بريطانيا تدخل من باب الصحراء
الزيارة الرسمية التي قام بها وفد بريطاني كبير إلى المغرب هذا الأسبوع، ليست مجرد حلقة جديدة في قائمة المنتديات الدبلوماسية؛ بل هي ثمرة لنوع من الاشتغال الذي ينضج ببطء (يطبخ على مهل) في الخلفية، حيث تتقاطع المصالح الكبرى مع الخرائط القديمة، وحيث بدا أن المغرب تعلّم منذ سنوات، أن يعيد ترتيب علاقاته الخارجية انطلاقا من مبدأ النظارات التي تحدث عنها الملك في خطاب رسمي، أي الموقف من نزاع الصحراء.
حين اختارت لندن أن تقترب أكثر من الرباط، لم تفعل ذلك بالطريقة نفسها التي فعلتها واشنطن، ولا بالطريقة نفسها التي فعلتها مدريد أو باريس أو برلين. المسار البريطاني كان له إيقاعه الخاص. صحيح أنه يتحرك في المجال الأطلسي نفسه، ويصعب فصله كليا عن المزاج الأمريكي العام، لكنه لم يكن نسخة من الاعتراف الأمريكي، ولا مجرد التحاق فاعل أوروبي متأخر بالموقف المساند للسيادة المغربية.
لقد جاءت بريطانيا إلى دائرة العلاقات الجديدة مع المغرب من زاوية لها عناوين خاصة، منها التجارة، والطاقة، والخدمات، والتمويل، والبنية التحتية، ووضعها الجديد خارج الاتحاد الأوروبي، حيث صارت قادرة على أن تنظر إلى المغرب بعيدا عن إكراهات البيروقراطية الأوربية وتأثير الإكراهات القانونية والسياسية لبروكسيل.
لهذا تبدو زيارة الوفد البريطاني هذا الأسبوع، والمنتدى الاقتصادي الذي رافقها، أكثر من مجرّد مناسبة تقنية للاستعداد لمونديال 2030 كما يمكن أن يبدو من خطاب المشاركين في اللقاء. عندما يتحدث وزير بريطاني عن الانتقال من النقاشات إلى العمل، ويأتي رجال أعمال وشركات تبحث في النقل، والأمن، والبنيات، والخدمات، ويعلن مبعوث تجاري رغبة في مضاعفة المبادلات خلال خمس سنوات، فنحن أمام صياغة محور جديد في علاقات المغرب الخارجية.
منذ القرن التاسع عشر، كان المغرب بالنسبة إلى بريطانيا أكثر من جار بعيد على تخوم المتوسط. شكّل بالنسبة إليها سوقا، وممرا، ونقطة توازن، ونافذة على إفريقيا، ومجالا لحماية طرق التجارة ومراقبة التحولات في غرب المتوسط. وما كان يمثله جون دراموند هاي في زمن السلطان عبد الرحمن وما بعده، من حضور تجاري وسياسي بريطاني حذر ومؤثر، لا يعود اليوم بالصورة نفسها طبعا، لكنه ترك خلفه معنى قديما يتجدد مع الزمن. لندن تنظر إلى المغرب بعين البحر والتجارة والتوازن.
ولعل المغرب يفهم هذا جيدا. لذلك لم يتعامل مع بريطانيا كما تعامل مع الآخرين. مع بروكسيل، كان على الرباط أن تخوض معركة قانونية وسياسية طويلة حول اتفاقيات الفلاحة والصيد، وحول السؤال المفتعل عن منتجات الأقاليم الجنوبية. أما مع لندن ما بعد “بريكست”، فقد صار ممكنا بناء إطار ثنائي أقل ارتباكا، وأكثر قابلية للتحويل إلى تعاقد.
فبريطانيا، الخارجة من “الجماعة” الأوروبية، تبحث عن معنى جديد لقوتها التجارية، والمغرب، الخارج تدريجيا من موقع البلد الذي ينتظر اعتراف الآخرين، يبحث عن شركاء يفهمون أن الصحراء ليست هامشا في سياسته الخارجية، بل هي مركزها وامتحانها.
طيلة فترة التفاوض الحديث، لم يكن المغرب يطلب من بريطانيا مجاملة، وهذه الأخيرة لم تقرر أن تمنحه هدية. بل كانت هناك لحظة دولية تتبدل فيها الأحوال. وكانت أوروبا تعيد حساب أمنها الطاقي، وإفريقيا تتحول إلى ساحة تنافس صريح، والمتوسط لم يعد بحيرة أوروبية هادئة، والأطلسي صار جزءا من تفكير مغربي جديد يمتد من طنجة إلى الداخلة.
داخل هذه الخريطة، يملك المغرب موقعا جغرافيا حيويا، واستقرارا، وقضية وطنية تعلّم الجميع أنه لم يعد يقبل مواقف رمادية تجاهها.
هكذا نفهم معنى أن يصبح المغرب جزءا من أمن الطاقة البريطاني والأوروبي، وأن تتحول الصحراء والمناطق الجنوبية إلى فضاء إنتاج وربط وتصدير، وأن تتصل الشمس والريح والبنية التحتية بالقرار السياسي. قد يتوقف مشروع، وقد يتغير مسار تمويل، وقد تعيد حكومة بريطانية ترتيب أولوياتها الداخلية، لكن الاتجاه العام يبقى واضحا. المغرب لم يعد بلدا يصدر الفلاحة والسياح واليد العاملة فقط، بل صار يعرض على شركائه حضورا مؤثرا في جغرافيا الطاقة الجديدة.
مونديال 2030 ليس بعيدا عن هذا كله. وكما قالوا خلال مشاركتهم في منتدى هذا الأسبوع، فإن البريطانيين لا يرون في هذا الحدث الرياضي العالمي مجرد ملاعب ستبنى ومباريات ستلعب، بل يرون سوقا ضخمة للخدمات، والأمن، والنقل، والتجهيز، والتدبير الحضري، والخبرة التقنية.
المغرب بدوره لا يرى في ضيوفه مجرّد حاملين لطموحات بالاستفادة من الصفقات العمومية، بل يرى فرصة لربط حاجته إلى الإنجاز السريع، بحاجته الأكبر إلى تثبيت صورة البلد القادر على تنظيم حدث عالمي، في امتداد ترابي صار العالم مدعوا إلى التعامل معه كما هو.
الأهم في كل ذلك أن المغرب لم يعد يتوسّل موقعه. لقد ظل يشرح للآخرين أنه بوابة إفريقيا، وأنه شريك مستقر، وأنه صلة وصل بين الشمال والجنوب. واليوم صار الآخرون يقولون ذلك نيابة عنه، لأن الوقائع صارت أقوى من المجاملات.
حين تقول بريطانيا إن المغرب بوابة نحو إفريقيا وأوروبا، فهي لا تقترف شعرا جغرافيا جديدا، بل تقرأ مصلحتها. وحين تقرأ لندن مصلحتها في الرباط، فهذا يعني أن المغرب نجح في نقل قضيته من خانة النزاع الذي يستدعي الحذر إلى خانة الشراكة التي تتطلّب الوضوح.
قد لا تكون العلاقة مع بريطانيا صاخبة كما كانت لحظة واشنطن، ولا عاطفية كما كان انتظار باريس، ولا درامية كما كان التحول الإسباني. لكنها، في هدوئها، ربّما شهدت أكثر التحولات دلالة. بريطانيا لا تأتي إلى الموائد عادة كي تصفق، بل كي تحسب. وإذا انتهى الحساب البريطاني إلى أن المغرب شريك تجاري وطاقي وأطلسي وإفريقي، وأن الصحراء جزء من هذا الحساب لا استثناء منه، فذلك مكسب لا يقل أهمية عن العناوين الدبلوماسية الكبرى.
ما يجري اليوم بين الرباط ولندن اختبار لقاعدة مغربية جديدة: من يريد بناء المستقبل معنا، عليه أن يرى خريطتنا كاملة. ومن يريد أن يربح من المغرب، عليه أن يفهم أنه لم يعد يقبل أن يكون نصف شريك ونصف قضية.
هذه هي الرسالة التي تجلس اليوم في صدر القاعات الدبلوماسية، مع كل شركة جاءت تبحث عن صفقة، وكل مسؤول جاء يفتح بابا، وكل دبلوماسي يعرف أن الصحراء، في السياسة المغربية الجديدة، ليست فقرة في البيان، بل هي البيان نفسه.