story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

تطبيع المُكْرَه

ص ص

عند فقهاء المالكية طَلاقُ المُكْرَه “لا يقع ولا يترتب عليه أثر” مادام “لا طَلاق ولا عَتاقَ في إغْلاق”، أي في إكراه، لأنه انتفت فيه إدارة التطليق إلى الإجبار، فيكون وجوده كالعدم. وقد قرّر الإمام مالك فتوى طلاق المُكْره ليصرّح بموقفٍ سياسي، أن بَيْعَة المُكْره لا تقع، وهو موقفٌ سياسي من مدخل الفتوى حين كانت تُأخذ البيعة بجعل الناس يحلفون بطلاق زواجاتهم إن خلعوا رَبْقة البيعة عن أعناقهم. وبسبب فتواه/ موقفه السياسي عُذّب مالك “حتى كادت تنخلع كتفه”، وقد أفتى ضِمناً أن من أُخذت بيعته تحت يمين الطلاق لا بيعة عليه.

وما هذا القول وشأن “تطبيع المُكْره”؟

مناسبة الربْط حديث وزير العدل السابق والإسلامي الشهير المصطفى الرميد، في ندوة في نهاية الأسبوع الماضي، عن تطبيع المغرب مع إسرائيل، والمقارنة بين وضعيتي الجزائر والرباط، بقوله إن “الجزائر ليس لها إكراه، أما المغرب فله إكراه، وهو القضية الوطنية”. ويرى أيضا أن “المغرب إذا كان قد وقّع (على التطبيع)، فالمسؤول الأول هي الجزائر”.

هنا نتبيّن خيطاً في الحديث عن “طلاق المُكْرَه” و”تطبيع المُكْرَه” في حديث الرميد عن “إكراهٍ” دفَعَ إلى استئناف العلاقات مع إسرائيل. وبمنطوق ومضمون كلام الرميد، فالمغرب “مُكرهٌ” على التطبيع، والجزائر بافتعالها لقضية الصحراء “خلقت لنا مشكلة هي شوكة في قدمنا (..) لذلك لا يمكن أن ننتظر من الدبلوماسية المغربية أن تذهب بعيداً وأن تتحرّك بكل حريّة”. والإكراه، ها هنا وفي غير محلٍّ، “حمل إنسان (أو غيره) على فعلٍ أو على امتناع عن فعل بغير رضاه”.

سأقفز على معنى غير لطيف ثاوٍ في كلام وزير الدولة السابق يصوّر المغرب عاجزا لا يرى خيارا إلا بالتحالف مع إسرائيل، وأنه مكبّل اليدين في تحركاته الدولية.. وسأنتقل إلى مستوى آخر، مؤمناً بأن اللغة تستبطن مرايا فهمٍ بلا حدّ، دون تعسّف، لأسجل، بكل حسن ظن، أن الرميد يسْتقذِر ضمنا فعل التطبيع، وإن برّره بالإكراه.

الرميد يُحمّل الجزائر مسؤولية قرار تطبيع المغرب، وأجدني أُسلّم جزئيا بهذا الرأي، ولا أقبله تماما.

المغرب قرر التطبيع مع إسرائيل وفي صميم الخطوة قضية الصحراء المغربية، وكل المكتوب، صراحة وضمناً، في الاتفاق الثلاثي يدعم هذا، إذ يُثْبِت أن المغرب قبِل التطبيع وفي اليدِ موقفاً أمريكيا بدا تحولاً وخلخل موازين قوى، وكان له أثر.

ولست في وارد تقرير المكاسب والخسائر في قرار التطبيع، لكن توجّها نحو تقرير جدواه من الناحية الأخلاقية، باعتبار كل الجاري في غزة وعموم الأراضي المحتلة، والنظر عميقا في التوجه الدولي الذي يحاصر إسرائيل أكثر فأكثر، وواجب الوقوف في المكان الصحيح من التاريخ، يستوجب تقييما بشأن العلاقة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، الماثلة أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية، والمتوقع أن تصدر بحق قادتها مذكرات اعتقال عن المحكمة الجنائية الدولية، وقبل هذا وبعده ما تراه العينُ، وعلى الهواء، من مقتلةٍ عظيمة يتعرّض لها أهل غزة، الذين يحتاجون، من المغرب وغيره، أكثر من بلاغة الخطابات الرسمية، إلى أفعال تُحدثُ أثرا.

أما ما خصّ الجزائر، فإن التطبيع منحها دفعاً لممارسة أخلاقيةٍ على المغرب غير مستحقّة. الجزائر الآن حالة انفلاتٍ خطيرةٍ على المغرب وعلى السلم الإقليمي، لكن أن نحمّلها كل وِزْر التطبيع فمسألة فيها نظر، كما لا تستحق هي المزايدة على المغرب بفلسطين. يمكن أن يكون سلوك الجار الشرقي لبلدنا عاملا ضمن مؤثرات، ورقما في حِسْبَة كبيرة، بعضها إقليمي وبعضها دولي، لكن القول إنها هي السبب، بكل تسليمٍ، رميٌ لثقلٍ و”عقدة ذنبٍ” يرزح تحتها الرميد وحزبه وكل من كان ظاهرا ضمن مشهد جلوس رئيس الحكومة آنذاك سعد الدين العثماني للتوقيع مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، ومستشار ترامب حينها جاريد كوشنر.

وبالعودة إلى طلاق المُكْره وتطبيع المُكْره. فالأول “لا يقع ولا يترتب عليه أثر”. أما تطبيع المُكْره فـ”يقع ويترتب عليه أثر”. ومن آثار التطبيع أن المغرب الآن، رغم أنه يضجّ بالمسيرات التضامنية مع فلسطين، وتسمح الدولة بحق المغاربة في التعبير عن انحيازهم لفلسطين، أكثر مما يقع في أي دولة عربية أخرى، إلا أن في “عنقه ربقة” تطبيع لم يخلعها، وهي تطوّقه وتحرجه وتنتقص من رمزيته. فالحقيقة الأكثر صلابة، في هذه اللحظة من التاريخ، أن المغرب يقيم علاقة مع دولةٍ مارقة، تدوس القانون الدولي، وتنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني، وتُحاكم بتهمة أعمال الإبادة. ولا شيء، أخلاقيا على الأقل، يُكْرِهنا على الاستمرار في الوقوف في المكان الخطأ من التاريخ، وقتما تنحاز دول، آخرها حليفتنا إسبانيا، إلى الفلسطينيين، وتقول لنتنياهو وكل قادة دولة الاحتلال: أنتم مجرمون وقد قتلتم 14 ألف طفل في سبعة أشهر.