السياسة و”حمير” مولاي حفيظ!
صحيح أن خطاب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام غرفتي البرلمان عصر أمس الإثنين، في إطار مسطرة “تنصيب” الحكومة يكتسي أهمية سياسية ودستورية بالغة؛ لكن خطابا آخر ألقي قبل يومين من ذلك، وفي اليوم نفسه الذي تسلّمت فيه الحكومة الجديدة سلطاتها من حكومة أخنوش، لم يقلّ عنه أهمية ولا رسائل وإشارات، هو خطاب رجل الأعمال والوزير السابق مولاي حفيظ العلمي.
يصعب النظر إلى المنتدى الذي جمع أكثر من 800 من رجال ونساء الأعمال نهاية الأسبوع الماضي في الدار البيضاء، باعتباره مجرد موعد اقتصادي نظمه الاتحاد العام لمقاولات المغرب ب”الصدفة” في ذلك اليوم الحاسم.
السياسة لا تُقرأ فقط بما تقوله البلاغات الرسمية، بل بما تتقاطع حوله الوقائع والرسائل والتوقيتات أيضا. وما يبدو آخذا في التشكل بهدوء، منذ مدة، هو محاولة إعادة تأطير علاقة الرأسمال الخاص مع السياسة، ليس لإبعاده عن الاستثمار أو تقليم أظافره، بل لإعادته إلى موقعه الطبيعي داخل معادلة الدولة، كشريك “غير مسيّس” (apolitique) في خلق الثروة والشغل والقيمة المضافة.
هذا ما يجعل حضور مولاي حفيظ العلمي يبدو وهو يعود إلى منصة أرباب المقاولات بعد سنوات من مغادرته الوزارة، أقرب إلى جسر وشاهد آت من العالمين. فهو يعرف منطق الدولة لأنه مارس السلطة من داخلها، ويعرف منطق الرأسمال لأنه صنع ثروة كبيرة قبل الوزارة وبعدها.
لذلك أمكن سماع مداخلته كما لو أنها رسالة تطمين متبادلة، مفادها أن الدولة وهي تُخرج عزيز أخنوش من المشهد، ليست في حرب مع رجال الأعمال، وهؤلاء ليسوا مطالبين بالانسحاب من المجال الاقتصادي، لكن المطلوب هو أن يستعيد كل طرف موقعه وأن تعاد كتابة العقد الضمني بينهما.
لم يقل مولاي حفيظ العلمي ذلك بهذه اللغة المباشرة، لكنه قدّم، عمليا، نموذجا شديد الوضوح لما يمكن أن تكون عليه العلاقة الجديدة. عاد الرجل إلى تجربته كوزير للصناعة، وروى كيف وجد إدارة مشلولة بالخوف من التوقيع، لأن الموظف كان يعتقد أن أسلم قرار يمكن أن يتخذه هو ألا يقرر.
ذهب حينها إلى رجل أعمال آخر، قابع في قلب مؤسسات الدولة، هو إدريس جطو الذي كان رئيسا للمجلس الأعلى للحسابات، ثم عاد إلى موظفيه ليقول لهم جهزوا الملفات واتركوا لي مسؤولية التوقيع، وإذا كان هناك ثمن قانوني فسأتحمله أنا شخصيا.
لم يكن مولاي حفيظ يقصد تسلية رواد الأعمال في المغرب بهذه القصة، ولا تقاسم ذكرياته الجميلة من زمن الوزارة معهم؛ بل أخبرهم بأسلوب السرد القصصي، الحاجة إلى تلقيح التدبير العمومي بعقلية القطاع الخاص، دون تحويل مؤسسات الدولة إلى شركات (كما كد يفعل أخنوش)، ولا تحويل رجال ونساء الأعمال إلى سياسيين يخلطون بين مؤسسات وصناديق الدولة و”جيوبهم” الخاصة (كما كاد يفعل أخنوش أيضا).
الرسالة التي حاول مولاي حفيظ توجيهها إلى رواد الأعمال “تحت الماء”، هي أن المغرب لا ينوي محاربة الرأسمال الخاص، بل إنه يحتاج إليه أكثر. ومنتدى اتحاد ال”باطرونا” وضع على الطاولة الاستثمار والتمويل والتنافسية والصناعة والذكاء الاصطناعي والمقاولات الصغرى والتصدير والتنمية الترابية، أي تقريبا كل الملفات التي تحتاجها الدولة في المرحلة المقبلة لكي يتحول النمو إلى قيمة وشغل وتوزيع ترابي أوسع.
لكن الحاجة إلى الرأسمال لا تعني شيكا على بياض. مداخلة العلمي شدّدت على أهمية الامتثال للقوانين، وسخرت بشكل لاذع من ثقافة إحاطة المدير نفسه بالضعفاء وعديمي الكفاءة. استعار الرجل عالم الحيوان بطريقة قد تبدو طريفة في الظاهر، لكنها قاسية جدا في معناها. وقال إن القدرة على قيادة قطيع من الحمير لا تجعل من المرء سوى قائدا كبيرا لقطيع من الحمير، أما إن كنت قادرا على ترويض الأسود والفهود فأنت قائد استثنائي.
يصعب ألا نسمع في هذه الاستعارة شيئا يتجاوز عالم الشركات. فالدولة نفسها لا تحتاج إلى “قطيع من الحمير” يقوده مسؤول قوي، بل إلى مؤسسات تسكنها كفاءات قادرة على الاعتراض والاقتراح والتصحيح. والحداثة الإدارية ليست في رقمنة المساطر وتقصير آجال الترخيص، بل في بناء بيئة يستطيع فيها المسؤول أن يحيط نفسه بمن هو أفضل منه دون أن يشعر بالتهديد، وأن تُقاس جودة القائد بنوعية الناس الذين يجمعهم حوله لا بعدد المطيعين الذين يصطفون وراءه.
لهذا لا يمكن فهم منتدى رجال ونساء الأعمال المغاربة بعيدا عن سياق أوسع. مرحلة عزيز أخنوش جعلت صورة رجل الأعمال تختلط في أذهان كثيرين بصورة السياسي وصاحب القرار الحكومي، إلى درجة صار معها نقد الحكومة يختلط أحيانا بنقد الثروة نفسها، كما صار الدفاع عن الاستثمار الخاص يبدو في أحيان أخرى دفاعا عن صاحب السلطة.
وإذا كانت المرحلة الجديدة ستعرف فعلا إعادة ترتيب هذه العلاقة، فإن المطلوب حسب إشارات “خطبة” مولاي حفيظ ليس إقصاء رجال الأعمال، بل إبقاؤهم أقوياء في الاقتصاد، دون أن يكون وجودهم الاقتصادي مشروطا بالضرورة بامتلاك السلطة السياسية عبر حزب خاص بهم، كما كاد يحصل مع حزب التجمع الوطني للأحرار.
كأن مولاي حفيظ نطق باسم الدولة مخاطبا أصحاب الرساميل قائلا: استثمروا، واربحوا، وكبّروا شركاتكم، واخرجوا إلى العالم، وطالبوا بإدارة أسرع وتمويل أفضل وقواعد أوضح؛ لكن لا تعتقدوا أن النفوذ السياسي شرط لحماية أعمالهم، كما كاد يقنعكم أخنوش.
منتدى اتحاد مقاولات المغرب المتزامن مع تشكيل حكومة المنصوري، كان أكثر من لقاء لأرباب المقاولات. كان تمرينا هادئا في إعادة توزيع الأدوار دون توتّرات تعيد إلى الأذهان ذكري حملة التطهير. الحكومة تحكم، والإدارة تقرر، وأجهزة التقنين والرقابة تراقب، والمقاولون يستثمرون ويربحون ويخلقون القيمة، واتحاد المقاولات يمثل مصالحهم ويتفاوض باسمهم، فيما الدولة تضع القواعد وتحمي السوق وتطمئن الرأسمال دون حاجة إلى تسليمه مفاتيح السياسة.