التمويل الأوروبي لإعمار الحوز يبلغ نحو 11 مليار درهم.. وحقوقيون يتسائلون عن أثره
أعلن بنك الاستثمار الأوروبي تعبئة الشطر الثاني من تمويل مخصص لإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، بقيمة 500 مليون يورو (حوالي 5.4 مليار درهم)، ليرتفع إجمالي التزام المؤسسة المالية الأوروبية إلى مليار يورو(حوالي 11 مليار درهم)، في إطار برنامج تنجزه السلطات المغربية بشراكة مع وكالة تنمية الأطلس الكبير.
ويستهدف التمويل الجديد، بحسب البنك، دعم إعادة بناء وتأهيل البنيات التحتية الأساسية، من طرق ومدارس ومرافق صحية، وفق معايير مقاومة للزلازل وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، معززة بمساعدات تقنية وبرامج للإدماج الاجتماعي والمساواة بين الجنسين. وقد سبق للبنك أن قدم في أكتوبر 2024 شريحة أولى بقيمة 500 مليون يورو.
غير أن الإعلان عن هذا التمويل يتزامن مع استمرار انتقادات حقوقية ومدنية بشأن حصيلة إعادة الإعمار بعد نحو ثلاث سنوات من الزلزال الذي ضرب، في شتنبر 2023، الحوز ومناطق واسعة من الأقاليم المجاورة.
وفي هذا الصدد، اعتبر عمر أربيب، نائب رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن ضخ تمويلات جديدة يثير مجدداً سؤال أثر الاعتمادات المالية الكبيرة التي تم رصدها منذ وقوع الكارثة على أوضاع السكان المتضررين وعلى وتيرة إعادة الإعمار.
وقال أربيب، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن “المعطيات الرسمية التي تتحدث عن إعادة إسكان 98 في المائة من المتضررين، وإنهاء مرحلة الخيام بشكل كامل، لا تعكس الواقع الميداني كما هو”، معتبراً أن هذه الأرقام “ليست حقيقية وأنها لا تجد ما يؤكدها على أرض الواقع”، كما أن الاحتجاجات المتواصلة التي ينظمها متضررون أمام البرلمان ومقرات السلطات “تشكل مؤشراً على استمرار اختلالات مرتبطة بملف الإعمار”.
وأكد المتحدث أن ملف الزلزال ما زال يعاني من غياب الشفافية، “سواء فيما يتعلق بالمستحقات المالية المخصصة للمتضررين أو بطريقة صرف الاعتمادات التي تمت تعبئتها منذ وقوع الكارثة”.
وأشار إلى أن البنيات التحتية الأساسية بالمناطق المتضررة “ما تزال تعرف تعثراً واضحاً”، موضحاً أن عدداً من المؤسسات التعليمية “لم يكتمل بناؤها رغم اقتراب موسم دراسي جديد، فيما توقفت الأشغال في مدارس أخرى منذ الصيف الماضي”.
وأضاف أن حاويات “جرى وضعها لتكون أقساماً مدرسية مؤقتة ما تزال مغلقة ولم يتم استغلالها، بدعوى عدم مطابقتها لدفاتر التحملات”، معتبراً أن ذلك حرم التلاميذ من الاستفادة منها رغم الحاجة إليها.
كما تحدث أربيب عن وجود دواوير لم تنطلق فيها، بحسب قوله، مشاريع إعادة البناء بالشكل المطلوب، مشيراً إلى أن بعضها “لم توضع فيه حتى حجرة واحدة” في إطار إعادة الإعمار.
وعلى مستوى الدعم المباشر للأسر، قال رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان -مراكش المنارة إن المبلغ الذي جرى الإعلان عنه في البداية لإعادة البناء، والمحدد في 140 ألف درهم، “لم يصل فعلياً إلى عدد كبير من المتضررين”، مضيفاً أن الأغلبية استفادت، بحسب المعطيات التي يتوفر عليها، من 80 ألف درهم فقط.
وتحدث المتدخل عن “إقصاء” آلاف الأسر من الاستفادة من الدعم، خاصة بإقليمي الحوز وتارودانت، مبرزاً أن عدداً من الملفات “رُفضت لأسباب مختلفة، من بينها اعتبار استفادة أحد أفراد الأسرة مانعاً لباقي أفرادها من الاستفادة، حتى في الحالات التي يتعلق فيها الأمر بأسر مستقلة ومتضررة”.
وتوقف أربيب عند أوضاع النساء الأرامل المتضررات من الزلزال، قائلاً إن بعض الحالات “جرى إلحاقها بأسر أخرى أو تجميعها داخل بقع أرضية صغيرة تتراوح مساحتها بين 50 و70 متراً مربعاً، تم تقسيمها بين مستفيدتين، بحيث لم تتجاوز المساحة المبنية لكل واحدة نحو 35 متراً مربعاً”، مضيفاً أن المستفيدات “لم يتوصلن بالدعم المالي المباشر”، وهو ما اعتبره مساساً بالكرامة الإنسانية.
ووجه المتحدث انتقادات حادة إلى وكالة تنمية الأطلس الكبير، معتبراً أنها “لا تخضع للمساءلة البرلمانية أو للمراقبة المالية بالشكل المطلوب”، وهو ما يطرح، بحسب تعبيره، إشكالاً يتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة وبشفافية تدبير الأموال العمومية.
وتساءل أربيب عن أثر الموارد المالية الضخمة التي تمت تعبئتها منذ الزلزال، مستحضراً القروض والتمويلات الدولية والصندوق الخاص بتدبير آثار الزلزال والمساعدات الخارجية والتعويضات التأمينية المرتبطة بإعلان المناطق منكوبة.
واعتبر أن هذه الاعتمادات المالية، التي وصفها بـ”الخيالية”، كان يفترض أن ينعكس أثرها بشكل واضح على البنيات التحتية والسكن والخدمات الأساسية بالمناطق المتضررة، متسائلاً عن أسباب استمرار مظاهر الهشاشة والتعثر بعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات على الكارثة.
وبخصوص مدينة مراكش، قال أربيب إن أحياء من المدينة القديمة، وعلى رأسها حي الملاح، “لم تشهد أشغال إعادة بناء حقيقية بالوتيرة المنتظرة”، مشيراً إلى أن “عدداً من السكان اضطروا إلى مغادرة منازلهم نحو مساكن للكراء دون أن يتمكنوا من العودة إليها”.
كما أشار إلى أن الأشغال الجارية ببعض المواقع القريبة من ساحة جامع الفنا وزنقة الأبناك تعرف تأخراً كبيراً، مضيفاً أن “جزءاً منها يتم إنجازه بمبادرات خاصة من الملاك أنفسهم”.
وفي ملف المنازل الآيلة للسقوط، اعتبر المتحدث أن الزلزال وما أعقبه من أمطار ورياح “فاقم من هشاشة عدد من البنايات، مما أدى إلى تسجيل حوادث وضحايا”، منتقداً غياب حلول استباقية لتفادي وقوع مآسٍ جديدة.
كما اتهم أربيب الجهات المكلفة بالمراقبة التقنية بعدم القيام بالمعاينات الميدانية اللازمة في بعض الحالات، معتبراً أن “المصادقة على دفعات الدعم تتم أحياناً اعتماداً على صور يتم إرسالها عن بعد”، وهو ما قال إنه “يفتح المجال أمام التلاعب ويطرح أسئلة حول مراقبة صرف المال العام”.
وفي تقييمه العام لمسار إعادة الإعمار، قارن أربيب بين تعثر هذا الورش ومشروع “مراكش الحاضرة المتجددة”، الذي انطلق سنة 2013 وكان يفترض أن ينتهي سنة 2017، لكنه استمر لسنوات إضافية، معتبراً أن “وتيرة الإنجاز الحالية تجعل استكمال ورش إعادة الإعمار داخل الآجال المعلنة أمراً محل تساؤل”، متوقعاً أن يستمر ملف الزلزال لـ20 عاماً بدلاً من موعد 2027 الذي حددته الحكومة.
ويخلص نائب رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى أن استمرار الاحتجاجات السلمية للمتضررين أمام البرلمان وفي عدد من المدن يشكل “دليلاً على وجود فجوة بين الرواية الرسمية التي تتحدث عن تقدم كبير في إعادة الإعمار وبين ما يعيشه العديد من المتضررين على أرض الواقع”.
من جهته، يرى الناشط الحقوقي والرئيس السابق لتنسيقية المتضررين من زلزال الحوز، سعيد آيت مهدي، أن حصيلة إعادة الإعمار لا يمكن تقييمها فقط من خلال عدد المساكن التي شُيدت، بل أيضاً من خلال مدى ملاءمتها لخصوصيات المنطقة الجبلية وأنماط عيش سكانها.
وقال آيت مهدي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن المقاربة المعتمدة في البناء “لم تراعِ الخصوصيات المعمارية والاجتماعية للمناطق المتضررة”، معتبراً أن القرى الجبلية كان ينبغي أن يُعاد بناؤها وفق معمارها التقليدي الذي يتلاءم مع طبيعتها الجغرافية واحتياجات سكانها.
ووصف المتحدث عدداً من المساكن الجديدة بأنها أقرب إلى “صناديق سكنية”، معتبراً أنها تفتقر إلى بعض المرافق التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من البناء التقليدي بالمنطقة، وعلى رأسها “القبو” أو الفضاء السفلي المخصص لإيواء المواشي، والذي يرى أنه عنصر ضروري في عدد من الدواوير الجبلية بإقليم الحوز.
كما اعتبر أن الدعم المالي المخصص لإعادة البناء “لا يتناسب مع الكلفة الحقيقية للبناء في المناطق الجبلية، في ظل ارتفاع أسعار المواد وصعوبة النقل وظروف الإنجاز”، مشيراً إلى أن عدداً من الأسر “وجدت نفسها مضطرة إلى بيع أبقارها وماعزها وممتلكات أخرى لتوفير الموارد اللازمة لاستكمال بناء مساكنها”.
وتساءل آيت مهدي عن مصير المليارات التي جرى الإعلان عن تخصيصها لإعادة الإعمار، معتبراً أن أثر هذه الأموال لا يظهر، وفق تعبيره، “لا على أرض الواقع ولا في الظروف المعيشية للمتضررين”.
وفي ما يتعلق بملف الخيام، قال المتحدث ذاته إن هناك “سعياً إلى إفراغ مناطق الحوز من الخيام بأي ثمن من أجل إظهار أن الأزمة انتهت”، مضيفاً أن بعض المتضررين “جرى نقلهم إلى أماكن غير لائقة ولا تستجيب لشروط العيش الكريم”.
كما توقف عند أوضاع الفئات الهشة، وعلى رأسها الأرامل والأيتام، معتبراً أن عدداً منهم “ما يزال يعيش أوضاعاً صعبة، وأن بعضهم لا يتوفر على مأوى أو يواجه صعوبات في تأمين متطلبات العيش اليومي”.
ويرى آيت مهدي أن الواقع الذي تعيشه فئات من المتضررين يكشف، من وجهة نظره، عن فجوة كبيرة بين الوعود والاعتمادات المالية التي تم الإعلان عنها منذ الزلزال وبين النتائج الملموسة على الأرض، منتقداً ما اعتبره “تركيزاً على إظهار نهاية الأزمة أكثر من معالجة آثارها الاجتماعية والاقتصادية بشكل فعلي”.