الخالة زليخة وملوك التشهير
ذكّرني الهجوم الأرعن الذي تعرّضت له الخالة زليخة، والدة أيقونة حراك الريف الشبابي السلمي، السجين ناصر الزفزافي، وما كتبه الصديق خالد البكاري تحت عنوان “الملك كما يراه المتزلفون”، بأحد مساءات الجمعة من رمضان عام 2020.
كنا يومها تحت إجراءات الحجر الصحي. وكان الزميل سليمان الريسوني يكتب المقال الافتتاحي لعدد نهاية الأسبوع من جريدة “أخبار اليوم”، الذي كان ينشر مساء الجمعة في نسخة رقمية مجانية، كما كان حال الصحف الورقية اليومية في تلك المرحلة العصيبة.
كان المقال يومها متعلقا بقرار عفو ملكي حديث، لا أذكر مناسبته الآن، لكنه لم يشمل معتقلي حراك الريف كما كان كثيرون يأملون. نعم، كان ذلك الأمل قائما في 2020، وما زال قائما اليوم، وسيبقى قائما ما دام في هذا البلد أمهات وآباء وأبناء ورفاق يطرقون باب الإنصاف، وملك أثبت أكثر من مرة أنه ينصت ويبادر بالعفو والتصحيح.
تلقّيت وقتها اتصالا من مسؤول كبير في الدولة، كان من بين من نتواصل معهم خلال تلك المحنة التي مرّت بها “أخبار اليوم”، لمحاولة فك الحصار المضروب عليها، والإقناع بجدوى استمرارها، وبأنها لا تسعى سوى إلى القيام بوظيفتها الصحافية، بعيدا عن أية أجندة.
جاءني صوت المسؤول غاضبا ومحتجا، وكان يشير بين عبارة وأخرى إلى مقال العدد الجديد. استوقفته، وطلبت منه أن يشرح لي سبب الغضب، لأنني قرأت المقال أكثر من مرة، ولم أشعر أن فيه ما ينطوي على أي “تجاوز”. فكان رأيه أن المقال ينتقد صدور العفو الملكي دون أن يشمل معتقلي الريف، وأن ذلك يعني انتقاد “صاحب العفو”، أي الملك، وأن هذا لا يستقيم بوصفه “نقدا مباشرا”، خصوصا، كما قال، “أننا نحاول أن نساعدكم على الاستمرار كجريدة”.
حاولت يومها، كما كنت أفعل دائما، أن أعبّر عن تفهمي لرأي المسؤول، مع التعبير بلطف عن عدم اتفاقي معه، وعن اقتناعي بصحة ما نشرناه في الجريدة، ما دام لا ينطوي على إساءة أو خروج عن الأدب مع شخص الملك.
اليوم، وبعد صرخة أم افتقدت ابنها لما يربو عن تسع سنوات، في قضية سياسية-اجتماعية، وبعد أن ترمّلت حديثا، وبعد أن خرجت من صدرها كلمات لا تشبه إلا دعاء الأمهات حين تضيق بهنّ الأرض، لم يتحرك مسؤول للاحتجاج كما حدث معنا قبل سنوات. لم يقل أحد لأولئك الذين هاجموا الخالة زليخة إنهم يتجاوزون كل حدود الأخلاق مع الملك.
من يسيء حقا إلى الملك؟ هل الأم التي تبكي ابنها وتدعو على من تعتقد أنهم ظلموه، أم من يسارع إلى جلباب الملك فيجرّه جرا إلى أوحال التشهير، ويجعله، دون حياء، طرفا في مواجهة أم مكلومة؟
الخالة زليخة لم تكن تخطب في تجمع حزبي. ولم تكن تصوغ بيانا سياسيا، ولم تكن تقود مؤامرة، أو تستدعي فتنة، أو تعلن حربا على أحد. كانت أما فقط. وهذه الكلمة وحدها تكفي. كانت أما غلبها الفراق، وهدّها الانتظار، وأكلت السنوات من جسدها وروحها، ثم وجدت نفسها في عيد جديد بلا ابنها، وبلا زوجها الذي رحل، وبلا جواب مقنع عن سؤال قديم نتقاسمه معه: لماذا بقي هذا الجرح مفتوحا كل هذا الزمن؟
من لا يفهم حرقة الأم، لا يمكنه أن يزعم أنه يفهم شيئا في السياسة ولا في الدولة ولا في الوطن. في الأدب والذاكرة الإنسانية كلها، لا توجد صورة أعمق من أم تنتظر فلدة كبدها. سيّدنا يعقوب، وهو النبي الرجل والقوي، ابيضّت عيناه من الحزن على يوسف، مع أنه كان يعلم من الصبر ما لا نعلم. وأم موسى كادت تفضح أمره حين ألقي في البحر لولا أن ربط الله على قلبها. وفي تراث كل الشعوب، من أمهات ساحة ماي في الأرجنتين إلى أمهات المعتقلين والمفقودين في كل المنافي والسجون، تتحول الأم حين يسلب منها الابن إلى ضمير يمشي على الأرض، لا إلى خصم سياسي نوجّه نحوه فوهات مدافع القذارة.
الأم لا تحتاج درسا في البروتوكول كي تبكي. ولا تحتاج مستشارا لغويا يدقّق دعاءها قبل إلقائه. ولا تحتاج ترخيصا من أحد كي تقول إن قلبها انكسر. من يطلب من أم ناصر الزفزافي أن تزن عباراتها بميزان السلطة، وأن تضع حزنها في قالب إداري بارد، وأن تسمي الجهات كما يريد هو، وأن تصمت عما لا يحتمله قلبها، إنما يطلب منها أن تكف عن كونها أما.
المشكلة ليست في الخالة زليخة. المشكلة في هذا النوع من المتزلفين الذين لا يستطيعون رؤية الملك إلا من خلال مصالحهم. يظنون أنهم يدافعون عنه، وهم في الحقيقة يسيئون إليه. يزعمون أنهم يحمون صورته، وهم يخرجونه من موقع الحَكم إلى موقع الخصم. يعتقدون أن كل صرخة اجتماعية، وكل دعاء مكلوم، وكل نقد سياسي، وكل سؤال حول العفو والإنصاف، يجب أن يتحول إلى مسّ بالمؤسسة الملكية، كأن الملكية لا تقوم إلا على إسكات الأمهات وإهانة الموجوعين.
هل فات هؤلاء أن الملك محمد السادس، بقرار شخصي دال ومعبّر، أزال القداسة عن نفسه؟ هل نسوا أنه هو من سأل، في خطاب شهير، “أين هي هذه الثروة؟” وهل نسوا أنه تحدث بنفسه عن ثمار النمو التي لا يجد أثرها في تنقلاته داخل المملكة؟ وهل نسوا أنه أقر بفشل النموذج التنموي ودعا إلى مراجعته؟
إن من يسيء إلى الملكية ليس من يطلب العفو والإنصاف، بل من يحولها إلى سبب للتشهير. وليس من يدعو إلى إغلاق جرح الريف، بل من يريد لهذا الجرح أن يبقى مفتوحا كي يعيش من صديده.
لقد مرّت أكثر من تسع سنوات، وهي في عمر أم ليست رقما. بل هي أعياد ناقصة، وكراس فارغة، وهواتف تنتظر رنة. إنها ليال لا تنام، وباب يُفتح ولا يدخل منه الابن. وأخبار مرض ووفاة وشيخوخة ومواساة مؤجلة. كل سنة في السجن تقاس عند السجين بالأيام، وعند الأم بنبضات القلب.
لهذا كانت عبارة “عيّدوا غير نتوما” صرخة أم تقول لنا جميعا: كيف تريدون مني أن أفرح وابني بعيد؟ كيف تريدون من بيت أن يعلق زينة العيد وفي قلبه سجن؟
ولأن الصرخة صادقة، فقد أخافتهم. الكلمة الصادقة تخيف أكثر من الخطاب الطويل. دعاء الأم، حين يخرج من حرقة يكشف ما تحاول البلاغات إخفاءه. لذلك لم يناقشوها، بل هاجموها. لم يسمعوا ألمها، بل فتشوا عن تأويل يجرّ الملك إلى دعائها.
الخالة زليخة لا تحتاج منا إلى شفقة. بل تحتاج إلى احترام، وإلى إنصاف، وإلى أن نقول بوضوح إن كرامتها من كرامتنا، وإن أي مس بها أو بأمهات المعتقلين يمس جزءا من كرامتنا الجماعية. الأم التي حملت وجع ابنها كل هذه السنوات ليست هامشا في القضية، بل هي قلبها الأخلاقي.
وقضية معتقلي حراك الريف لم تعد تحتاج إلى مزيد من العناد. لقد طال الزمن بما يكفي. وما كان يمكن تقديمه باعتباره حزما في لحظة ما، صار اليوم عبئا ثقيلا على صورة الدولة، وعلى الثقة، وعلى معنى الإنصاف.
ليس في العفو عن هؤلاء الشباب ضعف. وليس في إغلاق هذا الملف هزيمة للدولة. الهزيمة الحقيقية أن نترك أمّا تصرخ تسع سنوات ثم نطلب منها أن تخرس.
الدول لا تكبر بقهر الأمهات. ولا تستقر بتحويل الألم إلى جريمة. ولا تحمي هيبتها بمن يلوكون اسم الملك في كل معركة قذرة.
لذلك، كل التضامن مع الخالة زليخة. ليس لأنها أم ناصر، بل لأنها أم مغربية اختبرت أقسى ما يمكن أن تختبره أي أم. ومن حقها أن تسأل، وأن تبكي، وأن تدعو. ومن واجبنا أن نقول لأولئك الذين هاجموها: اخجلوا قليلا.
أما الملك، فإن أكبر إساءة إليه ليست صرخة أم، بل متزلف يريد أن يجعل من تلك الصرخة خصومة معه. أكبر إساءة إليه أن يختبئ الجبناء خلف اسمه وهم يهاجمون أرملة مكلومة.
لقد قالت الخالة زليخة ما تقوله كل الأمهات حين تضيق بهن الأرض: ربّي كبير. وهذه العبارة، في بساطتها، أقوى من كل خطب المتزلفين.
الخالة زليخة لا تبحث عن انتقام، بل عن عدل. ولا تريد إسقاط وطن، بل استرجاع ابن. ولا تهين الملك، بل تفضح من يستعملون اسمه لإهانة الناس.