الفوز الممكن قبل الصافرة
بعدما دخلنا المنافسة بغير قليل من الشك والمخاوف قبل شهر تقريبا، ها هو ذا موعد نهاية كأس إفريقيا للأمم ينتظرنا بعد نصف قرن من المحاولات، وخيبات متتالية من المشاركات الفاشلة واحتضان بطعم الخروج المرّ عام 1988.
ما سيجري مساء هذا الأحد 18 يناير 2026، أكثر من مجرّر لقاء رياضي، بل موعد يمشي نحونا ببطء مهيب، كأنه يحمل المغرب كلَّه على كتفيه، ويطلب منه أن يقف دقيقة أمام مرآته الكبرى ويتساءل: ماذا تريد أن تكون يا بلدا تعب من الانتظار؟
في الرباط، حيث يلمع ملعب الأمير مولاي عبد الله مثل قلب مضاء وسط الليل، وتتدرّب الأعصاب على الصبر كما تتدرّب الأقدام على الركض، سنلعب ضد السنغال، أي أمام منتخب شعب يشبهنا في العناد الجميل وفي الإيمان بأن الفرح لا يأتي مجانا، بل لابدّ له من عناء واجتهاد.
ولأننا نلعبه هنا، على أرضنا، فإن المعنى يتضاعف. اللعب في الديار ليس امتيازا فقط، بل امتحانٌ إضافي، لأنك تُنافس وأنت محاطٌ بعين أم تدعو، وبصوت طفل يصدّقك أكثر مما تصدّق نفسك، وبنبض بلاد كاملة تريد أن تتأكد أن أحلامها ليست خدعة متقنة.
لكن هناك أشياء لا تقلّ أهمية تجري خارج الملعب وخارج زمن المباريات. هناك هذا المغرب الذي يبدو كأنه يتدرّب على أن يكون وطنا واحدا، لا جزرا متباعدة. الشارع والبيت والمقهى والقرية والمدينة، كلّها تُعيد اكتشاف لغتها الموحّدة الجامعة.
بمجرّد إزاحة ثقل مباراة وتوجهنا نحو أخرى، يصبح اختلافنا حول أولويات التنمية واختيارات السياسة وراهنات الاقتصاد، زينة لا لعنة، ويصير الهتاف مساحة يتساوى فيها الجميع: من يرتدي بدلة أنيقة، ومن يحمل خبز يومه في جيبه، ومن يتابع المباراة في مقهى شعبي، ومن يتفرّج عبر حساب اشتراك تلفزيوني مقرصن في صالون متواضع…
الغريب أن هذه اللعبة البسيطة، التي تبدأ بصفّارة وتنتهي بأخرى، قادرةٌ على أن تخلق ما يشبه “عقدا اجتماعيا” مؤقتا بين الدولة والمجتمع.
الدولة تُوفّر الصورة والملعب والتنظيم، والمجتمع يُقدّم الروح والحنجرة والدمعة. وفي المنتصف يولد معنى أكبر من النتيجة، عنوانه لحظات يمكن فيها للناس أن يلتقوا على فكرة مشتركة دون أن يجرحوا بعضهم، وأن يصفّقوا للشيء نفسه دون أن يتنازعوا حول تفاصيله.
كأن الوطن يتذكّر فجأة أنه ليس فقط مؤسسات وإجراءات ومواعيد، بل إحساسٌ عام بالانتماء، قابلٌ لأن يكبر إذا سقيناه بما يكفي من الثقة.
وحين نقترب من لحظة الحسم، تطفو صورة العائلة المغربية كظل دافئ على كل شيء. الأمهات اللواتي يخبئن خوفهنّ في الدعاء، والآباء الذين يبتسمون قليلا ليطمئنّوا البيت، والأطفال الذين يرسمون علما على وجوههم ثم ينامون وهم يتهجّون أسماء اللاعبين مثل أسماء أبطال من الحكايات.
قبل أن يحلّ بنا موعد الأحد، لنطلق العنان لذاكرتنا الجماعية لتسترجع تلك الليلة التي فتحت لنا باب النهائي. حين خرج من بيننا ياسين بونو أمام نيجيريا، منتقلا من معنى الحراسة بوصفها “عسّة” كما قال للصحافة، إلى معنى الحراسة الوجدانية. أي حارس الرجاء، الذي يصغي لنبض الجمهور أكثر مما يصغي لضجيج الخصم، ثم يمدّ يديه كمن يلتقط السقوط قبل أن يحدث.
بجانب هذا الرجاء الواقف في المرمى، يقف وليد الركراكي كصوت داخلي، وكصدى لضمير جمعي، ينظّم الفوضى ويمنحها معنى.
قائدٌ جمع بين الانضباط والروح، وبين الخطة والحدس، وبين أن تقول للاعب “تمركز” وأن تهمس له: “لا تخف”.
هذا الركراكي ليس فقط مدربا يعرف كيف يربح، بل صانعُ حالة نفسية، أعاد فيها للمجموعة فكرةَ الالتحام كقيمة يومية، ومعنى أن تنجو، ليس لأنك فكّرت في نفسك، بل لأنك لم تترك أحدا يسقط وحده.
في الزمن الذي يتقن فيه الناس التخلّي، جاء هذا الفريق ليقترح علينا فكرة مضادة: النجاة بالتضامن.
مع السنغال، تتغيّر اللغة دون أن تتغيّر القيم. نحن لا نواجه “غريبا”، بل نواجه شقيقا مكتمل القوة والكرامة. نهائي بين “أسدين” لا بين خصمين فقط. نزال بين تجربتين تعرفان معنى أن تتألم إفريقيا ثم تبتسم، وأن تحفر لنفسها مكانا في الخريطة العالمية بالقدم والعرق لا بالشعارات.
مواجهة السنغال ليست اختبارا رياضيا فقط، بل امتحانٌ للاتزان، ولمعنى أن تحترم من أمامك كي تستحق احترام الفوز، وأن تدخل المعركة بقلب مفتوح لا بحقد معتم، لأن الكرة، والرياضة عموما، حين تصبح انتقاما تفقد جمالها وتفقدنا معها شيئا من إنسانيتنا.
لهذا يبدو هذا النهائي أكبر من مباراة. هو درسٌ في الأمل والإمكان. درسٌ يقول للمغاربة إن الحلم مشروعٌ حين تتوفّر له شروطه من عمل صامت، وقلوب مؤمنة، وشعب يصدّق نفسه ولو قليلا.
في ليلة الأحد، سنحمل أعلامنا كما يحمل الناس شموعهم في ليلة عميقة، وسنخرج إلى الشوارع قبل المباراة وبعدها، وسنسمع صوت الزغاريد حتى قبل أن نعرف النتيجة، لأن الفرح أحيانا يكون شجاعة مسبقة لا مكافأة لاحقة.
سنكون في الرباط وفي كل مدن وقرى المغرب، في البيوت وفي المقاهي وعلى الأرصفة، كأن الوطن كله دخل الملعب دفعة واحدة، وقرر أن يجلس داخل قلبه بدل أن يجلس خارجه.
أتخيّل تلك الدقائق الأولى من اللقاء، أرى العلم المغربي وهو يرفرف فوق المدرجات كأنه جناحٌ أحمر يعلّم الهواء معنى الانتماء.
أرى الليل المغربي وقد صار أقلّ ظلمة، لأن آلاف القلوب تشعّ من الداخل. وأرى المغرب وهو يجرّب مرة أخرى أن يتّسع للفرح دون خوف، وأن يحتفل دون أن يعتذر، وأن يحلم دون أن يختبئ.
هذا هو الامتحان الحقيقي ربما. أي ألا نذهب إلى مباراة الأحد كمن يطلب النجاة فقط، بل كمن يطلب المعنى؛ أن نكسب إن استطعنا، وأن نخرج حتى من الخسارة بأكثر مما دخلنا، أي وقد ربحنا وطنا تذكّر نفسه، وشعبا عرف أنه حين يتّحد لا ينهزم بسهولة.
الفوز الذي نملك أن نحسمه من الآن، هو أن نعزم، مهما كانت النتيجة، على العودة إلى بيوتنا ليلة هذا الأحد، ونحن نعرف أن المغرب يستطيع، وأن الحلم، حين نريده حقا، ليس مستحيلا.