story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

الحرب على الضمير

ص ص

أسوأ ما يحدث في هذه الأيام ليس هذا الخراب الذي يتمدّد على الخريطة، ولا هذا الحريق المفتوح الذي يلتهم الشرق الأوسط من خاصرته إلى خاصرته، بل ذلك الخراب الآخر الذي يزحف بهدوء إلى العقول والضمائر والفضاء العمومي.

بروباغندا شاملة، وصاخبة، تريد أن تجرّ المغاربة إلى رأي واحد وموقف واحد وتحليل واحد، كأننا أمام امتحان في الولاء، لا أمام حرب معقّدة تتزاحم فيها المصالح والأكاذيب والدماء.

لا أقصد هنا سلوك الدولة، بما في ذلك إقدامها على منع وقفات احتجاجية، لأنها تظل دولة، لها تقديراتها وحساباتها؛ بل أقصد موجة التخوين والشيطنة التي يخوضها بعض من يفترض فيهم الانتماء إلى نسيج مجتمعي دوره الطبيعي هو إدارة النقاش بعقلانية وانفتاح وتنوّع.

أخطر ما يحصل، في تقديري، أن بعض التداعيات التي بدأت تلوح في المغرب لا تأتي فقط من أسعار النفط، ولا من ارتباك الأسواق؛ بل من هذا الانزلاق المخيف نحو شيطنة الرأي المخالف، وتطبيع فكرة أن من لا يهلّل للرواية الجاهزة فهو مشبوه، أو جاهل، أو مأجور، أو عدوّ مستتر.

الأسعار يمكن أن تنخفض من جديد، أما حين يتهشّم الحسّ الديمقراطي، وتُستباح قيمة الاختلاف، ويُقدَّم التضييق على التعبير بوصفه فضيلة وطنية، فإننا نصبح بصدد إفقار عميق للمغرب نفسه.

لقد كان من بين نقاط قوة المغرب، عبر عقود، أنه يترك مساحة للتعبير، وللتظاهر، وللخلاف المدني حول القضايا الكبرى، حتى حين يكون الموقف الرسمي للدولة في اتجاه، وميول قطاعات واسعة من المجتمع في اتجاه آخر.

ألم تخرج مسيرات شعبية حاشدة في المغرب دعما للعراق في وقت كان الملك الراحل الحسن الثاني يدعم التحالف الدولي ضد نظام صدام حسين بعد غزو الكويت؟

لم ينهَر المغرب حينها، ولم تسقط الدولة لأن الناس تظاهروا وخالفوا، ولم يتحول الاختلاف إلى تهمة. بل إن هذا التعايش بين الموقف الرسمي والتعبير الشعبي كان دليلا على قوة الدولة، لا على ضعفها.

فما الذي تغير اليوم حتى صار بعضنا يتصرف كأنه مُفوّض سماويا لتحديد من يحق له الكلام ومن يجب أن يصمت؟

توقّف كثيرون عند الجزء الأول من عنوان مقالي السابق “ضد إيران”، وراحوا يتعاملون معه كأنه تصريح ولاء مطلق لمحور الحرب الجاري، بينما قلة قليلة فقط انتبهت إلى أن المقصود كان الجزء الثاني تحديدا “وضد إسرائيل”. أي تحرير النقاش من هذه الثنائية الكسولة: إما أن تكون مع إيران كلها، أو ضدها كلها؛ إما أن تبتلع الرواية الإيرانية، أو تسقط بالكامل في الرواية الصهيونية.

يمكن أن تكون ضد إيران، وتنتقد نظامها، وسياساتها، وتمددها، وأوهامها، بل وعدوانها حين يطال دولا عربية شقيقة، دون أن تقع بالضرورة في فخ الرواية الإسرائيلية، ودون أن تُسلّم عقلك للآلة الدعائية الصهيونية التي تسوق هذه الحرب بوصفها عملية جراحية لصالح “العالم الحر” و”تحرير الشعوب”.

المشكلة أن بعض الأصوات عندنا لا تكتفي اليوم بمعاداة إيران، وهذا حقها الكامل، بل تتجاوز ذلك إلى التبشير بانتصار الصهيونية بوصفه خلاصا تاريخيا.

تسمع بعضهم يتحدث عن اليوم التالي لهزيمة إيران كأنه فجر المدينة الفاضلة، حيث ستختفي الشرور، وستنعم المنطقة بالاستقرار، وستزدهر التجارة، وسترتاح الشعوب، وسيهبط الملائكة لإدارة شؤون الشرق الأوسط.

لا يخبرك هذا المبشر الجديد، الذي صدّع رؤوسنا بالأمس بشعار “تازة قبل غزة” واحتقار كل ما هو مشرقي، ماذا سيحدث لأشقائنا في الخليج حين تستفرد بهم إسرائيل بعد إخراج إيران من المشهد. هل ستُترك لهم سيادة كافية ليظلوا شركاء كما هم اليوم؟ هل سيُسمح لهم بقرار مستقل في الأمن والطاقة والعلاقات الخارجية؟

هذا سؤال جوهري، لا يطرحه الحالمون بالضربة القاضية، لأنهم لا يرون إلا الحافة اللامعة للمشهد، ولا يريدون رؤية الوادي السحيق الذي بعدها. أسوأ ما ابتُلينا به في هذا الزمن هم مخلوقات “شاف الربيع ما شاف الحافة”، هؤلاء الذين يقتنصون عبارة أو بلاغا أو إشارة ليبنوا عليها ماكينة ترهيب كاملة ضد المجتمع، ويركبون حتى على موقف الدولة الأخير، وهو موقف منقوص، لأنه أدان رد الفعل الإيراني على استهداف دول الخليج وتغاضى عن الفعل الأصلي، أي العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، ثم يحوّلونه إلى سلاح رمزي لاتهام كل من تجرأ على إدانة العدوان الأول، أو رفض الاصطفاف الأعمى، أو دعا إلى النقاش.

إن الدفاع اليوم عن حق المغاربة في الاختلاف حول الحرب، وفي التظاهر السلمي، وفي إدانة العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وفي الوقت نفسه نقد إيران وسياساتها إن شاؤوا، ليس مسألة “تعاطف” مع هذا الطرف أو ذاك، بل دفاع عن المغرب نفسه وعن صحته السياسية.

أخطر ما يمكن أن نفعله بأنفسنا في لحظة حروب كبرى، هو أن نستورد منها ليس نارها فقط، بل منطق الصوت الواحد، والشيطنة، والاصطفاف القسري، وإلغاء المسافة بين المجتمع والدعاية.

لا أحد يملك أن يحتكر الوطنية، ولا أن يوزع شهادات الفهم أو الخيانة. من حقك أن تكون ضد إيران، ومن حق غيرك أن يدين العدوان عليها، ومن حق ثالث أن يفعل الأمرين معا، ومن حق الجميع أن يناقشوا ذلك علنا بلا ترهيب ولا تخوين ولا ابتزاز رمزي.

هكذا فقط يمكن أن نحمي أنفسنا من التحول إلى جمهور يُستعمل، ثم يُرمى، مع أول تغير في السردية القادمة.

وهكذا فقط نحافظ على واحدة من أجمل ميزات المغرب حين يكون في أحسن حالاته: بلدٌ يتسع للاختلاف، ولا يخاف من النقاش، ولا يخلط بين قوة الدولة وبين صمت المجتمع.

أما الذين يعتقدون أنهم انتصروا لأنهم رفعوا صوتهم أعلى، أو لأنهم وجدوا في الحرب فرصة لترهيب خصومهم الداخليين، فليتأنوا قليلا. الحرب التي باعوها باعتبارها خاطفة وحاسمة بدأت تُظهر ملامح الورطة، والسردية التي بُنيت عليها تتآكل، والواقع أعند من الدعاية.

عندما تهدأ الجلبة قليلا، سيبقى السؤال الحقيقي مطروحا: ماذا فعلنا نحن، كمغاربة، بحريتنا في التفكير والاختلاف ونحن نراقب العالم يحترق؟

هذا هو الامتحان الفعلي، لا مقدار الحماسة التي أبديناها لرواية جاهزة سرعان ما قد تسقط فوق رؤوس أصحابها.