف الصدام إلى حدّ يجعل الاتفاق نفسه يبدو، في المخيال الترامبي، علامة ضعف لا إنجازا. هكذا صار المطلوب ليس “تعديل السلوك” ضمن صفقة، بل إعادة صياغة ميزان القوة بالكامل.

انسحبت واشنطن من الاتفاق، وعادت العقوبات بأقصى قسوتها، وتحول “تحييد الأعداء” إلى استدعاء صريح للعداوة، كأن السياسة لا تعترف بالمساحات الرمادية إلا لتستعملها مؤقتا ثم تسحبها حين تتغير الإدارة.

في قلب هذا الانقلاب كان العامل الإسرائيلي يعمل كقنبلة موقوتة داخل العلاقة الأميركية–الإيرانية، لا كملف جانبي. فإسرائيل، في منظور النظام الإيراني، ليست مجرد دولة تختلف معها، بل “نقطة تماس” دائمة تُعيد إنتاج الصراع مع واشنطن كلما ظنّ أحد الطرفين أن تسوية ما يمكن أن تنضج.

وفي منظور ترامب، كانت إسرائيل جزءا من تعريفه السياسي للقوة والولاء والتحالف، لا مجرد حليف بين حلفاء. لذلك تحولت القرارات ذات الحمولة الرمزية الكبرى إلى إشارات سياسية على اتجاه المرحلة. فالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لم يكن تفصيلا دبلوماسيا، بل كان إعلانا بأن واشنطن اختارت أن تدير المنطقة من زاوية إسرائيل، وأن تجعل من هذا الانحياز قاعدة لا استثناء.

من هنا يبدأ الحلف ضد إيران، ليس باعتباره ترتيبا أمنيا ظرفيا، بل باعتباره محاولة لإعادة تشكيل الإقليم عبر محور جديد يُعاد فيه ترتيب الأولويات: من “الصراع العربي الإسرائيلي” إلى “الخطر الإيراني”، ومن فلسطين كقضية مركزية إلى إيران كتهديد أعلى.

لم تُلغِ هذه العودة إلى الصفر ما بناه الاتفاق فقط، بل ألغت معه الثقة في فكرة الاتفاق نفسها داخل طهران. فقد قرأت طهران الانسحاب الأميركي بوصفه درسا تاريخيا جديدا، مفاده أن التفاوض مع واشنطن قد يمنح مكسب لحظة، لكنه لا يمنح ضمانة على المدى الطويل، وأن الدولة التي تغيّر سياساتها بتغير انتخاباتها تظل شريكا غير قابل للاعتماد في قضايا وجودية.

هكذا، وبدل أن يكون خطاب “تقليل الأعداء” بوابة لتثبيت مسار طويل، صار مجرد فصل قصير في رواية أوسع تعود باستمرار إلى أصلها الصدامي، كلما انفجرت القنبلة الإسرائيلية داخل العلاقة، أو كلما قررت واشنطن أن تُعيد تعريف نفوذها في المنطقة عبر كسر إيران لا احتوائها.

سياسة لتغيير الإقليم

حين أطلقت واشنطن سياسة “الضغط الأقصى”، لم تعد العقوبات مجرد أداة تفاوضية تُرفع وتُخفف مقابل تنازلات محسوبة، بل تحولت إلى منطق خنق اقتصادي يراهن على كسر الداخل قبل كسر القرار. صار الهدف المعلن هو “تغيير السلوك”، لكن السلوك هنا لم يكن ملفا واحدا يمكن وضعه على طاولة والاتفاق عليه، بل كان اسما واسعا لشيء أكبر: إعادة تعريف ما يُسمح لإيران بأن تكونه في الإقليم.

في هذه الصيغة الجديدة، لم تعد العقوبات تُدار في ارتباط ببرنامج نووي محدد، بل كرافعة لإعادة هندسة ميزان القوة، وتقليص موارد الدولة، وضرب قدرتها على تمويل شبكات نفوذها، وتجفيف ما تسميه واشنطن “الممرات الخلفية” التي تجعل إيران حاضرة خارج حدودها.

ومع كل دفعة عقوبات كان يتغير قاموس المنطقة. دولٌ تبحث عن مظلة أو عن هامش، وأسواقٌ تُعاد صياغتها على وقع الخوف من التوتر، وخرائطُ تجارة وطاقة تُستحضر فيها السياسة كأنها جغرافيا ثانية لا تقل صلابة عن اليابسة. هكذا دخلت العقوبات، من بابها المالي، لتصير جزءا من مشروع سياسي أكبر لا يرمي إلى إضعاف إيران فقط، بل أن تُعاد كتابة التحالفات من حولها بحيث تصبح هي الاستثناء الثقيل الذي يبرر الاصطفاف، ويُسوّغ الترتيبات، ويُنتج سردية جديدة للعدو المركزي.

ارتبطت هذه السياسة عمليا بإعادة ترتيب واسع للعلاقات والطرق والممرات. والتطبيع لم يعد يُقدَّم كخيار سلام أو كجسر ثقافي، بل كقطعة في بنية ردع إقليمي تُدفع من الخلف باسم مواجهة “الخطر الإيراني”. واصطفافات الخليج بدأت تُقرأ، أكثر فأكثر، كبحث عن دور جديد في اقتصاد عالمي يريد الاستقرار لكنه يصنعه بالعسكرة، وكأن الممرات التي تربط آسيا بأوروبا لم تعد مجرد سكك وموانئ، بل أحزمة أمنية تُقاس فيها قيمة الشراكة بمدى القرب من واشنطن وتل أبيب.

وفي قلب هذا التحول جاء اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، في يناير 2020، ليضع خطا أحمر جديدا على طريقة تُدار بها اللعبة. إذ لم يعد الصراع حول أجهزة الطرد المركزي وحدها، بل حول من يملك حق ضرب الرموز وتغيير قواعد الردع دون إعلان حرب.

ما بدأ كحصار مالي واقتصادي كان يحتاج، بالضرورة، إلى ذراع ميدانية تُترجمه إلى كلفة يومية، وإلى لغة ردع يفهمها الخصم خارج البنوك والأسواق. هكذا انزلقت المنطقة، تدريجيا، من صدام قابل للتفاوض إلى “حروب ظل” تُدار بلا أعلام واضحة، في شكل ضربات لا يعلنها أحد صراحة، ورسائل تُكتب بالنار ثم تُمحى بعبارات دبلوماسية، وعمليات تُنسب إلى “جهات مجهولة” بينما يفهم الجميع من يقف خلفها.

في هذه المرحلة صار الخليج ومضيق هرمز ومسارات الطاقة ساحات اختبار دائمة؛ حيث الناقلات تُستهدف، والمنشآت تُصاب، والشبكات الإلكترونية تُخترق، والاغتيالات تطال شخصيات أو علماء أو قادة ميدانيين، كأن الهدف هو إبقاء إيران تحت سقف من الألم لا يجرّ المنطقة إلى حرب شاملة، وفي الوقت نفسه يبقي الخصم في حالة استنزاف عصبي لا تسمح له بالتركيز على بناء قوة مستقرة.

لكن اغتيال سليماني كان نقطة فاصلة لأنه نقل اللعبة من ضرب أطراف الشبكات إلى ضرب عقلها الرمزي، ومن الاشتباك بالوكالة إلى مواجهة تلامس قلب الدولة. لم يعد السؤال: هل ستقع المواجهة المباشرة؟ بل متى ستقع، وبأي سقف، وبأي لحظة انفلات؟ ومع تراكم الردود والردود المضادة، تآكلت المنطقة الرمادية التي كانت تسمح للجميع بحفظ ماء الوجه.

صار كل طرف مطالبا بإثبات أن كلفته أعلى من كلفة خصمه، وأن ردعه لم ينكسر، وأن خطوطه الحمراء ليست حبرا على الهواء. هكذا خرجت الحرب، تدريجيا، من هامش الظل إلى مسرح المواجهة المباشرة، ليس لأن الأطراف لا تعرف مخاطر ذلك، بل لأن سلسلة الضغط والردّ جعلت التراجع مكلفا سياسيا مثل التقدم، وجعلت إدارة الصراع تتحول من “ضبط التصعيد” إلى “إدارة الانفجار” في منطقة لم تعد تتحمل المزيد من الشرر، لكنها تعيش فوقه منذ سنوات.

ثلاث نسح من إيران

على امتداد قرن كامل، لا تبدو إيران دولة تسير في خط مستقيم، بل ثلاث نسح منها تتناوب على التحكم، كل واحدة تمسك المقود حين تضعف الأخرى، ثم تتركه حين تتقدم الكلفة أو يتبدّل الزمن.

هناك إيران الدولة/الأمن، التي لا ترى في السياسة سوى فنّ منع الانهيار، وتتعلم من كل صدمة أن السلطة إن لم تتصلّب تُلتهم. وهذه هي إيران التي تُعيد تركيب نفسها كلما تصدّعت، وتنتج أجهزة أشدّ حضورا من الفكرة، وتتعامل مع المجتمع بوصفه مجالا للمراقبة قبل أن يكون مجالا للتعاقد.

ثم هناك إيران الثورة/التضحية، التي تشتغل بذاكرة كربلاء بوصفها آلة سياسية لا تنفد، وتحوّل الجرح إلى معنى، والخسارة إلى شرعية، والموت إلى رأسمال رمزي. إيران هذه هي التي تجعل الاستشهاد لغة لتفسير الألم ولإنتاج الصمود، والتي تتجدد كلما أحست أن الداخل يتفسخ وأن الخارج يقترب، فتستدعي “الرواية الكبرى” كي تُعيد شدّ المجتمع إلى مركز واحد.

ثم هناك إيران النفط/الجغرافيا، التي لم تختر موقعها ولا ثروتها، لكنها تحمل ثمنهما كل يوم. إيران التي تقع بين إمبراطوريات وممرات، وبين بحر يُغري ومضيق يهدد، وبين أسواق تريد الطاقة وقوى تريد النفوذ، فيتحول النفط إلى قدر سياسي قبل أن يكون موردا اقتصاديا.

في النهاية، إذا كان هناك خيط واحد يربط كل هذه التحولات من 1905 إلى اليوم، فهو الصراع على الشرعية: من يملك حق الكلام باسم إيران؟ هل هو الدستور والبرلمان أم القصر والجيش؟ هل هو الفقيه بوصفه مرجعية نهائية أم الشعب بوصفه مصدر السلطة؟ هل الشرعية تُستمد من صناديق الاقتراع أم من الدم؟ هل تُبنى من التنمية أم من مقاومة العدو؟