المحامون يُصعدون ضد الحكومة.. توقف شامل لِـ 6 أيام وتحذير من تقويض رسالة الدفاع
يتواصل مسلسل التصعيد بين المحامين والحكومة، بعد إعلان جمعية هيئات المحامين بالمغرب التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية لمدة ستة أيام، في خطوة تعكس الاحتقان المتصاعد بين “أصحاب البذلة السوداء” ووزارة العدل، احتجاجا على الصيغة النهائية لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.
وكانت الجمعية قد عبّرت، في وقت سابق، عن رفضها الكامل لمضامين المشروع، معتبرة أنه يخل بالالتزامات المتوافق بشأنها، ويمس بشكل مباشر باستقلالية المهنة وحصانتها، ويضرب الأسس الدستورية التي تقوم عليها رسالة الدفاع داخل منظومة العدالة.
وفي هذا السياق، يرى المحامي بهيئة الرباط وعضو جمعية هيئات المحامين بالمغرب عمر محمود بنجلون، أن خيار التصعيد لم يكن وليد لحظة، و إنما نتيجة مسار طويل من التجاهل، مشددا على أن اختيار المحاماة، بالنسبة لغالبية المحامين، كان من أجل الاستقلالية والحصانة، وهما جوهر المهنة ورسالتها.
وأوضح بنجلون في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن عددا من المحامين قدموا من القضاء والجامعة والوظيفة العمومية، بل ومن مناصب دبلوماسية ووزارية، تخليا عن مواقع مريحة مقابل الدفاع عن استقلالية المهنة، مبرزا أن تحمل المسؤولية المهنية داخل الهيئات هو عمل تطوعي يفرض الدفاع التلقائي عن مهنة الدفاع، لا القبول بمشاريع تشريعية “تضرب المبادئ الدستورية ومبدأ فصل السلط”.
وأضاف المتحدث أن مشروع القانون، بصيغته الحالية، يسعى إلى تحويل المحاماة من سلطة تأثيرية مستقلة إلى وظيفة تابعة، وهو ما يجعلها، حسب تعبيره، “وظيفة سلعاتية” خاضعة لوصاية الحكومة والسلطة القضائية، وهو أمر يرفضه المحامون بشكل قاطع.
وبخصوص التلويح بخيار الاستقالة الجماعية، أكد بنجلون أن هذا الخيار يخالج المسؤولين المهنيين وعددا واسعا من المحامين، خاصة أولئك الذين يرفضون أن يتحولوا إلى موظفين أو مستشارين تحت الوصاية، معتبرا أن المسألة لم تعد تقنية، و إنما مرتبطة بجوهر النظام الدستوري والحقوقي.
وفي قراءة لأفق هذا التصعيد، حمّل المتحدث الحكومة مسؤولية ما وصفه بـ”أزمة مجانية”، مؤكدا أن المغرب والمغاربة ليسوا في حاجة إلى مراجعة تشريعية من هذا النوع، في ظل ما سماه “إسهالا تشريعيا غير مفهوم” يسعى إلى تقزيم رسالة الدفاع والنيل من مكتسبات ديمقراطية راكمها المغاربة.
أما بخصوص انعكاسات التوقف الشامل عن العمل، فقد أثار بنجلون تساؤلات جدية حول حقوق المتقاضين وسير العدالة، معتبرا أن السؤال الحقيقي “يجب أن يوجه إلى الحكومة التي تفتعل هذه الأزمات”، في ضرب صريح للمصلحة العامة والشعبية، بدل الانخراط في حوار حقيقي يحفظ التوازن داخل منظومة العدالة.
ويأتي هذا الموقف في سياق تصعيد مهني منظم تقوده جمعية هيئات المحامين بالمغرب، إذ أعلن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن برنامج نضالي تصاعدي، يتضمن التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية خلال ستة أيام موزعة على شهر يناير الجاري، احتجاجا على مصادقة المجلس الحكومي، الأسبوع المنصرم، على مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة بصيغة اعتبرتها الجمعية غير توافقية.
ودعا البلاغ الصادر عن المكتب، بتاريخ 9 يناير 2026، جميع المحامين إلى التوقف الشامل عن العمل يومي الخميس والجمعة 15 و16 يناير، ثم يومي الثلاثاء والأربعاء 20 و21 يناير، قبل استئناف التوقف يومي الأربعاء والخميس 28 و29 يناير 2026.
كما أعلن مكتب الجمعية عن تنظيم ندوة وطنية حول قانون المهنة يوم 15 يناير 2026 بمدينة الرباط، إلى جانب الإعداد لوقفة وطنية سيعلن عن تاريخها ومكانها لاحقا، مع دعوة المحامين إلى الاستعداد من الآن لتوقف شامل ومستمر عن أداء الخدمات المهنية، وفقا لقرارات الجمعية المستقبلية.
ويأتي هذا البرنامج النضالي، حسب البلاغ ذاته، عقب اجتماع مفتوح عقده مكتب الجمعية بمقره بالرباط، خصص لمناقشة قرار الحكومة المصادقة على مشروع قانون المهنة، وما اعتبرته الجمعية “سياسة فرض الأمر الواقع”، والتفافا من الوزارة المكلفة بالعدل على النهج التشاركي الذي سبق الاتفاق عليه بعد وساطة برلمانية.
و كان المجلس الحكومي قد صادق، خلال اجتماعه المنعقد يوم الخميس 8 يناير 2026، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وهو النص الذي يثير جدلا واسعا ورفضا قاطعا من لدن جمعية هيئات المحامين بالمغرب.
وبموجب هذه المصادقة، سيحال مشروع القانون على المؤسسة التشريعية لبدء مسطرة المناقشة والتصويت، تمهيدا لاعتماده بشكل نهائي،.
وقد أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، خلال الندوة الصحافية التي أعقبت اجتماع المجلس الحكومي، أن المصادقة تمت مع “أخذ مجموعة من الملاحظات بعين الاعتبار”، مشيرا إلى أن النص لا يزال في بداية مساره التشريعي.
وفي محاولة لامتصاص احتجاج أصحاب “البذلة السوداء”، أكد بايتاس أن الحكومة ستبقي باب الحوار مفتوحا مع المهنيين إلى غاية استكمال المسطرة التشريعية، وهو ما تقابله الهيئات المهنية بتشكيك، معتبرة أن الصيغة المصادق عليها تمثل تراجعا عن المنهج التشاركي الذي تم الاتفاق عليه سابقا.
وتزامنت هذه التطورات مع شلل شبه تام شهدته محاكم المملكة، نتيجة التوقف الشامل عن العمل الذي خاضه المحامون آنذاك يومي الخميس 8 والجمعة 9 يناير الماضي، والذي شمل الامتناع الكلي عن تقديم مختلف الخدمات القانونية والقضائية، في خطوة تعكس حجم الاحتقان القائم بين المحامين ووزارة العدل.