بعد المصادقة عليه.. هل يصل قانون مجلس الصحافة إلى المحكمة الدستورية؟
يثير القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي صادق عليه مجلس المستشارين الأسبوع الماضي، نقاشًا قانونيًا ودستوريًا واسعًا، في ظل تساؤلات حول إمكانية إخضاعه لمراقبة المحكمة الدستورية.
وفي هذا السياق، تعالت مطالب من فاعلين مهنيين وصحافيين بإحالة القانون 25-26 على المحكمة الدستورية، باعتبارها الجهة المخوّلة لضبط أي اختلالات محتملة وضمان احترام المبادئ الدستورية المرتبطة بحرية الصحافة واستقلالية المهنة.
غير أن هذه المطالب تفتح، في المقابل، نقاشًا أعمق حول مدى إمكانية التعويل فعليًا على المحكمة الدستورية في مثل هذه الحالات.
وفي شرحه للوضع المتعلق بالقانون المذكور، ينطلق أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، محمد باسك منار، من كونه أنه “ليس كل قانون يُحال على المحكمة الدستورية”، مميّزًا بين القوانين التنظيمية التي تخضع وجوبًا لرقابة دستورية قبلية، والقوانين العادية التي لا تُعرض على المحكمة إلا بطلب من الجهات المخوّل لها دستوريًا.
ويقول منار، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” إن القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة “ليس قانونًا تنظيميًا، بل قانون عادي”، وبالتالي “لا يُحال تلقائيًا على المحكمة الدستورية، ولا يمكن للمحكمة أن تنظر فيه إلا إذا قُدِّم طلب بذلك من رئيس الحكومة، أو من مجلس النواب أو مجلس المستشارين”.
وهذا الشرط يجعل إحالة مثل هذه القوانين “أمرًا غير مرجّح في الغالب”، إما بسبب اعتبارات سياسية مرتبطة بالأغلبية الحكومية والبرلمانية، أو لغياب النصاب العددي لذلك، والذي لا يتحقق إلا في حال تحالف جميع مكونات المعارضة داخل إحدى الغرفتين.
وفي قراءة أوسع للسياق، يحذّر أستاذ القانون الدستوري مما يصفه بـ”مرحلة خطيرة” مما يسميه “التغوّل التشريعي”، تستغل الحكومة، حسب قوله، الأغلبية العددية التي تتوفر عليها داخل البرلمان لتمرير قوانين “رغم ما يثار حولها من إشكالات وانتقادات واسعة من طرف الرأي العام”.
ويعتبر أن المشكلة لا تكمن فقط في تمرير هذه القوانين، بل في كون أغلبها “لا يُحال على المحكمة الدستورية، لأنها قوانين عادية، وعلاوة على ذلك لا يتم تفعيل آلية الإحالة إلا نادرًا”.
ويستحضر باسك منار في هذا الإطار بعض السوابق، من بينها القانون المتعلق بالمسطرة المدنية، الذي تمت إحالته على المحكمة الدستورية “دون تحديد دقيق للمقتضيات المطعون فيها”، مبرزًا أن المحكمة “اختارت قبول النظر في الموضوع، رغم أنها كانت تستطيع قانونًا رفضه”، غير أن قرارها، حسب تعبيره، “جاء محتشمًا ولم يذهب بعيدًا”.
كما توقف عند قرارات حديثة للمحكمة الدستورية بخصوص القوانين التنظيمية، من بينها القانون التنظيمي لمجلس النواب والقانون التنظيمي للأحزاب السياسية، والتي “رغم ما أثير حولها من ملاحظات ونقاشات بخصوص عدة مواد، لم تُصرّح المحكمة بعدم دستورية أي مادة منها”.
ويرى الأستاذ الجامعي أن الإشكال لا يقتصر على الأغلبية البرلمانية، بل يمتد إلى طريقة اشتغال المحكمة الدستورية نفسها، التي أصبحت، حسب قوله، “تعتمد بشكل متزايد على مبرر السلطة التقديرية للمشرّع”.
ويشدّد منار على أن هذه السلطة “ليست مطلقة”، بل يجب أن تُمارس في إطار مبادئ دستورية واضحة، من بينها “التناسب، والانسجام، وحماية الحقوق والحريات الأساسية”، محذرًا من أن التوسّع في هذا التبرير قد يُفرغ الرقابة الدستورية من مضمونها.
ويضع المتحدث قانون المجلس الوطني للصحافة ضمن مسار تشريعي أوسع، يشمل قوانين أثارت جدلًا كبيرًا، مثل قانون تنظيم الإضراب، وقانون المسطرة الجنائية، وقانون المسطرة المدنية، مع ترقّب الجدل نفسه بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة.
وعلاقة بذلك، صادق مجلس المستشارين، يوم الأربعاء 24 دجنبر 2025، على مشروع القانون رقم 25.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بعد انسحاب مكونات المعارضة، احتجاجًا على مضامين المشروع ورفض الحكومة لمختلف التعديلات التي تقدمت بها، وذلك خلال جلسة تشريعية عامة.
وتم التصويت على المشروع بإجماع أعضاء الأغلبية بمجلس المستشارين، في جلسة عرفت انسحابًا جماعيًا لفرق المعارضة. وفي أعقاب ذلك، دعا برلمانيون وصحافيون إلى إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية.
وعبّرت هيئات مهنية وحقوقية في مجال الإعلام عن رفضها الشديد للمسار التشريعي الذي رافق دراسة والمصادقة على مشروع القانون رقم 25.26، معتبرة أن ما جرى يشكل “مهزلة تشريعية” ومنافياً لمضامين الدستور المغربي.
من جهتها، تستعد مكونات المعارضة بمجلس النواب للتنسيق فيما بينها من أجل الطعن في مشروع القانون رقم 25.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، عبر اللجوء إلى المحكمة الدستورية.
وفي هذا الصدد، علمت صحيفة “صوت المغرب” من مصادر مطلعة، يوم الثلاثاء 30 دجنبر 2025، أن كلاً من الفريق الحركي، وفريق التقدم والاشتراكية، والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية شرعت في التنسيق فيما بينها من أجل تقديم طلب إحالة المشروع المذكور على المحكمة الدستورية، غير أن عدد نواب هذه المكونات مجتمعة لا يكفي حاليًا لبلوغ النصاب المطلوب لتفعيل آلية الإحالة.
وأوضحت المصادر ذاتها أن هذا التنسيق يضم، إلى حدود الساعة، الفريق الحركي، وفريق التقدم والاشتراكية، والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، في انتظار رد الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، من أجل استكمال النصاب القانوني اللازم لإحالة المشروع على المحكمة الدستورية، والمحدد في خمس أعضاء مجلس النواب أي 79 نائبًا برلمانيًا.