تقرير رسمي: الاقتصاد غير المهيكل وضعف تشغيل النساء يهددان مستقبل التقاعد والحماية الاجتماعية بالمغرب
حذر تقرير جديد من أن استمرار هيمنة الاقتصاد غير المهيكل وضعف مشاركة النساء في سوق الشغل، بالتزامن مع تسارع الشيخوخة الديموغرافية، كلها عوامل باتت تهدد بتفاقم اختلالات الحماية الاجتماعية والتقاعد بالمغرب خلال العقود المقبلة، مؤكدا على أن الإصلاحات الاجتماعية الجارية لن تحقق أهدافها دون تحولات هيكلية عميقة في سوق الشغل.
وجاء ذلك في تقرير بعنوان “القطاع غير المهيكل، النوع الاجتماعي والتحول الديموغرافي: ديناميات التفاوتات التراكمية والانتقال بين الأجيال” أصدرته المنودبية السامية للتخطيط الثلاثاء 1 ماي 2026، وحللت فيه تأثير التداخل بين الهشاشة الاقتصادية والفوارق بين الجنسين والتحولات السكانية، وتأثيرها على مستقبل التوازنات الاجتماعية والمالية بالمغرب.
الاقتصاد غير المهيكل يعيد إنتاج الفوارق
وسجل التقرير أن الاقتصاد غير المهيكل ما يزال يشكل البنية الأساسية للتشغيل بالمغرب، إذ يستوعب أكثر من ثلاثة أرباع مجموع العاملين، ويضم أكثر من مليوني وحدة إنتاجية، ما يكرس هشاشة الشغل وضعف التغطية الاجتماعية.
وأوضح التقرير أن الأمر لا يتعلق فقط بوجود انقسام بين قطاع منظم وآخر غير منظم، بل بمنظومة كاملة تعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية بين الرجال والنساء، وبين الفئات التعليمية المختلفة، وتؤثر بشكل مباشر على فرص الاستفادة من التقاعد والحماية الاجتماعية مستقبلا.
ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل
وكشف التقرير أن معدل المشاركة الاقتصادية للنساء بالمغرب لم يتجاوز 19,1 بالمائة سنة 2024، مقابل 68,6 في المائة لدى الرجال، معتبرا أن هذه النسبة من بين الأضعف في الدول ذات الدخل المتوسط.
وأضاف أن 70 بالمائة من النساء العاملات يشتغلن ضمن الاقتصاد غير المهيكل، وغالبا في أنشطة غير مؤدى عنها أو في إطار المساعدة العائلية، بينما يهيمن الرجال على العمل المستقل أو المأجور الذي يدر دخلا.
ويرى التقرير أن هذا الوضع يؤدي إلى تراكم “عدم مساواة مؤجلة” تظهر آثارها لاحقا عند التقاعد، بسبب ضعف التصريح بالأجور وغياب المساهمات المنتظمة في أنظمة التقاعد.
شيخوخة سكانية متسارعة
وفي الجانب الديموغرافي، توقع التقرير أن ترتفع نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من 9,4 بالمائة سنة 2014 إلى 23,2 في المائة بحلول سنة 2050، مع ارتفاع نسبة إعالة المسنين إلى 39,4 في المائة، متجاوزة لأول مرة نسبة إعالة الأطفال.
وأشار إلى أن هذا التحول سيؤدي إلى ضغط متزايد على المالية العمومية وعلى أنظمة الحماية الاجتماعية، خاصة في ظل ضعف قاعدة المساهمين واستمرار التشغيل غير المهيكل.
فجوة المعاشات بين النساء والرجال
ومن أبرز خلاصات التقرير أن النساء يواجهن تفاوتا حادا في الاستفادة من التقاعد، إذ إن 15 بالمائة فقط من النساء فوق 60 سنة يتقاضين معاشا تقاعديا، مقابل 37 في المائة لدى الرجال.
كما أظهرت المعطيات أن معاشات النساء في المتوسط لا تمثل سوى 11,1 بالمائة فقط من معاشات الرجال، ما يعني أن النساء يحصلن على معاشات تقل بحوالي تسع مرات عن الرجال.
وأوضح التقرير أن هذه الفجوة لا ترتبط فقط بمرحلة التقاعد، بل هي نتيجة تراكمات تبدأ منذ الولوج إلى سوق الشغل، مرورا بطبيعة العمل والأجر والتصريح الاجتماعي، وصولا إلى حجم الحقوق المكتسبة عند نهاية المسار المهني.
الإصلاحات الاجتماعية وحدها لا تكفي
ورغم إشادة التقرير بورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلقه المغرب منذ سنة 2021، فإنه اعتبر أن توسيع التغطية الصحية أو خفض شروط الولوج للتقاعد لن يكون كافيا لتقليص الفوارق الاجتماعية، إذا لم يترافق مع إصلاحات هيكلية في سوق الشغل.
وأوضح التقرير أن جزءا مهما من المنخرطين في أنظمة الحماية الاجتماعية لا يراكم حقوقا فعلية، وذلك بسبب بسبب عدم انتظام المساهمات، خصوصا لدى العاملين ذوي الدخل غير المستقر داخل الاقتصاد غير المهيكل.
التعليم يخفف الفوارق.. لكن بشكل غير متساوٍ
وأشار التقرير إلى أن أثر السياسات يختلف حسب المستوى التعليمي، إذ تستفيد النساء الحاصلات على تعليم عال بشكل أكبر من فرص الشغل المنظمة ومن تحسن المعاشات مستقبلا، بينما تبقى النساء ضعيفات التأهيل الأكثر عرضة للبطالة والهشاشة.
وحذر من أن تقليص الفجوة في التقاعد قد يخفي أحيانا تراجعا عاما في مستوى الحماية الاجتماعية، خصوصا عندما يتحقق “التقارب” عبر انخفاض حقوق الرجال بدل تحسن فعلي في حقوق النساء.
عقد حاسم لمستقبل الحماية الاجتماعية
وخلص التقرير إلى أن الفترة الممتدة بين 2025 و2035 ستكون حاسمة في تحديد مستقبل التوازنات الاجتماعية والمالية بالمغرب، معتبرا أن نجاح إصلاحات الحماية الاجتماعية رهين بالقدرة على خلق فرص شغل منظمة، ورفع إنتاجية الاقتصاد، وتحسين إدماج النساء في سوق العمل.
وأكد أن الشيخوخة السكانية لا تشكل في حد ذاتها المشكلة الأساسية، بل تكشف اختلالات تراكمت لسنوات داخل سوق الشغل، محذرا من أن غياب إصلاحات منسقة قد يؤدي ابتداء من سنة 2040 إلى بلوغ “سقف هيكلي” يصعب تجاوزه في ما يتعلق بتقليص الفوارق الاجتماعية وضمان استدامة أنظمة التقاعد.