“الزم بيتك”.. هجوم ابن كيران على العثماني بسبب التطبيع يشعل “البيجيدي”
“الزم بيتك.. ولا تشوش على إخوانك”. بهذه العبارة، فجّر عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، جدلا واسعا داخل حزبه وخارجه، بعدما وجه انتقادات مباشرة إلى سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة والأمين العام السابق للحزب، مستحضرا توقيعه على الاتفاق الثلاثي المرتبط باستئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل سنة 2020.
تصريحات ابن كيران لم تبق في حدود خلاف حول حضور العثماني في الأنشطة الحزبية، بل سرعان ما أعادت ملف التطبيع ومسؤولية التوقيع عليه إلى الواجهة، وأطلقت سجالا بين قيادات ووجوه بارزة في “المصباح”، قبل أن يتدخل ابن كيران بتوضيح انتهى باعتذار علني للعثماني.
“يشتموننا بتوقيعك”
خلال لقاء حزبي احتضنه إقليم النواصر، يوم الأحد 4 أكتوبر 2026، خص ابن كيران العثماني بجزء من كلمته، داعيا إياه إلى الابتعاد عن الأنشطة الحزبية والتفرغ لشؤونه العلمية.
وقال الأمين العام للعدالة والتنمية مخاطبا سلفه في قيادة الحزب: “أقول لسعد الدين: الزم بيتك، قدّر الله عليك ما قدّر، الزم بيتك، وشد تيقارك، واشتغل بالشؤون العلمية التي كنت تشتغل بها سابقا، فأنت لا تقوم سوى بالتشويش على إخوانك”.
ولم يتوقف ابن كيران عند هذا الحد، بل عاد إلى ملف التطبيع، معتبرا أن الحزب ما يزال يؤدي كلفته السياسية إلى اليوم، مضيفا: “ها هم اليوم كيعايرونا بالتوقيع ديالك على التطبيع الذي لا ذنب لنا فيه ولا علم لنا به”.
وأعادت هذه التصريحات إلى الواجهة واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في مسار العدالة والتنمية، خاصة أنها صدرت عن ابن كيران الذي سبق أن دافع عن العثماني عقب توقيع الاتفاق، ورفض تحميله وحده مسؤولية القرار.
وهبي يشعل الفتيل
وجاءت تصريحات ابن كيران في سياق رد مباشر على عبد اللطيف وهبي، وزير العدل والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كان قد استغرب في حوار إعلامي عدم اتخاذ أي موقف في حق سعد الدين العثماني رغم توقيعه على اتفاق التطبيع ومشاركته لاحقا في الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية.
وخلال لقاء النواصر، هاجم ابن كيران وهبي مستنكرا إمكانية توليه رئاسة مجلس النواب، ومعتبرا أن الترويج لهذا السيناريو من طرف الفاعل الإعلامي أحمد الشرعي، الذي يصفه بأنه قريب من إسرائيل، يطرح إشكالا سياسيا.
وقال إن وصول وهبي إلى رئاسة المجلس بهذه الطريقة يعني، بحسب تعبيره، أن “الصهاينة أصبحوا يتدخلون في اختيار من يتولى رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان”، قبل أن يضيف أن وهبي سيكون “مرشحا لرئاسة البرلمان من قبل الدولة الصهيونية عبر ممثلها في المغرب”.
وكان وهبي قد تساءل عن سبب مهاجمة ابن كيران لبعض الفاعلين بسبب مواقف سياسية أو انتخابية، في مقابل عدم مساءلة العثماني رغم تحمله، وفق تعبيره، المسؤولية السياسية والأخلاقية والتاريخية عن التوقيع.
وقال وهبي إن “ابن كيران يطالب فاطمة الزهراء المنصوري باتخاذ موقف من الشرعي، بينما لم يتخذ هو قرارا تنظيميا بطرد سعد الدين العثماني الذي وقع التطبيع، في الوقت الذي شارك فيه بتجمعين انتخابيين في سيدي إفني لدعم مرشح العدالة والتنمية”.
جدل داخل “المصباح”
لم تمر تصريحات ابن كيران دون ردود فعل داخلية. وكان محمد يتيم، الوزير الأسبق والقيادي في حزب العدالة والتنمية، من أبرز المتفاعلين مع الموضوع، إذ اعتبر أن استرجاع توقيع سعد الدين العثماني على اتفاقية التطبيع “لم يكن في محله”.
ورفض يتيم تحميل العثماني مسؤولية التطبيع، مذكرا بأن الأمانة العامة والمجلس الوطني للعدالة والتنمية عبرا في حينه عن رفضهما للاختراق التطبيعي، كما أكد أن توقيع الاتفاقيات والمعاهدات يدخل ضمن الاختصاصات الدستورية للدولة.
وسجل القيادي ذاته أن اختزال الملف في شخص العثماني “يحمل الرجل أكثر مما يحتمل”، منتقدا “ما قد يفهم منه دعوة إلى إبعاده عن الأنشطة الحزبية والتأطيرية ومحاولة للحجر عليه”، رغم أنه لم يصدر عنه، بحسب تعبيره، “أي تشويش على الحزب منذ مغادرته المسؤوليات الحكومية والحزبية”.
من جهته، دعا خالد الصمدي، كاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، إلى مقاربة الملف بهدوء واستحضار مختلف سياقاته السياسية والدستورية، معتبرا أن “النقاش لا ينبغي أن ينحصر في واقعة التوقيع من عدمه”.
أما محمد أمين الدهاوي، عضو المكتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية، فقد اختار توجيه نداء داخل الحزب “من أجل التدخل لرأب الصدع واحتواء الخلاف”، محذرا من تداعيات استمرار السجال الداخلي.
وأعادت هذه المواقف إلى الواجهة مواقف سابقة لابن كيران نفسه، حين دافع عن العثماني سنة 2020 ورفض تحميله مسؤولية قرار اعتبر أنه اتخذ في إطار مؤسسات الدولة وسياقاتها الخاصة.
ابن كيران يعتذر
أمام اتساع دائرة الجدل، خرج ابن كيران بتوضيح مكتوب أكد فيه على أن المقطع المتداول بشأن العثماني جرى تداوله بشكل مجتزأ، وأن حديثه جاء في سياق الرد على ما وصفه بـ”الهجوم الجبان” الذي تعرض له من طرف عبد اللطيف وهبي.
وشدد على أنه ما فتئ يشيد علنا بالعثماني وما جمعهما من عمل سياسي وحزبي امتد لعقود، معتبرا أنه “يكن له كل التقدير والاحترام والود”.
وأشار إلى أنه لم يكن على علم بمشاركة العثماني في الحملة الانتخابية الأخيرة للحزب، وفي المقابل، أوضح أنه “يرى من المناسب عدم مشاركة العثماني في بعض الأنشطة التي قد يستغلها خصوم الحزب لإثارة مواقف معادية له ولحزب العدالة والتنمية”.
وختم ابن كيران توضيحه باعتذار مباشر إلى العثماني، قائلا: “إذا كان في دعوتي له بلزوم بيته علانية أي إساءة فإنني أؤكد له أنها لم تكن مقصودة، وليعذرني عنها”.
ويعود أصل الجدل إلى 10 دجنبر 2020، حين أعلن المغرب استئناف العلاقات مع إسرائيل في إطار اتفاق ثلاثي شمل أيضا اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء.
وفي 22 دجنبر من السنة نفسها، وقع سعد الدين العثماني، بصفته رئيسا للحكومة آنذاك، إلى جانب مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، الإعلان الثلاثي بالقصر الملكي في الرباط، في مشهد أثار صدمة واسعة داخل قواعد حزب العدالة والتنمية الذي ظل يعلن رفضه للتطبيع مع إسرائيل.
وأحدث التوقيع حينها نقاشا حادا داخل الحزب وبين مكوناته الدعوية والسياسية، قبل أن تصدر الأمانة العامة للعدالة والتنمية بلاغا أكدت فيه رفضها لـ”الاختراق الصهيوني”، فيما عبر عدد من قيادييه عن تمسكهم بموقفهم الرافض للتطبيع، مع التأكيد في الوقت نفسه على دعم القرارات الاستراتيجية للدولة.