السياسة ممنوعة
نعيش في المغرب حالة غريبة لسياسة تفعل فينا بكامل أدواتها، ثم يُطلب منا ألا نراها. القرارات تُعدّ في مطابخ السلطة، وتُصفّى الخلافات حولها بميزان القوة، وتُعاد هندسة التوازنات داخل الحكومة وبين الأحزاب، وتُصاغ خيارات سيادية تمسّ شكل الدولة ومستقبلها… ثم يُقدَّم كل ذلك للمغاربة في هيئة بلاغ تقني، أو خطوة تدبيرية، أو إجراء إداري بارد لا ظلّ للسياسة فيه.
كأن السياسة عيبٌ يجب إخفاؤه، لا هواءٌ نتنفسه.
كل الأدبيات الرصينة في علم السياسة وعلم الاجتماع، من الكلاسيكيات إلى الأكثر حداثة، تقول العكس تماما. السياسة مثل الهواء، تحيط بنا في جميع أحوالنا، سواء كنّا واعين بها أم لا، وحين تُنزَع من وعي الناس فهي لا تختفي من الواقع، بل تتحول إلى قوة تعمل دون مساءلة، وإلى قرار يهبط على المجتمع بلا معنى، وبلا تفسير، وبلا حقّ في الاعتراض.
لدينا ثلاث وقائع شبه متزامنة تكشف هذا الاتجاه بوضوح جارح. أولها خرج من فم وزير هو في الوقت نفسه أمين عام حزب يفترض أنه يقود السياسة لا يهرب منها.
نزار بركة، وبعد أسابيع من فيضانات وزوابع لا في الطقس وحده، بل في الأخبار والمعطيات والاتهامات والأسئلة، اختار أن يقول للمغاربة إن الواجهة يجب أن تُمنح للخبراء والتقنيين، ليس لأن السياسة غائبة عن الأزمة، بل لأنه “اختيار” واع لتفادي أي تأويل أو تقييم سياسي، ولتقديم معلومات “موضوعية” لا تسمح بالشد والجذب.
نحن أمام اعتراف صريح بفلسفة كاملة تجرؤ على تجريد الكارثة من بعدها السياسي حتى لا تُساءَل السلطة عن قراراتها، ولا تُسأل الحكومة عن جاهزيتها، ولا تُفتح أسئلة المسؤولية العمومية، كما يجب أن تُفتح في لحظة يختلط فيها الإنقاذ بالإنصاف.
الوزير بركة قدم أمس أرقاما دقيقة عن تساقطات استثنائية، وواردات ضخمة للسدود، ونسب ملء قياسية، وعمليات إخلاء استباقية، بل واعترف بأن تزامن إفراغ السدود مع تدفقات الروافد تجاوز قدرة مجاري الأودية فنشأت فيضانات، خصوصا في المناطق المنخفضة كاللوكوس والغرب.
كل هذا ممتاز، لكنه لا يلغي السياسة، بل يستدعيها. لأن السؤال الذي يطلب منّا ألا نؤوّله سياسيا هو السؤال السياسي بعينه. من قرر؟ بناء على أي تصوّر للمخاطر؟ وما الذي أُنجز وما الذي أُهمل؟ ومن يحاسب على اختيارات التهيئة والتعمير وصيانة المجاري وتدبير الطوارئ؟ وما معنى أن تُغرق مياهٌ يتم إطلاقها “استباقيا” مناطق آهلة إن لم يكن ذلك موضوع سياسة عمومية لا مجرد خطوة تقنية؟ وكيف أغفلت الحكومتان الحالية والسابقة إصدار مرسوم خاص بتصنيف السدود ورصد سلامتها وتقييمها؟ ولماذا لم يصادق عليه المجلس الحكومي السابق بعدما تذكّرت وزارة بركة هذا الفراغ وأتت بالمشروع؟ ولماذا سارعت الوزارة اليوم لإطلاق صفقة خاصة بإعداد تطبيق يرصد حمولة السدود؟
حين يُقال للناس “لا تؤوّلوا”، فالمعنى الحقيقي لذلك هو “لا تناقشوا”، و”لا تُسائلوا”، و”لا تجعلوا من ألمكم سؤالا عموميا”.
الواقعة الثانية تتمثل في ملف المحاماة، وهي تبدو أكثر فجاجة لأن السياسة فيها تمشي على قدمين ثم تُغطى بغطاء إداري. محاكم مشلولة لأسبوع تلو آخر، ومتقاضون يتضررون، ومحامون يخسرون من قوتهم اليومي ومن توازناتهم المالية، وحق الدفاع يتحول إلى فراغ يبتلع الثقة… ثم يدخل رئيس الحكومة على الخط ليسحب البساط من تحت أقدام وزير العدل. لكن دخوله هذا لم يُقدَّم باعتباره قرارا سياسيا يعكس ميزان قوة داخل الحكومة، ولا باعتباره لحظة ترجّح كفة طرف على طرف، ولا باعتباره اعترافا ضمنيا بأن تدبير وزير العدل للملف أوصل البلاد إلى الحافة.
فجأة صار لدينا شيء اسمه “تجميد المسار التشريعي مؤقتا”، ولجنة تقنية مشتركة بين رئاسة الحكومة وجمعية المحامين، وفتح لباب الحوار، ووعود بالاستجابة للمطالب عبر التعديلات…
لغةٌ إدارية كاملة تُخفي حقيقة بسيطة مفادها أن ما وقع يشبه سحب الملف القنبلة من وزير محوري، وقعت “إقالته” المعنوية بلا قرار رسمي. ثم يُطلب من الناس أن يتعاملوا مع الأمر كما يتعاملون مع تحويل رخصة من شباك إلى آخر.
هذا ليس احتراما للعقل، بل إبعادٌ للعقل عن السياسة التي يراد لها أن تُصنع باسم التقنية، ثم تترك المواطن أمام نتيجة الشلل دون أن تمنحه حق فهم ما وقع، ولا حق تقدير كلفته، ولا حق مساءلة من تسبب فيه.
الواقعة الثالثة تمسّ قضية أكبر من الحكومة ومن النقابات. المقترح المغربي للحكم الذاتي في نسخته المطوّرة، وثيقة يُقال إنها من أربعين صفحة، قُدمت في مدريد داخل السفارة الأمريكية لأطراف أجنبية، ثم يجد المغاربة أنفسهم يطالعون ملخصا لها منشور في موقع إسباني، مع حديث عن لجنة تقنية ومسار تفاوضي جديد.
قد نفهم، سياسيا ودستوريا، أن التفاوض الخارجي يحتاج هامشا من السرية وأن الدولة لا تفتح نقاشا داخليا كاملا قبل أن تتضح معالم الممكن مع الأطراف الأخرى؛ لكن أن يصبح الاطلاع الأول على وثيقة تمسّ شكل الدولة وتوازناتها المستقبلية، ويفترض أنها قد تتطلب تعديلات دستورية أو ترتيبات سيادية حساسة، من عند “البراني” لا من عند الدولة التي تطلب من مواطنيها أن يدفعوا ثمن المعركة وأن يعيشوا على اسمها… فهذا ليس تدبيرا تقنيا، بل خيارٌ عنوانه إبعاد المجتمع عن السياسة في اللحظة التي يُفترض أن يكون فيها شريكا في صياغتها، على الأقل في خطوطها العامة، وفي منطقها، وفي حدودها، وفي كلفتها.
هذه الوقائع الثلاث تقول الشيء نفسه بلهجة واحدة: هناك من يريد للمغاربة أن يعيشوا بدون سياسة، أو بالأحرى أن يعيشوا داخل السياسة بلا وعي سياسي. وهي تعني أن يتلقى المواطنون كل ما يحدث لهم وكأنه إجراءات محايدة، وكأن الدولة لا تختار، وكأن القرارات لا تنحاز، وكأن السلطة لا تخطئ، وكأن الصراع على المصالح لا وجود له.
في علم السياسة هناك شيء اسمُه “نزع الطابع السياسي” (Depoliticisation)، أو تحويل القضايا العمومية إلى مسائل تقنية لتقليص النقاش والمساءلة، وإضعاف المشاركة، وتجفيف المجال العمومي من معناه. وهذا ليس مجرد أسلوب في التواصل، بل منهج في الحكم.
حين تُقصى السياسة من خطاب الدولة، فهي لا تُقصى من الواقع، بل تُقصى من رقابة المجتمع، فيصبح القرار أكثر حرية في فرض نفسه، ويصبح المواطن أكثر وحدة أمام نتائجه.
والنتيجة ليست ثقافية فقط، بل تنموية بمعنى “التنمية السياسية”، إذ لا تقدّم بلا مشاركة، ولا استقرار بلا شرعية تُبنى على الفهم والثقة، ولا مؤسسات قوية بلا وسائط قوية، ولا دولة حديثة بلا مجتمع قادر على مناقشة الشأن العام بوصفه شأنا سياسيا، لا ملفا تقنيا يُسلم للخبراء ثم يُغلق.
حين تُعامل النخبُ المجتمعَ كقاصر سياسيا، فهي لا تحميه من التأويلات الخاطئة، بل تحرمه من النضج الذي تخاف منه. وحين تُقصى السياسة، تتضخم البيروقراطية وتضعف الأحزاب وتتآكل الصحافة، ثم تُفاجأ الدولة بأن الثقة تنهار وبأن الناس لا يصدّقون روايتها حتى حين تقول الحقيقة، لأنهم اعتادوا أن الحقيقة تأتيهم كأرقام بلا معنى، وكقرارات بلا تفسير ولا مساءلة، ولا تقييم.
السياسة ليست خطابة ولا شعارات. بل هي أن تقول للشعب هذه اختياراتنا، وهذه حدودها، وهذه كلفتها، وهذا ما ربحنا وما خسرنا، وهذه مسؤولياتنا إن أخطأنا.
السياسة هي أن تعترف بأن أزمة الفيضانات ليست نتيجة تساقطات مطرية استثنائية فقط، بل امتحان لتدبير المخاطر والتعمير والتهيئة والتواصل.
السياسة هي أن تقول إن حلّ أزمة المحاماة أكبر من لجنة “تقنية”، بل اعتراف بأن توازن العدالة لا يُمسّ دون كلفة سياسية، وأن شلل المحاكم ليس تفصيلا.
السياسة أن تجعل من وثيقة الحكم الذاتي، بما تمثله من أفق تفاوضي ودستوري، موضوعا وطنيا واضح الخطوط لا خبرا يتسرب من خارج البيت.
تتقدم الأمم حين تجرؤ على حسم اختياراتها في الضوء، لا في الظل. وتتقهقر حين يُطلب منها أن تبتلع القرارات وهي مغمضة العينين، وأن تعتبر السياسة انحرافا في الفهم لا حقا في السؤال.
لا نحتاج إلى إخفاء السياسة عن المغاربة، بل إلى أن تُعاد إليهم بوصفها حقا، ووعيا، ومساءلة، ومشاركة، وشرطا من شروط العيش المشترك.
البلد الذي يُدار بلا سياسة في وعي مواطنيه، تحكمه سياسة واحدة في واقعهم… وهذه هي بداية الاختناق.