المجلس الأعلى للحسابات يكشف أزمة صامتة في تدبير مقابر المسلمين
رسم التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات صورة قاتمة بشأن اختلالات بنيوية ونقائص متعددة تعيق التدبير الجيد والمستدام لمرفق مقابر المسلمين بالمغرب، مؤكدا أن هذا المرفق يواجه تحديات جسيمة ترتبط بالنمو الديمغرافي المتسارع واتساع المدارات الحضرية.
وأوضح التقرير أن تسيير المقابر يخضع لترسانة قانونية تشمل القانون التنظيمي للجماعات (113.14) وميثاق المرافق العمومية، بالإضافة إلى مدونة الأوقاف التي تعتبر المقابر وقفا عاما، مما يفرض تنسيقاً وثيقاً بين عدة متدخلين.
واعتمدت المجالس الجهوية للحسابات في مهمتها الرقابية (2018-2024) على استبيانات شملت 1.503 جماعة بمعدل استجابة قياسي بلغ 94 في المائة بالإضافة إلى معاينات ميدانية لـ 269 جماعة للوقوف على الوضع الفعلي للمقابر.
خريطة المقابر
أحصت الوثيقة ما مجموعه 29.081 مقبرة على الصعيد الوطني، تمتد على مساحة إجمالية تقديرية تصل إلى 22.019 هكتار، موزعة بين المجالين القروي والحضري بتفاوت كبير في الأعداد والمساحات.
غير أن المجلس سجل تمركزا هائلا للمقابر في العالم القروي، حيث توجد 27.674 مقبرة حوالي 95 في المائة من الإجمالي، مقابل 1.407 مقبرة فقط في المدار الحضري، وهو ما يطرح إشكالات حقيقية في المدن الكبرى نتيجة ندرة العقار.
في مؤشر مقلق، كشف التقرير أن الجماعات تفتقر لبيانات دقيقة حول معدل استغلال 52 في المائة من المقابر، بحيث لا تتوفر معلومات عن المساحات المتبقية للدفن أو عدد القبور الشاغرة، مما يحول دون تقييم الحاجيات الفعلية المستقبلية.
وفي غضون ذلك، عزا قضاة المجلس هذا “التخبط” إلى غياب التخطيط والبرمجة والتنسيق بين الجماعات وإدارة الأوقاف ووزارتي الداخلية والتعمير، علاوة على الفشل في مسك سجلات موحدة للمقابر وعدم تسوية وضعيتها العقارية.
واقع المقابر
من جانب آخر، لفت التقرير، إلى وجود تحديات كبيرة تواجه تدبير المقابر على المستوى الوطني، حيث كشفت الأرقام عن استنفاد 919 مقبرة لطاقتها الاستيعابية القصوى، مما يضع الجماعات الترابية أمام رهان البحث عن وعاء عقاري بديل لمواكبة التزايد السكاني.
وتشير الأرقام، بحسب المصدر نفسه، إلى تفاوت ملحوظ في تجهيز وتنظيم هذه المرافق، مبرزا أن المقابر النموذجية لا تتعدى نسبتها 0.4 في المائة من مجموع المقابر وطنيا، حيث يبلغ عددها 109 مقبرة فقط تتوفر فيها الشروط الدنيا من تجهيز وتنظيم، ويتمركز أغلبها (76 في المائة) في جهات مراكش-آسفي، سوس-ماسة، والشرق، كما تم جرد 111 مقبرة تُصنف كمآثر تاريخية، تتركز أساسا في جهة كلميم-واد نون بـ 46 مقبرة.
ولمواجهة هذا الوضع، أكدت وزارة الداخلية، وفقا لتقرير المجلس الأعلى للحسابات، تبني رؤية مستقبلية تعتمد على التدبير المعقلن والتهيئة الحديثة.
وتتجلى ملامح هذه الخطة في مواكبة الجماعات الترابية من خلال المديرية العامة للجماعات لإحداث وتجهيز مقابر جديدة تغطي الخصاص الحالي، إلى جانب اعتماد “مقبرة الإحسان” بإقليم مديونة (جماعة سيدي حجاج واد حصار) كنموذج مرجعي، يدمج بين المعايير التقنية الحديثة والممارسات الجيدة في الاستغلال، ناهيك عن برمجة مشاريع مقابر موحدة تضمن كرامة الموتى وتستجيب لوتيرة النمو الديموغرافي السريع.
وثائق التعمير
إضافة إلى ذلك، انتقد التقرير ضعف إدماج المقابر في التخطيط العمراني، إذ لا تتعدى نسبة المقابر المشمولة بوثائق التعمير 8.73 في المائة، مع تسجيل 269 مشروعا فقط لإحداث أو توسعة المقابر على المستوى الوطني.
وفي هذا الصدد، أشار المصدر إلى أن منظومة التسيير تعاني من ضعف البرمجة المالية ومحدودية الموارد البشرية المؤهلة، مما انعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين وعلى الحالة العامة لصيانة هذه الفضاءات.
فوضى في الاستغلال
ومن جهة أخرى، سجلت المجالس الجهوية قصورا في إصدار القرارات التنظيمية والأنظمة الداخلية من طرف الجماعات، مما يؤدي إلى فوضى في الاستغلال وغياب المعايير الموحدة لعمليات الدفن وتجهيز الممرات.
وفي ردها على هذه الملاحظات، أفادت وزارة الداخلية بأنها تنكب على إعداد “دليل للبرمجة المعمارية والحضرية” لتحديد المعايير المرجعية لإحداث وتهيئة المقابر، مع العمل على تعيين حراس دائمين لحمايتها.
إلى جانب ذلك، أوصى المجلس الأعلى للحسابات وزارة الداخلية بضرورة تأطير تدبير المقابر بآليات قانونية مناسبة وتطوير الشراكات، وحث الجماعات على تكوين رصيد عقاري كافٍ ومحمي لمواجهة الخصاص المستقبلي.
ودعا التقرير إلى رقمنة سجلات الوفيات في نظام موحد واعتماد منصات إلكترونية لتتبع المرفق وتقديم خدمات عن بعد، لضمان توثيق المعلومات وتسهيل الإجراءات الإدارية على عائلات المتوفين.
وختم المجلس توصياته بضرورة السهر على نظافة وصيانة المقابر بصفة دورية وتوفير الربط بشبكات الماء والكهرباء، مع الحرص على التنظيم الجمالي للقبور بما يحفظ حرمة الموتى وكرامة المرتفقين.