story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

الجمع بين التدريس والمحاماة يشعل الخلاف بين الأساتذة الجامعيين والمحامين

ص ص

في ظل النقاش المتصاعد بين المحامين وأساتذة الحقوق، حول مشروع القانون رقم 66.23 المنظم للمهنة، يتواصل الجدل بشأن السماح للأساتذة الجامعيين بممارسة مهنة المحاماة، بين من يعتبره تهديدا لاستقلالية المهنة وتعارضا مع صفة الموظف العمومي، ومن يراه حقا تاريخيا وإضافة علمية من شأنها تعزيز جودة الدفاع وتطوير الممارسة القانونية.

ويعتبر المحامون أن الجمع بين صفتي “الموظف العمومي” و”المحامي الحر” يضرب في صميم استقلالية الدفاع ويؤدي إلى تضارب الالتزامات الإدارية والمهنية.

وفي مقابل ذلك، يعتبر أساتذة الحقوق أن منعهم من ولوج ممارسة المهنة، يعد “إقصاء لصناع الفقه وتراجعا عن مكتسبات تاريخية، وتجريد للعدالة من كفاءات علمية قادرة على مواجهة تحديات العصر”.

وفي هذا الصدد، يرى حاتم بكار، عضو مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن ممارسة الأساتذة الجامعيين لمهنة المحاماة أمر مرحب به، “كقيمة علمية مضافة”، مشترطا في ذلك تقديم استقالتهم من الوظيفة العمومية، “بهدف ضمان شرط الاستقلالية التامة والانتماء الوحيد للمهنة، بعيداً عن أي تبعية إدارية قد تمس بجوهر عمل المحامي”.

وأوضح حاتم بكار، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة وتتمتع بتنظيم ذاتي، “وهذه الضمانات هي في الأصل موجهة للمتقاضي، الذي يحتاج إلى دفاع مستقل تماما من أجل حماية حقوقه بطريقة مثلى وبعيدة عن أي تأثيرات خارجية”.

وأثار المتحدث في هذا الإطار، إشكالية الالتزامات الإدارية للأساتذة الجامعيين، كون الموظف يخضع لمنطق الإدارة والتزامات اتجاه الطلبة والامتحانات، متسائلا: “كيف يمكن لمن يرتبط بجدول زمن إداري صارم أن يحترم جدول جلسات المحاكم؟”، وأضاف أن الجمع بين المهنتين “سيؤدي حتما إلى التقصير في كلتيهما”.

ومن جانب آخر، توقف المحامي بكار عند ما اعتبره “فرقا جوهريا” بين مرحلة الدراسة والمسار المهني، مبرزا أن الأساتذة الجامعيين، ورغم خلفيتهم كطلبة قانون سابقين، “لم يصلوا إلى مناصبهم مباشرة”، بل سلكوا مسارات أكاديمية شاقة تشمل دبلومات الدراسات العليا والدكتوراه واجتياز مباريات التوظيف لبدء مسارهم المهني المستقل.

وفي هذا الإطار، أكد المصدر أن جميع المسارات المهنية متميزة ومكملة لبعضها البعض دون أية مفاضلة بينها، مبرزا أن “كل مهنة تهدف في نهاية المطاف إلى خدمة الوطن والمواطن”، ومع ذلك، يقول بكار، إن لكل مسار شروطه الخاصة وضوابطه القانونية التي تنظم ولوج الممارسين إليه.

وفي سياق آخر، فند المحامي بهيئة القنيطرة تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الذي عبّر عن تأييده لولوج الأساتذة إلى مهنة المحاماة خلال اجتماع للجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، شهر أبريل المنصرم، واصفا إياها بالمغالطة.

وأكد في هذا الجانب، أن المحامين “ليسوا ضد مزاولة الأساتذة للمهنة من حيث المبدأ”، معتبرا أن منطق الوزير في طرح القضية “يفتقر للمسؤولية التي تفرضها مكانته كمسؤول حكومي وسياسي”.

كما انتقد أيضا بشدة دعوة الوزير للأساتذة من أجل الاحتجاج أمام البرلمان، مشيرا إلى أن دفع الناس للتظاهر من أجل نيل الحقوق “ليس من أدوار المسؤول الحكومي”، موردا أن النضال له طرق مؤسساتية وقنوات نقابية معروفة، “ولا ينبغي تحويله إلى أداة في يد السلطة التنفيذية”.

وخلص عضو مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، إلى أن القبول بمنطق الجمع الحالي بين منصب أستاذ جامعي وممارس لمهنة المحاماة قد يفتح الباب للمطالبة بجمع مهن أخرى، كأن يصبح المحامي قاضيا أو موظفا في آن واحد، لافتا أن صفة “الأستاذ الزائر” التي قد يحملها المحامي لا تمنحه صفة الموظف العمومي الذي يتقاضى أجراً شهرياً، وهو ما يحفظ التوازن المهني.

وفي مقابل ذلك، قال عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي، يوسف الكواري، إن مطلب تمكين أساتذة الحقوق من الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة مهنة المحاماة “يمثل استعادة لحق تاريخي كان قائما قبل عام 1997”.

وأوضح الأستاذ الجامعي في تصريح سابق لصحيفة “صوت المغرب”، أن المنظومة الحالية تسمح للمحامي الحاصل على الدكتوراه بالولوج للتدريس مع الاحتفاظ بمهنته، بينما يُحرم الأستاذ الجامعي من ممارسة المحاماة.

وأضاف في تصريحه أنه “من غير المنطقي السماح للمحامي بالتدريس ومنع الأستاذ الباحث في الحقوق من ممارسة المحاماة، مشيرا إلى أن القضاة كذلك يُسمح لهم بالالتحاق بالمهنة فور تقاعدهم”.

وشدد الكواري على أن “أستاذ الحقوق هو الذي يشرف أصلا على تكوين أجيال المحامين، وبالتالي فإن التشكيك في مؤهلاته لممارسة المهنة هو طرح غير موضوعي”، مبرزا، أن الخبرات القانونية والاستشارات الكبرى في العالم تُسند دائما للأكاديميين والأساتذة الجامعيين.

واعتبر المتحدث ذاته أن انخراط الأساتذة الباحثين في سلك المحاماة “سيشكل دعما نوعيا للمهنة وتعزيزا لخدمة المواطن والشأن العام القانوني، نظرا لدرايتهم العميقة وتخصصهم الدقيق”.

وفي معرض رده على انتقادات بعض المحامين الذين يرفضون هذا المطلب بدعوى أن الأستاذ الجامعي موظف عمومي ولا يجوز له الجمع بين وظيفتين، علق يوسف الكواري بالقول بالقول: إن الجوهر يكمن في السؤال التالي: “هل يمتلك أساتذة الحقوق المؤهلات العلمية والتكوينية لممارسة المحاماة أم لا؟”

وأكد في هذا الصدد، أن أي نقاش يخرج عن إطار “المؤهلات والكفاءة” هو نقاش هامشي، مشددا على أن أساتذة الحقوق هم “أهل الاختصاص”، والتشكيك في قدرتهم على ممارسة المهنة يتناقض مع دورهم كمرجعيات قانونية وخبرات يُلجأ إليها في الاستشارات الكبرى.

وفي المقابل، أعلنت عدد من كليات الحقوق عن رفضها القاطع للمقتضيات التي تكرس حالة التنافي بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية، ضمن مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة.

وفي تحرك أكاديمي منسق، اعتبرت شعب القانون الخاص بالمحمدية على سبيل المثال، أن النظام الأساسي الجديد للأساتذة الباحثين لعام 2023 لا يتضمن أي منع صريح بهذا الخصوص.

وذهبت الشعبة أبعد من ذلك بوصفها رفض الجمع بين المهنتين بأنه “تجريد للفقه من عدته” في مواجهة تحديات العصر، بما فيها تهديدات الذكاء الاصطناعي التي تفرض وجود محامٍ مسلح بتكوين أكاديمي رصين.

وفي سياق متصل، استحضر المكتب المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية الإشارة الملكية المتمثلة في إشراك 13 أستاذا جامعيا في اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، وهي رسالة واضحة تؤكد ضرورة انخراط الكفاءات الأكاديمية في صياغة التشريعات الوطنية الكبرى وعدم حصر دورها في الجانب التدريسي الصرف، بل تمديده ليشمل المساهمة الفعلية في تنزيل البرامج المهنية والسيادية.