بعد عام على الواقعة.. عريضة تطالب بكشف الحقيقة في وفاة سيون أسيدون
تعود قضية وفاة المناضل سيون أسيدون إلى الواجهة من جديد، مع إطلاق عريضة حقوقية تطالب بكشف الحقيقة كاملة حول ظروف وملابسات واقعة وفاته التي بدأت يوم 11 غشت 2025، حين عُثر عليه مغمى عليه داخل منزله مصاباً بإصابات خطيرة على مستوى الرأس، قبل أن يفارق الحياة في 7 نونبر من العام نفسه متأثراً بمضاعفات تلك الإصابات.
ويطالب الموقعون على العريضة، التي اطّلعت عليها صحيفة “صوت المغرب”، بكشف مآل التحقيق وتمكين الفريق القانوني المتتبع للملف من الاطلاع على الوثائق والخبرات المنجزة، معتبرين أن الوصول إلى الحقيقة الكاملة يقتضي توضيح مختلف الملابسات المرتبطة بالواقعة، بعيداً عن الاكتفاء بترجيح فرضية دون الكشف عن المعطيات التي استندت إليه.
وتقول حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها “بي دي إس المغرب”، القائمة على العريضة، إن البلاغات الصادرة عن النيابة العامة بشأن القضية لم تبدد، في نظرها، جميع علامات الاستفهام المحيطة بالواقعة، خصوصاً ما يتعلق بالأساس الذي بُني عليه ترجيح فرضية سقوط الراحل من السلم، وبالمعطيات التقنية والطبية التي استند إليها هذا الترجيح.
أسئلة عالقة
وتؤكد العريضة على أن البلاغ الأول للنيابة العامة كان قد أشار إلى أن الأبحاث “لا تزال جارية في هذه القضية”، وأنه سيتم ترتيب الآثار القانونية المناسبة فور انتهائها، قبل أن يخلص البلاغ الثاني إلى أن الوفاة نتجت عن مضاعفات إصابة على مستوى الرأس، مع ترجيح فرضية السقوط من السلم.
غير أن الموقعين يعتبرون أن ترجيح هذه الفرضية يحتاج إلى كشف المعطيات العلمية والتقنية التي استند إليها، معتبرين أن البحث القضائي يفترض أن ينتهي إلى نتائج واضحة ومعللة تستند إلى الأدلة والخبرات المنجزة.
وفي هذا الصدد، قالت سعدية الولوس، الناشطة في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها “BDS”، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن أهمية العريضة ترتبط أيضاً بالسياق الزمني لإطلاقها، باعتبار أن 11 غشت “يكتسي أهمية رمزية بالغة بالنسبة لنا، لأنه التاريخ الذي عُثر فيه على أسيدون مغمى عليه داخل منزله”.
وأضافت أن المتابعين للقضية لم يتمكنوا، منذ البداية، من الاطلاع على الملف الطبي للراحل بسبب عدم توفرهم على الصفة العائلية، قبل أن يتم، بعد وفاته، تأسيس لجنة لتقصي الحقائق والوقوف على ملابسات السقوط وما جرى له.
وبحسب الولوس، فإن اللجنة “لم تتمكن من الحصول على المعطيات والملفات التي كانت تسعى إليها”، معتبرة أن القضية “أحاط بها التعتيم”.
وتقول الناشطة إن جوهر اعتراض الموقعين على العريضة يرتبط بعدم كفاية المعطيات المعلنة لتحديد كيفية وقوع الحادثة، مشيرة إلى أنه “لا نعرف حتى الآن كيف سقط، وما هي تفاصيل السقوط، وأين هي مخرجات تسجيلات كاميرات المراقبة، وماذا أفاد الجيران في شهاداتهم”.
وتؤكد أن الهدف من العريضة هو المطالبة بـ”فتح تحقيق حقيقي وجدي للكشف عن الملابسات الدقيقة وتفاصيل تسجيلات الكاميرات وكل ما يتعلق بالملف”، معتبرة أن البحث الذي أنجز والرد الذي تلقاه المتابعون “لم يكن مقنعاً بالنسبة إليهم”.
وتتضمن العريضة نفسها مجموعة من الأسئلة التفصيلية التي تقول الجهات الموقعة إنها تحتاج إلى إجابات، من بينها الأسس العلمية التي بُني عليها ترجيح فرضية السقوط، ومدى انسجام العلو ومكان السقوط المفترض مع الإصابات التي سجلها تقرير الطب الشرعي.
كما تسأل عن كاميرات المراقبة الموجودة في محيط منزل الراحل، وما إذا كانت جميع التسجيلات قد حُصرت وتم فحصها، وعن سبب الإشارة إلى كاميرا واحدة فقط في البلاغ، وما أظهرته التسجيلات الأخرى، إن وجدت.
وتطرح العريضة كذلك سؤالاً حول شهادة عامل قال، بحسب نصها، إنه شاهد صباح 10 غشت السلم فوق قصاصات الأعشاب، دون أن يلاحظ وجود الراحل أو مؤشرات على وقوع حادث، فضلاً عن التساؤل حول ما إذا كانت مصالح البحث قد عاينت آثار دماء في مكان السقوط المفترض أو في الحديقة أو داخل المنزل أو على الأريكة التي عُثر عليها فيها سيدون.
كما تطالب بالكشف عن نتائج الخبرات التقنية والجنائية التي يمكن أن توضح كيفية انتقال الراحل من مكان السقوط المفترض إلى داخل المنزل، فضلاً عن إخضاع مختلف المداخل والمنافذ المحتملة المؤدية إلى المنزل ومحيطه للمعاينة والخبرة التقنية.
“لا يمكن القبول بطي الملف”
وتعتبر الولوس أن العريضة لا تمثل موقف حركة “بي دي إس” (BDS) وحدها، وإنما تسعى إلى إظهار اتساع دائرة المتسائلين حول القضية.
وقالت إن إطلاق العريضة يهدف إلى توضيح أن “هناك العديد من المواطنين في المغرب وخارجه يتشاركون التساؤلات وعلامات الاستفهام نفسها”، مضيفة أن عدداً من الفاعلين من داخل المغرب وخارجه انضموا إلى المبادرة.
وشددت على أنه “لا يمكن القبول بطي الملف ودفن القضية بمجرد دفن الجثمان دون معرفة الحقيقة”.
وتطالب العريضة، في هذا السياق، بتمكين الفريق القانوني المتتبع للملف من معرفة مآل التحقيق، وما إذا كان قد تم حفظه أو اتخاذ قرار آخر بشأنه، فضلاً عن تمكينه، في حال حفظ الملف، من الاطلاع على ملف التحقيق كاملاً.
كما تطالب بنشر التقرير الكامل للخبرة الطبية الشرعية، أو تمكين الفريق القانوني منه، إلى جانب نشر خلاصات الخبرات التقنية والجنائية التي استند إليها ترجيح فرضية السقوط.
احتجاج أمام النيابة العامة
وبالتوازي مع العريضة، يعتزم نشطاء وأصدقاء للراحل المشاركة في وقفة احتجاجية أمام رئاسة النيابة العامة، دعت إليها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، في خطوة تقول الولوس إنها ذات طابع رمزي.
وأوضحت أن المشاركين فيها “لن يتوجهوا إلى هناك لتوجيه اتهامات مباشرة لأي جهة”، وإنما “لنطرح أسئلة ونضع علامة استفهام كبرى حول مصير الملف وأسباب إغلاقه”، مضيفة: “نحن نطرح الأسئلة وننتظر أجوبة شافية”.
وبررت اختيار رئاسة النيابة العامة باعتبارها الجهة التي أصدرت البلاغ الأخير بشأن القضية، معتبرة أنها الجهة التي يُوجه إليها مطلب إعادة فتح الملف.
دعم واسع للعريضة
وحسب الولوس، فقد حظيت العريضة بتوقيع عدد من الهيئات والتنظيمات والشخصيات، من بينها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، والمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، ومجموعة “مغربيات ضد التطبيع”.
كما أشارت إلى انضمام جهات وشخصيات من خارج المغرب، من بينها مبادرة “أوروبا فلسطين” (Europalestine)، فضلاً عن الكاتب والصحافي البلجيكي ميشيل كولون، والكاتب والمناضل يوسف بوعمامة، وذلك بهدف دعم المبادرة، وتوسيع دائرة المطالبة بكشف الحقيقة حول وفاة أسيدون.
ويحتل سيون أسيدون موقعاً بارزاً في تاريخ اليسار المغربي والحركة المناهضة للتطبيع، كما ارتبط اسمه بحركة “BDS” والجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، إلى جانب نشاطه في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
وتقول العريضة إن المكانة النضالية للراحل تجعل كشف حقيقة ما تعرض له مسألة تحظى بأهمية خاصة لدى الموقعين عليها، غير أنها تؤكد في جوهرها أن المطالبة لا تقوم على اتهام جهة بعينها، وإنما على الحق في معرفة الحقيقة الكاملة حول ظروف وملابسات الواقعة، ومآل التحقيق، والأسس التي بنيت عليها النتائج المعلنة.
ودعت السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع إلى وقفة احتجاجية أمام مقر رئاسة النيابة العامة بالرباط، يوم الثلاثاء 11 غشت 2026، على الساعة الحادية عشرة صباحاً، للمطالبة بالكشف الكامل عن الحقيقة في ملف وفاة سيون أسيدون، والإعلان عن نتائج الأبحاث والإجراءات المتخذة بشأن القضية.
وقالت الجبهة، في بلاغ توصلت صحيفة “صوت المغرب” بنسخة منه، إن الذكرى الأولى للواقعة تحل في ظل “استمرار الغموض بشأن ملابساتها”، معتبرة أن “الأسئلة الجوهرية المرتبطة بملابساته وظروفه لا تزال دون أجوبة مقنعة”، وأن عدم الكشف عن الحقيقة كاملة يجعل مطلبها “أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى”.
وأكدت الجبهة على أن الوقفة تهدف أيضاً إلى المطالبة بـ”ترتيب المسؤوليات وفقاً لما يقتضيه القانون والعدالة٠، داعية مكونات الجبهة والهيئات الحقوقية والسياسية والنقابية والمدنية إلى المشاركة فيها.
وشددت الجبهة على أن الحق في معرفة الحقيقة “ليس مطلباً خاصاً بعائلة الفقيد أو رفاقه، بل هو حق مجتمعي أصيل”، معتبرة أن استمرار التأخير في كشف ملابسات القضية وإنصاف الضحية “لا يخدم دولة الحق والقانون”.
وتنهي الجبهة بلاغها بالتأكيد على أن “الحقيقة حق لا يسقط بالتقادم، والعدالة مسؤولية”، وأن كشف الحقيقة “يظل السبيل إلى إنصاف الضحية وصون كرامة الوطن والمواطن”.