السياسة على أنغام الفولكلور
إن زيارة مسائية لساحة “جامع الفنا” بمراكش كافية لجعل المرء يتذكر ما قاله عبد الله العروي عن هذه المدينة في “خواطر الصباح”. صحيح أن العروي كان يتحدث عن فترة الستينات أو السبعينات من القرن الماضي، لا عن العقد الثاني من الألفية الثالثة، إلا أن زمن “جامع الفنا” بقي هو هو لم يتغير، أو لعله كاد أن يبقى كما كان، عدا بعض الظواهر الموسيقية “الجديدة” التي تحاكي في وعي أصحابها “ذهنية الفولكلور” رغما عن أنف حداثة “ألحانها ومضومنها الغنائي”.
يترك السائح بلده الأوروبي المتقدم، حيث الثقافة الحديثة والتطور التراكمي لقوى الإنتاج الرأسمالية؛ يخلّف هذا الواقع وراء ظهره أياما معدودات قاصدا بلاد المغرب حيث ما زالت “القدامة” صناعة وسياحة تدر الربح العام والخاص. هنا يتساءل العروي: هل كُتب على المغاربة أن يحفظوا “القدامة” والفولكلوريات للعالم المتقدم حتى يطلع عليها من علٍ بين الفينة والأخرى؟! إن الأمر أشبه بحفظ متاحف أنثربولوجية للعالم المتقدم، أشبه بتعميم هذا المتحف وجعله واقعا ذهنيا وماديا؛ وكأنه شكل آخر من أشكال “التقسيم الدولي للعمل” وما ينتج عنه من “تقسيم دولي للتقدم في الوعي والفكر”.
القطيعة مع الفولكلور في منطق العروي، هي من القطيعة مع مناهج التفكير التراثية، وهذه تختلف عن “القطيعة مع التراث” كما يروج البعض لذلك. يتبنى العروي القطيعة مع الفولكلور، لكونه يفرض منطقه على نظر شعبٍ إلى ذاته وتاريخه ومصالحه ومستقبله. وهنا لا يتكلم العروي عن الفولكلور بما هو حفظ لتقليدٍ ما بغرض الدراسة أو الاستمتاع كما هو الحال في الصين أو اليابان أو روسيا الخ، وإنما عن الفولكلور كذهنية جماعية تحول دون اكتساب ثقافة حديثة (بل دون اكتساب ثقافة، لأن الثقافة غير الفولكلور)، أي دون اكتساب الحداثة بما هي وعي سياسي واجتماعي.
من هذه الزاوية من النظر نطلّ على واقعنا السياسي؛ فماذا نجد؟ نجد سياسة من نسج خصوصيتنا السياسية والثقافية، نجد استمرارا واستقرارا مؤطرين بهذه الخصوصية، تعيد إنتاجهما كما تعيد إنتاج “وجودها الاجتماعي”. هذا أهم ما في السياسة المغربية الحالية في نظرنا، أما بقية الأحاديث فنراها “أضغاث أحلام” كل ما تفعله أنها تطعن في “وعي” أصحابها من جهة، وتجعلهم عبئا على ضرورة سوسيو-سياسية لا تقبل النقيض إلا كجزء من عملها، أي كممارس “للوظيفِ”.
إن ركوننا الواعي إلى هذا الواقع الضروري لا يعفينا من ممارسة نوع من النقد على تجربتنا السياسية المجتمعية، وإن كانت هذه التجربة جزءا من كلٍّ ونتاجا له. لا نعرّضها للنقد بلا فائدة، وإنما لتذكيرها بشعاراتها الكبرى في واقع سياسي يفرض عليها “الرقص على أنغام الفولكلور”!
تعرف الساحة الموسيقية المغربية تعايش لا أقل من خمسة أنماط موسيقية، لكل نمط منها جذور اجتماعية متعلقة بنمط إنتاج خاص: الفولكلور بالقبيلة وتجمعات ما قبل الدولة، العيطة بنمط الإنتاج القايدي (بتعبير بول باسكون)، الملحون وما يشبهه بحرفيي وصناع المدن كفاس وطنجة وسلا ومراكش الخ، الطرب المغربي ببورجوازيات الاستقلال، الظاهرة الغيوانية بالفئات الاجتماعية المتضررة من سياسات القرن الماضي..
وقد أضيفت إلى هذه الأنماط اليوم، أنماط ما بعد حداثية تعبر عن فوضى في الأفق الاجتماعي والسياسي، مثل “الراب” و”البوب” الخ. تتعايش هذه الأنماط في مجتمع واحد، وربما في شخص واحد يميل إلى العيطة ومعها إلى الطرب من باب التسلية دون تمييز بين النمطين. السؤال المطروح هنا: لماذا واصلت هذه الأنماط حضورها مجتمعة في سياق اجتماعي وسياسي حديث؟! هذا سؤال إشكالي يجب البحث عنه في المجتمع.
لا وجود لقطائع اجتماعية، وبالتالي فلا وجود لقطائع في أنماط الموسيقى. تحضر كل الأنماط لأن جذورها الاجتماعية ما زالت حاضرة في المجتمع، كأننا إزاء عملية لإعادة إنتاج الطرب المنظّم بالنمط الموسيقي الحديث (تم تحديث الموسيقى بإدخال الحساب عليها/ راجع “مفهوم الدولة” لعبد الله العروي) جنبا إلى جنب العيطة والفولكلور بما هما صيحتان يطلقهما الفلاح الصغير الذي لا هو بالإقطاعي مالك الأراضي الزراعية الشاسعة ولا هو بالبورجوازي الزراعي المرتبط ارتباطا مباشر بسوق الرأسمال الزراعي وكذا الصناعي. إنها عملية مزدوجة لإعادة الإنتاح، تنتج النمط الجديد دون تفريط في النمط القديم؛ وذلك في شتى مناحي الحياة بما في ها الموسيقى.
فلا غرابة -إذن- أن تمارس الأحزاب الحديثة السياسة “على أنغام الفولكلور”، لا غرابة أن تتحول السياسة الحزبية نفسها إلى ممارسة فولكلورية، لا غرابة أن يتحول المهرجان الخطابي إلى “موسم”، “خطاب الزعيم” إلى صيحة قبلية معتادة، الصراع السياسي إلى نزاع قبلي، البرنامج السياسي إلى استعطاف بمنطق “الجّْماعة”، السجال السياسي إلى تنافس في “الرقص الفولكلوري”.
مردّ ذلك كله إلى “خصوصية سياسية” تتسم بجدل خاص مفاده: “التقليد بالحداثة والحداثة بالتقليد”. إننا لن ندخل الحداثة السياسية إلا بدربة، وهذه تحتاج إلى زمن سياسي وثقافي تستكمل فيه الطريق إلى التحديث دورتها.. وإنها لا تحقق ذلك إلا في واقعها لا في واقع غيرها..