بلجيكا ضد الولايات المتحدة 4-1.. كيف حسم “الشياطين الحمر” معركة سياتل؟
أنهت بلجيكا حلم الولايات المتحدة في كأس العالم 2026 بفوز عريض بنتيجة 4-1، في مباراة أُقيمت تحت أضواء إعلامية وسياسية استثنائية، بعد تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم من أجل مراجعة عقوبة فولارين بالوغون.
لم تكن خسارة الولايات المتحدة أمام بلجيكا في ثمن نهائي كأس العالم 2026 مجرد خروج عادي لمنتخب البلد المضيف؛ بل كانت نهاية ثقيلة لمشروع دخل البطولة تحت ضغط استثنائي، وحمل معه طموح الوصول إلى ربع النهائي لأول مرة منذ 2002، لكنه اصطدم في سياتل بمنتخب بلجيكي أكثر خبرة، وأشد قسوة في استثمار الأخطاء، وأفضل قدرة على إدارة لحظات التحول داخل المباراة.
سجل شارل دي كيتيلاري هدفين، وأضاف هانس فاناكن الهدف الثالث، قبل أن يختم روميلو لوكاكو النتيجة في الوقت بدل الضائع، بينما أحرز مالك تيلمان الهدف الوحيد للولايات المتحدة من ركلة حرة مباشرة.
وبذلك تأهلت بلجيكا إلى ربع النهائي لمواجهة إسبانيا التي فازت على البرتغال، فيما غادر المنتخب الأمريكي البطولة من الدور نفسه الذي توقف عنده في مشاركاته الثلاث الأخيرة.
فازت بلجيكا لأنها تجاوزت الضغط الأمريكي بالتمرير المباشر، واستهدفت المساحات خلف الظهير الأيمن، واستثمرت ضعف الرقابة على العرضيات، بينما دفعت الولايات المتحدة ثمن أخطائها الفردية وسوء تمركزها وفقدان بوليسيتش في الشوط الثاني.
كيف أثّرت قضية بالوغون؟
انطلقت المباراة وهي محاطة بجدل لم يكن رياضيا فقط. فقد شارك فولارين بالوغون أساسيا بعدما علّق الاتحاد الدولي لكرة القدم تنفيذ عقوبة إيقافه الناتجة عن بطاقة حمراء مباشرة أمام البوسنة والهرسك، في قرار جاء بعد تدخل معلن من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى رئيس “فيفا” جاني إنفانتينو، وأثار اعتراضات واسعة داخل الأوساط الأوروبية والبلجيكية.
لكن عودة بالوغون لم تغيّر ميزان المباراة. فقد حضر في لقطة الحصول على الركلة الحرة التي جاء منها هدف التعادل الأمريكي، غير أن بلجيكا نجحت في عزل الخط الأمامي الأمريكي خلال فترات طويلة، ومنعت أصحاب الأرض من تحويل الدعم الجماهيري إلى ضغط متواصل أو فرص نظيفة.
وبينما كان جزء كبير من النقاش قبل المباراة يدور حول أحقية مشاركة بالوغون، قالت أرضية الملعب إن المشكلة الأمريكية كانت أوسع بكثير من مهاجم واحد.
ظهر الخلل الحقيقي في الدفاع، وفي سوء التعامل مع الكرات الثانية، وفي التمركز أمام العرضيات، وفي أخطاء فردية منحت بلجيكا أهدافا سهلة نسبيا.
في المقابل، أقدم مدرب بلجيكا رودي غارسيا على قرار جريء، حين أبقى كيفن دي بروين وجيريمي دوكو خارج التشكيلة الأساسية رغم جاهزيتهما، ودفع بدودي لوكيباكيو ونيكولا راسكين، في محاولة لرفع الإيقاع والضغط على البناء الأمريكي منذ البداية.
لم يكن هذا الاختيار تخليا عن الجودة، بل توزيعا مختلفا لها. فقد اعتمدت بلجيكا على السرعة في الأطراف، والكرات الطويلة خلف الظهيرين، والتحرك المباشر نحو المنطقة، بدل الاستحواذ الطويل والبناء البطيء.
وكان الهدف واضحا، ويتمثل في استهداف الجهة اليمنى الأمريكية، حيث وجد أليكس فريمان نفسه مرارا أمام ضغط مزدوج ومساحات خلفه.
لم تحتج بلجيكا إلى وقت طويل لتثبت أن خطتها كانت دقيقة. فمنذ الدقائق الأولى، ظهرت المساحات بين الظهير الأمريكي وقلب الدفاع، وبدأت الكرات العرضية تخلق اضطرابا واضحا في منطقة الجزاء.
دي كيتيلاري يفتح المباراة مبكرا
جاء الهدف الأول في الدقيقة التاسعة، بعد هجمة بلجيكية بدأت بتمريرة طويلة إلى الجهة اليسرى، ثم تحولت إلى كرة داخل المنطقة استغلها دي كيتيلاري، بعدما اخترق المساحة بين أنطوني روبنسون وتيم ريام، ليضع الكرة في المرمى.
لم يكن الهدف مجرد تفوق بلجيكي في لقطة واحدة، بل كشف مبكرا هشاشة التمركز الأمريكي. فالدفاع كان متأخرا في قراءة مسار الكرة، والرقابة داخل المنطقة لم تكن حاسمة، فيما وجد دي كيتيلاري نفسه قادرا على الوصول إلى الكرة في مساحة كان يفترض أن تكون مغلقة.
ظهر الارتباك أيضا في رد فعل المنتخب الأمريكي. فبدل أن يعيد ترتيب صفوفه، ارتكب لاعبوه عددا من الأخطاء في التمرير، وفقدوا الكرة تحت الضغط، وكادوا يمنحون بلجيكا هدفا ثانيا قبل منتصف الشوط.
في الدقيقة 31، أعاد مالك تيلمان الولايات المتحدة إلى المباراة من ركلة حرة مباشرة، بعد مخالفة حصل عليها بالوغون على مشارف المنطقة.
اصطدمت الكرة برأس فاناكن وغيرت اتجاهها، فخدعت تيبو كورتوا وسكنت الشباك. وبذلك أصبح تيلمان ثاني لاعب في تاريخ كأس العالم يسجل هدفين من ركلتين حرتين مباشرتين في نسخة واحدة، بعد الفرنسي برنار جنغيني سنة 1982.
لكن لحظة العودة الأمريكية لم تدم سوى 61 ثانية. فما إن استؤنف اللعب حتى استعادت بلجيكا تقدمها، بعد كرة عرضية من لياندرو تروسار ارتقى لها دي كيتيلاري فوق تيم ريام، وسجل هدفه الشخصي الثاني في الدقيقة 33.
تختصر هذه الدقيقة وحدها جانبا كبيرا من المباراة. فالولايات المتحدة نجحت في العودة، لكنها لم تعرف كيف تحمي عودتها. وبدل أن تهدئ الإيقاع وتستعيد توازنها، استقبلت هدفا فوريا كشف ضعف التركيز بعد التسجيل.
كان استهداف الطرف الأيمن الأمريكي من أبرز مفاتيح الانتصار البلجيكي. فقد وجد تروسار ولوكيباكيو مساحات متكررة خلف فريمان، فيما عانى قلبا الدفاع من التعامل مع الكرات العرضية والتحركات المتأخرة داخل المنطقة.
جاء الهدفان الأول والثاني من بناء هجومي مر عبر الأطراف وانتهى داخل العمق. وهذا يدل على أن بلجيكا لم تبحث عن الاختراق المباشر بين قلبي الدفاع، بل عملت على سحب الخط الخلفي جانبيا، ثم ضرب المساحة بين الظهير وقلب الدفاع.
كما ساعد التحرك الذكي لدي كيتيلاري على خلق تفوق مستمر. لم يلعب كمهاجم ثابت ينتظر الكرة داخل المنطقة، بل تحرك بين الخطوط، وابتعد عن الرقابة، ثم دخل إلى منطقة الجزاء في التوقيت المناسب.
وبهذا الأسلوب سجل هدفين وصنع هدفا، ليكون اللاعب الأكثر تأثيرا في المباراة.
لماذا فشل الضغط الأمريكي أمام بلجيكا؟
دخل المنتخب الأمريكي البطولة وهو يعتمد على الضغط، والتمريرات القصيرة، وبناء مثلثات في الأطراف والوسط، غير أن هذا الأسلوب لم يعمل أمام بلجيكا بالكفاءة نفسها التي ظهر بها في المباريات السابقة.
نجحت بلجيكا في تجاوز الضغط عبر التمرير المباشر والكرات الطويلة، ولم تدخل في صراعات قصيرة داخل وسط الملعب إلا عند الضرورة. وحين اندفع لاعبو الولايات المتحدة إلى الأمام، ظهرت مساحات خلفهم، استغلها البلجيكيون بسرعة.
كما افتقد الوسط الأمريكي إلى الدقة تحت الضغط. خسر ويستون ماكيني كرات غير معتادة، وتعرض كريستيان بوليسيتش لفقدان الكرة في مناطق مؤثرة، فيما لم ينجح تايلر آدمز في فرض السيطرة المطلوبة على الإيقاع.
خطأ مات فريز يحسم المباراة لمصلحة بلجيكا
دخلت الولايات المتحدة الشوط الثاني وهي لا تزال داخل النتيجة، وحاول بوكيتينو تغيير شكل الفريق بإشراك جيو رينا بدلا من سيرجينو ديست، لكن المباراة حُسمت فعليا في الدقيقة 57.
خرج الحارس مات فريز من مرماه للتعامل مع كرة طويلة، وسيطر عليها بصدره، لكنه تردد في إبعادها، قبل أن ترتد من دي كيتيلاري إلى هانس فاناكن، الذي سدد من مسافة بعيدة في المرمى الخالي، مانحا بلجيكا الهدف الثالث.
كان الخطأ قاسيا، لأنه لم يأت نتيجة ضغط معقد أو تسديدة يصعب التعامل معها، بل من قرار متردد. خرج الحارس، ثم لم يحسم، وترك فريقه يدفع ثمن نصف خطوة ونصف قرار.
اعترف فريز بعد المباراة بأن الهدف الثالث جاء نتيجة خطأ في التقدير، لكن أثره تجاوز اللقطة نفسها. فقد أطفأ الهدف ما تبقى من أمل أمريكي، وحول المباراة من محاولة للعودة إلى إدارة بلجيكية هادئة للوقت والمساحات.
كيف أثرت إصابة بوليسيتش في هجوم الولايات المتحدة؟
ازدادت متاعب الولايات المتحدة بإصابة كريستيان بوليسيتش في كاحله خلال محاولة تسديد في الدقيقة 52، قبل أن يغادر الملعب بعد ذلك بسبع دقائق.
أنهى قائد المنتخب الأمريكي البطولة دون أن يسجل، رغم أنه ظل أحد أهم وجوه الفريق وصناع اللعب فيه.
لم يكن خروج بوليسيتش مجرد تبديل اضطراري. فقد المنتخب معه اللاعب الأكثر قدرة على حمل الكرة وكسر الخطوط وصناعة فرصة من لا شيء.
بعد مغادرته، أصبح اللعب الأمريكي أكثر مباشرة وأقل تنوعا، فيما تراجعت القدرة على الضغط في الثلث الأخير.
قال بوليسيتش بعد المباراة إنه لم يعش اللحظات التي كان ينتظرها، وإنه يشعر بخيبة شخصية لعدم قدرته على مساعدة الفريق على تجاوز هذه المرحلة.
وتعكس كلماته هذه ثقل الإقصاء على جيل كان يطمح إلى جعل مونديال الأرض نقطة تحول في تاريخ الكرة الأمريكية.
لوكاكو يغلق الباب لصالح بلجيكا
أشرك رودي غارسيا روميلو لوكاكو في الدقيقة 67، بعدما أصبحت بلجيكا متقدمة بفارق هدفين. لم يكن دخوله ضروريا لتغيير المباراة، لكنه منح الفريق قوة إضافية في التحولات والالتحامات.
وفي الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، استغل لوكاكو فقدانا جديدا للكرة من الدفاع الأمريكي، وسجل الهدف الرابع، رافعا رصيده الدولي إلى 93 هدفا.
كان الهدف الأخير قاسيا على أصحاب الأرض، لكنه لم يكن منفصلا عما سبقه. فقد جاء من الخطأ نفسه الذي تكرر طوال المباراة: تمريرة ضعيفة، وفقدان للكرة، ومساحة مفتوحة أمام مهاجم بلجيكي يعرف كيف ينهي الهجمة.
ماذا يعني انتصار بلجيكا قبل مواجهة إسبانيا؟
ستواجه بلجيكا منتخب إسبانيا في ربع النهائي، بعدما تغلب الأخير على البرتغال بهدف دون رد. وتبدو المواجهة المقبلة أكثر تعقيدا من مباراة الولايات المتحدة، لأن إسبانيا تملك قدرة أعلى على الاحتفاظ بالكرة والضغط واسترجاعها، كما تقل لديها الهفوات الدفاعية التي استفادت منها بلجيكا في سياتل.
لكن الفوز يمنح “الشياطين الحمر” ثقة كبيرة. لقد سجلوا أربعة أهداف دون البدء بدي بروين ودوكو ولوكاكو، وأظهروا أن دكة البدلاء والخيارات التكتيكية قادرة على تغيير شكل الفريق.
سيحتاج المنتخب البلجيكي أمام إسبانيا إلى صبر أكبر، ودقة أعلى في الخروج بالكرة، وقدرة على الدفاع لفترات طويلة. لكنه يدخل ربع النهائي وهو يعرف أن لديه أكثر من طريقة للفوز: بالاستحواذ، أو بالتحولات، أو باستغلال أخطاء الخصم.