الحمامة في غرفة الصدى
ما يفعله حزب التجمع الوطني للأحرار هذه الأيام ليس تواصلا بقدر ما هو تمرينٌ يقوم به من ينصت إلى صدى صوته ويعتبره نبضَ المجتمع.
كأن الحزب، وهو يقود الحكومة ويُفترض أن يقترب من الناس أكثر من أي وقت مع دنوّ الاستحقاق الانتخابي، اختار أن يشيّد حول نفسه جدارا عازلا سميكا، ثم يخرج إلينا مُقتنعا بأنه “استمع” و“فتح النقاش”، بينما هو في الحقيقة لم يقم سوى بمخاطبة ذاته، وطمأنة دائرته.
حين ظهرت منصات التواصل الاجتماعي بوعدها الكبير عن “الفضاء العمومي الجديد”، اعتقدنا أن كلا منا سيعثر على الآخرين، وسنخرج من العزلات الصغيرة إلى ساحة أوسع، حيث تتقاطع الآراء وتتصادم الحجج ويُعاد تركيب المعنى.
ثم اكتشف العالم، بالتدريج، أن خوارزميات المنصات الرقمية لا تعشق الصخب الحرّ، بل تفضّل ما يمكن توقّعه. وأنها تُكافئ المحتوى الذي يشبه ما نحب، وتعيد تقديم أفكارنا إلينا في صورة “تفاعل”. وتُقنعنا أننا نناقش الناس، بينما نحن في الحقيقة نسمع النسخة المكرّرة من أنفسنا، محاطة بضجيج المصفّقين لا بضجيج المختلفين.
مفهوم “غرفة الصدى” الذي صاغته أدبيات السلوك الرقمي، صار اليوم نافذة لفهم سلوك سياسي يذكّرنا، بلا كثير عناء، بأن الحزب يمكن أن يتحول هو أيضا إلى مجرّد “مستخدم” داخل منصته الخاصة، مُحاطا بخوارزميات تتولّى انتقاء الحضور، والصورة، والأسئلة، والصحافيين، ثم تصدير نسخة منقّحة من الواقع على أنها الواقع نفسه.
يكفي أن نتأمل افتتاح ما قُدِّم بوصفه الحلقة التواصلية الأولى في “مسار المستقبل”، تلك السلسلة من اللقاءات التي يُراد لها أن تقود الحزب إلى الموعد الانتخابي المقبل الذي تقرر أن يكون يوم 23 شتنبر 2026. قاعة فاخرة داخل قصر مؤتمرات الصخيرات، وحضورٌ منتقى ب”الحبّة” كما يُقال، وديكورٌ مثقل بالمساحيق، يفتقد العفوية التي لا تُصنع ولا تُشترى ولا تُستعار.
والأكثر دلالة من المكان والحضور هو السلوك الإعلامي المحيط بالحدث. ففي نشاط يُفترض فيه أنه تواصلي، لا نقل مباشر، ولا دعوة عامة، ولا مجال لعدسات لا تنتمي إلى الدائرة المضمونة.
لا أثر لشريط كامل يترك الكلام يتدفق بطبيعته مع ما فيه من تعثرات وانفعالات ومفاجآت. بل مقتطفات قصيرة، مقصوصة ومُرتّبة ومُلمّعة، تحمل آثار الإخراج المسبق والتوضيب اللاحق والانتقاء الصارم. كأن الحزب قرر أن يتعامل مع المغاربة كما تتعامل المنصات مع مستخدميها، فلا تترك الصدفة تعمل، ولا سؤالا يخرج عن النص، ولا وجها يقرأ في العيون ما لا تريده الكاميرا.
المفارقة أن هذا المنتوج، رغم كل ما صُرف عليه من ترتيب ومكياج، لا ينجح في ما يفترض أنه هدفه الأول، أي الجذب وإثارة الفضول. لأن الصدق لا يُنتَج في الاستوديو، ولأن الارتباك البشري الذي يزعج المخططين هو بالضبط ما يطمئن الناس إلى أنهم أمام بشر، لا أمام آلات.
مقاطع فيديو وبوستيرات مفرطة التصميم، تثقلها عبارات خشبية، ووضعيات جلوس ووقوف وخطابة توحي بأن ثمة عينا خلف الكاميرا لا صلة لها بالمغرب والمغاربة، عينا تُفكّر بمنطق الصورة التي يجب أن تكون، لا بمنطق الواقع وما هو كائن…
حين تصبح السياسة مجرد مسرح بلا روح ولا رائحة شارع، فإنها تتحول إلى ضوضاء لا معنى لها.
ثم تأتي الفكرة التي أُريد لها أن تؤطر اللقاء لتفضح المسافة أكثر. القطاع المختار هو الصحة، لكن زاوية المعالجة ليست المواطن المريض، ولا الأم التي تنتظر موعدا، ولا الشيخ الذي يطوف بين المستشفيات، ولا الجرحى والمعطوبون والمكلومون الذين يعرفون معنى الدولة حين تتعثر في حقنة أو سرير أو طبيب.
الزاوية هي “مهنيو القطاع”. وكأن السياسة لا ترى البشر إلا عبر الهيئات المنظمة، ولا ترى الألم إلا عبر خرائط النفوذ النقابي والمهني، ولا ترى الحاجات إلا عبر جداول “إكسيل” تحصي من يُمكن أن يُستثمر انتخابيا، لا من ينبغي أن يُنقذ إنسانيا.
وإذا كان هذا المنطق قد خدم الحزب في الانتخابات الماضية، عبر هندسة انتخابية واضحة استثمرت الأعيان وشبكات النفوذ المحلي و”مالين الشكارة” وكل من رأى في السياسة سلّما سريعا للارتقاء الاجتماعي، فإن السؤال اليوم هو “ماذا سيفعل الحزب حين تحترق ورقته الأساسية؟”.
تستطيع أن تربح معركة انتخابية بمنطق هندسة شبكات النفوذ، لكنك لا تستطيع أن تُقنع مجتمعا كاملا أنه شريك وأنت تُخاطبه كأرقام في جدول “إكسيل”.
ومع ذلك، يبدو أن الحزب يُكابر، ويُصرّ على إنكار ما يشعر به الشارع بوضوح، من أن تلك الوصفة التي اشتغلت انتخابيا أظهرت حدودها حين أصبحت واقعا يوميا في الأسعار والكرامة والخدمات والثقة.
في هذا الخضمّ كله تظهر “الحمامة” اليوم محاطة بجدران سميكة لغرفة الصدى، تحاول أن تُقنع نفسها بأنها ما زالت وسط الناس، بينما علامات الانفصال تتكاثر.
عزيز أخنوش، بوصفه “مالكا” للحزب في المخيال العام، ما زال حاضرا في الخلفية كما تقول الوقائع التنظيمية، ويشارك في اجتماعات المكتب السياسي، وهو الذي دفع بمحمد شوكي وزكّاه ونصّبه، لكن حضور الخلفية ليس كحضور الواجهة.
حين يعجز المرء عن مواجهة الأضواء، يلجأ إلى أضواء القاعات، وتقنيات المونتاج، وتفريخ المقاطع القصيرة، وشراء الجمل المكرورة في شكل تعليقات… لكن كل مساحيق العالم لا تُخفي حقيقة أن السياسة في جوهرها مخاطرة تبدأ عندما تقف أمام مجتمعك بلا “فلتر”، وتسمع ما لا تحب سماعه، وتردّ على ما لا تملك له جوابا جاهزا.
لهذا تبدو “مسارات المستقبل” في صيغتها الحالية أقلَّ وعدا بالمستقبل وأكثرَ اعترافا بالخوف منه. فالمستقبل لا يُصنع بغرفة صدى، ولا يُخبّأ في قاعة فاخرة تُقفل الباب على أسئلة الشارع، ولا يُستقبل بتقديم المهنيين على المرضى، ولا بتحويل السياسة إلى حملة علاقات عامة.
المستقبل يُصنع بكسر الجدار بين السلطة والمجتمع، لا بتزيينه. وإلا فإن “الحمامة” ستواصل التحليق داخل الغرفة نفسها، تسمع صدى أجنحتها وتظنه تصفيقا، وتُكرر خطاباتها وتظنها نقاشا، وتُحسن إخراج صورتها وتظنها واقعا… إلى أن يأتي يوم لا تعود فيه الخوارزمية قادرة على حجب الشارع، لأن الشارع، حين يعود، لا يأتي كمقطع قصير، بل كحقيقة كاملة.
ارحل يعني امشي!