story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

العيطة والانتخابات.. الفنان حجيب وحماية التراث السياسي

ص ص

يؤكد الفنان الشعبي ومتقن أداء فن العيطة، حجيب فرحان (حجيب)، كلما استضافته قناة إعلامية، على ضرورة الحفاظ على نصوص العيطة كما هي، رافضا التدخل في مضمونها بل في ترتيبها ضمن القصيدة الواحدة.. أصبحت تنبيهات حجيب راتبة لدى كلِّ من وضع أداءه بين يديه محلّ اختبار، فصار التغني بالعيطة أشبه بدرس مؤسَّس على قواعد ثابتة.. يمرّ هذا النقاش مرور الكرام على عديدين، وقد يزدريه آخرون ويسخرون منه، لكنه ليس بعيدا عن السياسة وقضاياها، ليس بعيدا عن موقعنا التاريخي وإشكاليتنا الاقتصادية-السياسية.

ما العيطة؟ العيطة نمط موسيقي مغربي قديم، لكنها ارتبطت أساسا بالإنتاج الزراعي على طول الخريطة المغربية، حتى بلغ الجنوب الشرقي (العيطة الفيلالية).. نمط موسيقي تغنى بالأرض والزراعة والمحصول، بالغابة والقنص، بسياسة خلفاء السلطان، بقواد ما قبل الحماية؛ بعوائد وخصائص “نمط الإنتاج القايدي” بتعبير بول باسكون.. وعندما همّ هذا النمط ليتغنى بالمقاومة فقد وضع غناءه في شكله ومضمونه القديمين، ولم يخرج به عنهما لتأسيس نمط موسيقي جديد.. وخلال المرحلة الجديدة، مرحلة الاستقلال، كانت العيطة على موعد مع مرحلة جديدة سمتها “إعادة إنتاج السوسيولوجيا القروية” كما يسميها عبد الله العروي (كتاب “المغرب والحسن الثاني”).

لا نظن أننا غادرنا هذه المرحلة، ووصايا حجيب -وإن لم يعِ مغزاها السياسي والاجتماعي- تدل على ذلك. وحتى عندما تقبل العيطة بمنطق التحديث الموسيقي، حيث إخضاع الأنغام والألحان للحساب (عبد الله العروي، مفهوم الدولة)؛ حتى عندما تقبل بذلك فإنها تحافظ على مضمونها ولا تقبل التجديد فيه، ولو بكلمة، ولو بتغيير طفيف في الترتيب.. هذه رسالة حجيب، وهذه قضيته التي يبحث لها عن خلف. وهي رسالة ذات وجهين، من جهة تحفظ النص الشفهي للباحثين والموثقين، ومن جهة أخرى تعيد إنتاج التقليدانية الغنائية بما هي أداة التقليدانية السياسية-الاجتماعية..

إن دراسة العيطة لا تعني الدعوة إلى حفظها منطقا في الذهن والمجتمع بالضرورة، فذلك من التقليد ويجب تسمية الأسماء بمسمياتها؛ دراسة العيطة، في الشرط الذي نحن فيه، تبحث في مسألتين: في التاريخ الذي أملى نشأتها وتطورها، وفي المطلوب منها لمجتمعنا الحالي. كل استدعاء آخر ما هو إلا بحث عن الأصل الذي يحب الإنسان أن يعود إليه بن فينة وأخرى، عودة تسلية لا عودة الباحث عن النموذج الاجتماعي-السياسي. فإن كنا ما زلنا في حاجة إلى “تقليد”، فهو “تقليد” غير “تقليد”، “تقليد” يطلّ على التحديث، يندرج ضمن إشكالية هذا الأخير.. الأنماط الموسيقية تتغير كما تتغير أنماط الإنتاج، حفظها عمل توثيقي، في حين يُطلَب من الفن أن يواكب التحولات.

لا غرابة في ما يصدر عن الفنان حجيب فرحان من دعوة إلى حفظ نص العيطة، لا غرابة في ذلك ما دام عملنا السياسي لا يخلو من فلكلور، شكلا ومضمونا؛ وما دامت أحزابنا السياسية تكثر من الإقبال على فرق الفلكلور كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، وكأنها تبحث عن “قرب” بالرجوع إلى الماضي، عن قرب من المجتمع والسلطة معا، عن قرب ممّا يعاد إنتاجه لغاية من “التقليد” أو “التحديث”.. هل تعي أحزابنا هذا البعد في الممارسة السياسية، أم أنها تكتفي بالرقص على مقربة من صندوق الاقتراع؟! أحزابنا غير معنية بإشكالية التحديث السياسي وعياً، إلا ما تحقق منها عملياً في إطار استراتيجية تحديث أكبر لا تعرفها، لا تمتلكها ولا تعيها.

هذا الالتقاء بين نوع من السياسة ونوع من الفن، ليس في حقيقته غير إفصاح عمّا يجمعهما، وهو موقعنا التاريخي في مسار التحديث، موقع انتقالي ازدواجي، يعزز التحديث بالتقليد، ويحفظ التقليد بالتحديث. يحتاج التقليد فيعود إليه، يطلب التحديث فيتطلع إليه.. ينعكس هذا الازدواج على العملية الانتخابية ما دامت هي نفسها جزءا من الانتقال. ترتبط بالعيطة والفولكلور و”القايدية” والقبيلة والزاوية الخ، كما ترتبط بالشعار والرأسمال والمدنية الخ. يستمد الفاعل السياسي نجاعته من مخاطبة كل هذه العناصر، ما دام ازدواجها ضرورة لممارسة سياسية ضرورية. من يريد اصطناع غايته في هذا الواقع المعقد، يبقى على هامش لا العملية الانتخابية فحسب، بل السياسية أيضا، خاصة إذا كان هو نفسه حبيس ازدواج خاص، هو في حقيقته امتداد لازدواج عام. وهكذا يستمد المقاطع نجاعته من توظيفه كما يستمدها المشارك، تبدأ الفاعلية فقط عندما تجد النظرية سبيلها إلى العقل الحزبي!