الجزائر ضد سويسرا.. نهاية حلم “الخضر” أمام منتخب يعرف كيف يربح
خرج منتخب الجزائر من كأس العالم 2026 بعد هزيمته أمام سويسرا بنتيجة 2-0، في مباراة لم تكن قاسية من حيث النتيجة فقط، بل من حيث الدلالة أيضا. فالجزائر لم تسقط أمام خصم استعراضي أو منتخب فائق النجومية، بل أمام منتخب منظم، هادئ، يعرف كيف يبدأ المباراة، وكيف يحمي تقدمه، وكيف يستغل أخطاء الخصم في اللحظات المناسبة.
سجل بريل إمبولو الهدف الأول لسويسرا في الدقيقة العاشرة، بعد عمل فردي لافت من يوهان مانزامبي، قبل أن يضيف دان ندويي الهدف الثاني في بداية الشوط الثاني، مستفيدا من ارتباك دفاعي جزائري.
وبين الهدفين، حاول المنتخب الجزائري العودة، لكنه لم ينجح في تحويل امتلاكه النسبي للكرة وبعض محاولاته الهجومية إلى ضغط حقيقي على مرمى غريغور كوبل.
أنهت الهزيمة مشوار الجزائر عند أول محطة إقصائية، بعدما كانت قد بلغت دور الـ32 من مجموعة صعبة بدأتها بخسارة ثقيلة أمام الأرجنتين، ثم فوز على الأردن، وتعادل مثير أمام النمسا. لكن مواجهة سويسرا أظهرت أن تجاوز الدور الأول لا يكفي وحده، وأن مباريات الأدوار الإقصائية تحتاج إلى انضباط أكبر، وإلى قدرة أعلى على التعامل مع التفاصيل الصغيرة.
بداية سويسرية أربكت الجزائر
دخلت سويسرا المباراة بوضوح تكتيكي كبير. لم تحتج إلى فترة طويلة لاختبار دفاع الجزائر أو استكشاف نقاط ضعفه. بعد عشر دقائق فقط، صنع يوهان مانزامبي الفارق باندفاعة فردية أربكت الخط الخلفي الجزائري، قبل أن يضع بريل إمبولو الكرة في الشباك، مانحا سويسرا أفضلية مبكرة غيّرت مسار المباراة.
كان هذا الهدف نقطة التحول الأولى. فالجزائر كانت تحتاج إلى بداية متوازنة، تمنحها الوقت للدخول في الإيقاع وإبعاد الضغط عن دفاعها، لكنها وجدت نفسها مبكرا في وضع المطاردة. وأمام منتخب مثل سويسرا، لا يمثل التأخر عائقا رقميا في النتيجة فقط، بل يفتح الباب أمام سيناريو يناسب الخصم تماما، لكي يعتمد نهج الدفاع المنظم، وإغلاق الوسط، وانتظار الأخطاء، ثم ضرب المساحات.
صارت الجزائر مطالبة في وقت مبكر بأن تصنع المباراة لا أن تكتفي برد الفعل. وهذا لم يكن سهلا على منتخب اعتاد في دور المجموعات أن يعيش فترات من الفوضى الهجومية، كما حدث في التعادل 3-3 أمام النمسا. الفارق أن سويسرا لا تمنح الخصم ذلك النوع من المباريات المفتوحة بسهولة.
امتلكت الجزائر الكرة خلال فترات من المباراة، وحاولت عبر رياض محرز وإبراهيم مازا وحسام عوار خلق منافذ هجومية، لكن المشكلة أن هذا الحضور بقي متقطعا وغير كاف لصناعة تهديد مستمر.
السبب الأول أن سويسرا نجحت في عزل مفاتيح اللعب الجزائرية. منح وجود غرانيت تشاكا وريمو فرويلر في الوسط المنتخب السويسري قدرة على إغلاق الممرات، وإجبار الجزائر على تدوير الكرة بعيدا عن المناطق الخطيرة.
كلما حاولت الجزائر الدخول من العمق، اصطدمت بكتلة سويسرية متماسكة، وكلما ذهبت إلى الأطراف، وجدت صعوبة في إيصال العرضيات أو الكرات الثانية بالشكل المناسب.
السبب الثاني أن الجزائر لم تستفد من لحظات سيطرتها القليلة. وفي مباريات خروج المغلوب، لا يحتاج المنتخب الخاسر إلى السيطرة الدائمة، لكنه يحتاج إلى تحويل نصف الفرصة إلى هدف أو على الأقل إلى ضغط نفسي على الخصم. لم تفعل الجزائر ذلك، وبقيت محاولات عوار ومازا ومحرز دون نتيجة.
السبب الثالث أن الهدف الثاني جاء في توقيت قاتل. بداية الشوط الثاني كانت فرصة الجزائر للعودة، لكنها تحولت إلى لحظة تأكيد التفوق السويسري. لم يمنح هدف دان ندويي سويسرا هامش أمان فقط، بل جعل المباراة أقرب إلى مسار مغلق: الجزائر تهاجم دون وضوح كاف، وسويسرا تدافع وتنتظر لحظات الهجوم المضاد.
سويسرا.. منتخب بلا ضجيج
قيمة سويسرا في هذه المباراة أنها بدت مثل كثير من نسخها الحديثة، منتخبا لا يثير ضجيجا كبيرا قبل المباريات، لكنه يملك بنية صلبة، وتجربة، وقدرة على تنفيذ خطة واضحة. لا تحتاج سويسرا إلى الاستحواذ الطويل كي تقنع، ولا إلى عدد كبير من النجوم كي تفرض حضورها.
في الخلف، منحت أسماء مثل مانويل أكانجي ونيكو إلفيدي وريكاردو رودريغيز الفريق قاعدة دفاعية ثابتة. وفي الوسط، وفّر تشاكا وفرويلر وزكريا توازنا بين الافتكاك والتمرير والتحكم في الإيقاع. وفي الأمام، منح إمبولو وندويي وفارغاس ومَنزامبي سويسرا تنوعا بين القوة، السرعة، والاختراق.
هذا المزيج جعل سويسرا تبدو أكثر نضجا من الجزائر. لم تكن بحاجة إلى السيطرة الكاملة، لأنها تعرف كيف تربح بقدر مناسب من السيطرة. ولم تكن بحاجة إلى المجازفة، لأن الهدف المبكر خدم خطتها.
ورغم أن إمبولو وندويي سجلا الهدفين، فإن يوهان مانزامبي كان أحد أهم مفاتيح المباراة. اللاعب الشاب قدم لقطة الهدف الأول بطريقة تختصر كل ما افتقدته الجزائر، أي الجرأة، والسرعة، والقرار المباشر، والقدرة على كسر الخطوط في لحظة واحدة.
في مباريات مثل هذه، يمكن للاعب واحد أن يفتح القفل. ومانزامبي فعل ذلك مبكرا، ومنح سويسرا وضعية مريحة. بعد الهدف، صار حضوره مصدر قلق للدفاع الجزائري، لأن تحركاته لم تكن ثابتة، ولأنه كان قادرا على خلق التفوق في المساحة بين الظهير وقلب الدفاع.
يمنح صعود مانزامبي في هذه البطولة سويسرا بعدا جديدا. فهي لم تعد تعتمد فقط على خبرة تشاكا وإمبولو وأكانجي، بل صارت تملك وجها شابا قادرا على صناعة الفارق في الثلث الأخير.
بالنسبة إلى سويسرا، الفوز على الجزائر ليس نهاية الطريق، بل تأكيد لمسار جيد في البطولة. فالمنتخب السويسري لم يخسر في دور المجموعات، ثم عبر الجزائر بثنائية نظيفة، ليصل إلى دور الـ16 وهو يحمل صورة منتخب متوازن وقادر على الذهاب أبعد مما توحي به شهرته المحدودة.
المباراة المقبلة أمام الفائز من كولومبيا وغانا ستكون اختبارا مختلفا. سويسرا ستواجه خصما يملك على الأرجح سرعة أعلى ومهارة فردية أكبر من الجزائر، لكنها ستدخل اللقاء بثقة واضحة: دفاع مستقر، ووسط مجرب، ومجموعة هجومية بدأت تجد حلولها.
ما يميز سويسرا أنها لا تبدو مرشحة صاخبة، لكنها خصم صعب في بطولة خروج المغلوب. تعرف كيف تبقى داخل المباراة، وكيف تستفيد من الأخطاء، وكيف لا تمنح خصومها فرصا كثيرة للعودة. وهذا النوع من المنتخبات قد لا يثير العناوين الكبرى، لكنه غالبا ما يذهب بعيدا.
الجزائر.. أخطاء لا تُغتفر
لا يمكن قراءة خروج الجزائر دون التوقف عند الجانب الدفاعي. في دور المجموعات، أظهر المنتخب الجزائري قدرة هجومية على العودة وتسجيل الأهداف، لكنه أظهر أيضا هشاشة واضحة في استقبالها.
كان التعادل مع النمسا 3-3 مؤشرا مبكرا على منتخب يملك الشخصية الهجومية، لكنه لا يملك دائما الصلابة الكافية لحماية المباراة.
أمام سويسرا، دفع “الخضر” ثمن ذلك. فالهدف الأول جاء من عجز عن إيقاف اختراق فردي في وقت مبكر، والهدف الثاني جاء بعد ارتباك دفاعي في لحظة كان يفترض أن تكون بداية ضغط جزائري. وهذا النوع من الأخطاء لا يمر في الأدوار الإقصائية. قد تسمح لك مباريات المجموعات بالتعويض، لكن مباريات خروج المغلوب لا تمنحك غالبا فرصة ثانية.
مباراة الجزائر وسويسرا تقول إن المنتخب الجزائري يملك ما يكفي من الفرديات ليكون حاضرا في كأس العالم، لكنه لا يملك بعد ما يكفي من الصلابة للذهاب بعيدا في الأدوار الإقصائية.
الحضور في المونديال يحتاج إلى موهبة، وشجاعة، ونتائج في التصفيات. أما التقدم في المنافسة فيحتاج إلى بنية كاملة، تضم دفاعا منظما، ووسطا قادرا على التحكم، وهجوما فعالا، وبدلاء مؤثرين، وهدوءا في اللحظات الحرجة. وأمام سويسرا، ظهرت الجزائر كمنتخب يستطيع خلق الأمل، لكنه لا يستطيع دائما حمايته.