بين صرخة “جيل Z” وأزمة البرامج.. معضلة الثقة السياسية بعيون قيادات نسائية
في سياق يتسم بتشابه خطابات الأحزاب السياسية وتصاعد الشعبوية المغرية، إلى جانب تآكل الثقة وتراكم خيبات الوعود، ، أكدت النائبة البرلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي، خدوج السلاسي، أن الشباب مهتمون ويمارسون السياسة، مستدلة على ذلك بالخطابات الشبابية في المنصات الرقمية حول الحرب في الشرق الأوسط وغلاء المحروقات والزيادات في الأسعار ومختلف الحقوق والحريات العامة والفردية.
واستحضرت القيادية الاشتراكية، خلال مشاركتها في ندوة رقمية نظمتها “مؤسسة الفقيه التطواني”، يوم الخميس 2 أبريل 2026، ما أسمته بـ”صرخة جيل Z”، منبهة إلى أن “الأحزاب السياسية لم تعد قادرة على ترجمة اهتمامات الشباب”، في ظل تسابق الزعماء الحزبيين على تصدّر الانتخابات المقبلة.
وقالت السلاسي في هذا الصدد: “هل يتساءل هؤلاء الزعماء، بما فيهم إدريس لشكر (الكاتب الوطني للاتحاد الاشتراكي)، عن كيفية ملء صناديق الاقتراع بأصوات الناخبين؟ أي: هل سيذهب المواطنون إلى التصويت لإتمام العملية الديمقراطية؟”.
واعتبرت أن “صرخة جيل Z مشروعة جدا من حيث المطالب التي رفعتها”، مبرزة: “لكنها صرخة لا تسير في الاتجاه الديمقراطي؛ لماذا؟ لأن الأحزاب، حينما تخلت عن أدوارها في التأطير وانشغلت بمصالحها وبزعاماتها الوهمية، خرج الشباب ينادون الملك بشكل مباشر، ويتجاوزون الأحزاب والمؤسسات”، مشددة: “هذا أكبر خطر يمكن أن يهدد الديمقراطية”.
الجذور والأجنحة..
وعن الوضع الداخلي لحزب الاتحاد الاشتراكي، انتقدت خدوج السلاسي الخرجات الأخيرة لعبد الهادي خيرات، الذي غادر الحزب، معتبرة أنه غادر الحزب عمليا منذ مدة، و«أخذ لنفسه رخصة مفتوحة، ولم يعش المطبات الداخلية للحزب.
وترى السلاسي أن “الانتقاد الحقيقي والمجدي هو ذلك الذي يظل داخل المؤسسة الحزبية، لماذا؟ لأن كل الذين غادروا الاتحاد، جعلوا مهمتنا في الاشتغال داخله صعبة”، وفقا لتعبيرها
وأكدت على أهمية “تحمل المسؤولية داخل الحزب، والإيمان بالمشروع لا بالأشخاص”، مشددة على مساندتها لـ«الباقين الصامدين، لا للذاهبين المتنكرين”.
وأوردت أنها “دائما كانت تقول، ولا تزال، إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو جذور وأجنحة”، مضيفة: “أنا بحكم المرحلة العمرية، أجسد الجذور أكثر مما أجسد الأجنحة»، لافتة إلى أن “الحزب يحمل حمولة تاريخية ومبدئية وقيمية، ولعب دورا كبيرا في تشكيل الوعي السياسي المبكر للمجتمع السياسي”.
وفيما يتعلق بوحدة اليسار المغربي، لفتت السلاسي إلى أن “أي ضرب في الأحزاب السياسية هو ضرب في الديمقراطية»، موردة أن «السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بوضعية الاتحاد الاشتراكي أو ولايات إدريس لشكر”.
وتابعت: “إن السؤال الحقيقي اليوم هو هل استطاع الاتحاد الاشتراكي بمعية أحزاب أخرى أن يحققوا الحد الأدنى من التوافق والتحالف لبناء مشروع سياسي حقيقي؟ وهل تستطيع الأحزاب التي نسميها، اليوم، أحزاب اليسار أن تتجاوز خطاباتها الماضوية المرتبطة ببنية مفاهيمية تعود إلى السبعينيات؟”.
السياسيون والملك..
ومن جانبها، ترى النائبة البرلمانية عن حزب الاشتراكي الموحد أن “السياسة لم تعد تقنع، لأن السياسيين الحقيقيين الذين ساهموا في تحرير البلاد وخاضوا معركة دمقرطة البلاد، تعرضوا للقمع الشرس”، مستدركة: “لكننا أيضا لم نثق في أنفسنا في وقت من الأوقات”.
وأضافت القيادية اليسارية، في جواب خلال مشاركتها في الندوة، أن “النخب السياسية الموجودة حاليا تقف جميعها وتعرض الخطب الملكية، دون أن تضيف شيئا”، مردفة: “الجميع يختبئ وراء ملك البلاد من أجل الامتيازات والبقاء”.
وقالت منيب في هذا الصدد إنه “حتى بعض المعارضين لا يلتزمون بالنضال. أحيانا يكون النقاش ساخنا بشأن نصوص قانونية، ثم نجد انسحاب البعض، والعودة إلى الخلف تحت ضغط الاتصالات الهاتفية”.
وأشارت إلى أن هناك صعوبة أيضا في التمييز بين الفاعلين السياسيين في عالم يعرف “تدجين السياسة”
وترى منيب أنها تنتمي إلى “مدرسة سياسية كانت تمشي في الاتجاه المعاكس للهدم الذي تمارسه الدولة»، مبرزة أنها “عاشت تجربة جمع 5 مدارس سياسية يسارية”، مؤكدة أنها “تعتز بمدرستها التي كان يقودها المقاوم أيت إيدر بنسعيد”.
القيادة بالصدفة..
وعن تجربتها في تولي قيادة الأمانة لحزب الاشتراكي الموحد، كشفت نبيلة منيب، في الندوة ذاتها، أنها «كانت آخر من يعلم بالترشح لهذه المهمة»
وأوضحت أن الحزب كان يدفع بقيادي آخر (تقصد محمد الساسي)، خلال فترة الربيع الديمقراطي، لتولي القيادة، لكنه كان يرفض، مبرزة أن يوم انتخابها في المجلس الوطني للقيادة «كانت على وشك تناول وجبة عشاء مع زوجها، فتلقَّت اتصالا، ولما وصلت وجدت رفاقها يرشحونها، فقبلت لأنها مناضلة ومستعدة للتضحيات»، حسب تعبيرها.
وفي السياق ذاته، وجهت نقدا لاذعا إلى “عدد من رفاقها في التجربة”، موضحة أنها، بعد تولي المهمة، بدأت تتعرض لعدة عراقيل، ووصل الأمر، حسبها، إلى “اجتماع زعماء في الحزب مع مستشاري الملك على خلفية مشاركتها في ندوة حول فصل الدين عن الدولة بقطر”.
واعترفت منيب بصعوبة التدبير الحزبي، موردة: “قدت مرحلة الولاية الأولى بألم شديد. أما التحالف في إطار فيدرالية اليسار الديمقراطي، فكان عذابا مبينا، لكنني صامدة، لأنني لم أكن أمثل منيب بل المؤسسة الحزبية”.
وعن التحديات التنظيمية التي يواجهها الحزب حاليا، قالت إن الأمين العام الحالي، جمال العسري، هو رجل نزيه، ويشرف الوطن، وليس غشاشا أو تاجرا للمخدرات.. إنه يعمل بجد، وهو رجل المرحلة.
غياب الحكومة..
أما أمينة ماء العينين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، فقد وجهت نقدا لاذعا إلى الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش، معتبرة أنها ضعيفة سياسيا، وهي من بين الأسباب التي تجعل السياسة غير مقنعة في البلاد.
واستغربت ماء العينين، خلال الندوة، من عدم قدرة الأغلبية على خلق نقاشات سياسية والدفاع عن نفسها، موردة أن الدليل على ذلك هو أن النقاش حاليا يدور حول المعارضة، وبتعبيرها: “عكسنا الآية في المغرب، وأصبح الناس ينتقدون المعارضة والبيجيدي”.
وقالت البرلمانية السابقة إننا “نسمع أن العدالة والتنمية هو السبب في غلاء المحروقات، وفي الساعة الإضافية وو”، مضيفة: “في النهاية، علي أن أفتخر، وأقول على الأقل هناك البيجيدي، وأحزاب سياسية أخرى، في الفضاء العام، في ظل غياب الأغلبية”.
وعبرت عن حسرتها بسبب “عدم وجود قيادية من الأغلبية في الندوة، ويكون النقاش والتدافع”، مشددة على أن “النقاش والتدافع السياسي مهمان في الفضاء العمومي»، منبهة إلى «خطورة ترك المجال للفراغ وللتافهين والسطحيين”.
الساعة الإضافية..
وانتقدت ماء العينين الفكرة المتداولة في الفضاء العام المتمثلة في «كاع السياسيين بحال بحال»، معتبرة أن مثل هذا الخطاب يُنمط وعي الناس ويتركهم يعيشون في ضبابية وعدم فهم للخطاب السياسي.
وعن مشاركة العدالة والتنمية في الحكومة لمدة 10 سنوات، أوردت السياسية ذاتها أن هذه التجربة كانت مفيدة، بالرغم من الأخطاء المرتكبة.
وفيما يتصل بالقرارات التي اتخذها الحزب في الحكومة، مثل تحرير سوق المحروقات، أشارت إلى أن الشعب كان قد قال كلمته بالتصويت مجددا للبيجيدي في انتخابات 2016، معتبرة أن قرار التحرير كان «بنية طيبة».
وترى أن قرار التحرير له إيجابيات اعترفت بها الحكومة الحالية، مشيرة إلى أن أخنوش ولقجع أكدا على أن رفع الدعم على المحروقات وفر ميزانية لدعم مشروع الحماية الاجتماعية.
واستدركت: «صحيح أن هناك إشكالا يتعلق بعدم وضع آليات للمراقبة، وهذا خطأ»، مردفة: «لكن الوضع يقتضي توجيه الخطاب إلى الحكومة للتدخل حاليا، وليس ترديد أسطوانة بنكيران حر سوق المحروقات، لأن الغاية من التحرير طيبة».
وبخصوص الساعة الإضافية، قالت القيادية ذاتها إن الحزب لم يعرف عنها شيئا حينما تمت إضافتها سنة 2018 بمرسوم من رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني، مشيرة إلى أنها خطأ ويمكن تصحيحه.
ضبابية المشهد..
ومن جانبها، اعتبرت القيادية في حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، أن فقدان السياسة لبريقها في أعين عدد من المواطنين له علاقة بـ«السياسات العمومية المتبعة التي فشلت في توفير صحة جيدة وتعليم وغير ذلك للشعب المغربي».
وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن «المواطنين مستاؤون من السياسات العمومية، ومن عدم الاستجابة لانتظاراتهم»، منتقدةً الحكومة في الصدد، معتبرة أنها «دخلت في حالة من الإنكار».
وترى المتحدثة أن إنكار الحكومة للواقع الذي يعيشه الناس يؤدي إلى «فقدان الثقة في الفاعل السياسي»، مستغربة مما أسمته بـ«لجوء عدد من المنتمين للأغلبية إلى تحميل المسؤولية للمعارضة».
وأوردت السياسية اليسارية أن لجوء الأغلبية الحكومية إلى هذه الممارسات يقود الناس نحو نوع من الضبابية وعدم فهم المشهد، وينتشر خطاب: «كولشي بحال بحال»، الذي يعد خطرا.
التحالفات الانتخابية..
وأشارت التامني إلى المحاولة السابقة التي كانت ترمي إلى «اندماج اليساريين في حزب واحد»، معتبرة أن الغرض منه هو: «مسارات يسارية متعددة في حزب واحد؛ لأن اليسار هو الذي يحمل على عاتقه قضايا محاربة الفساد، وقضايا الحريات العامة والفردية، والمبادئ التي ترتكز عليها الديمقراطية»، مؤكدة أن «البلاد في حاجة إلى اليسار».
وبخصوص التحالفات الانتخابية، قالت إن التحالفات يجب أن تكون بناءً على برنامج ومشروع ذي بعد استراتيجي، وليس من أجل الحصول على المقاعد، فيما بعد «كل يلغي بلغاه».
وأوضحت أن البرامج هي التعاقدات التي تربط الأحزاب بالمواطنين أو الناخبين، مشيرة إلى أن الإشكالية في المغرب هي أن الأحزاب تنزل عند الناخبين وتقدّم وعودا، وفيما بعد تتنصل منها، ونحن نرفض هذا، لأننا «نمارس السياسة بالأخلاق، وليس بالتموقع والمصالح الشخصية»، حسب تعبيرها.
المحفوظ طالبي