التشهير.. سلاح حروب النشر الفتّاكة
لم يكن التشهير يوما بالقوة التي هو عليها اليوم، في ظل ما تُوفره شبكات الإعلام الرقمي من سهولة في نشر المعلومات والآراء وسرعة تداولها على نطاق واسع وفي ظرف وجيز، مقابل تراجع حضور «حُرّاس البوابة» التقليديين وأهميتهم؛ إذ صارت ضغطة زرّ كافية لتحويل ادعاء غير موثّق إلى حقيقة افتراضية، كما قد تصنع صورة أو فكرة مجتزأة إدانةً جماعيةً قبل أي قرار قضائي.
وعلى الرغم من الفرص الكبيرة التي أتاحها التطور التكنولوجي والإعلام الرقمي لتعزيز حرية الرأي والتعبير، ونشر الأنباء وتلقيها دون اعتبار للحدود، باعتبارها حقا من حقوق الإنسان كما تنص على ذلك المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن هذا التحول أدى إلى ما يُمكن تسميته بـ«السِّيبة الرقمية أو حروب النّشر الفتاكة بلا قواعد».
ففي غفلةٍ من سياسات أو شروط النشر التي تضعها شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية الإعلامية الكبرى كـ«الفيسبوك، التيك توك، اليوتيوب..»، أو بالتحايل عليها، يُطلق المُشّهر كذبة أو حتى حقيقة تمس بحميمية الأفراد وخصوصياتهم غير المرتبطة بالشأن العام، فيُشعل حربا رقمية مفتوحة، بلا نهاية، وغير معروفة العواقب.
إنها مأساة سهولة النشر.
إنها لذة النقر والتفاعل.
إنها رعشة الانتشار.
إنها غواية البطولة.
دونكيشوط في حلة جديدة؛ في حُلة رقمية، يُشهر سيفه في وجه طواحين الخوارزميات، ويخوض حربا دائرية لا تنتهي.
كانت عملية النشر في الإعلام التقليدي مُعقدة؛ إذ لا بد أن تمر المعلومة أو الرأي عبر عدة بوابات (بوابة الصحافيين؛ ثم منسقو التحرير، ثم رؤساء التحرير، ثم مديرو النشر..)، قبل أن تصل إلى القارئ أو المتلقي. وكان ذلك، على الرغم من بروقراطياته أو حتى ديكتاتوريته، يفرض نوعا من التحقق والتدقيق وسهولة تحديد المسؤولية، لكن اليوم، في زمن حلول الخوارزميات محل المدقق والمحرر، أصبح النشر في متناول الجميع، وتشابكت المسؤوليات.
إن الخوارميات لا تسأل عن الأدلة، لا تعرف قُدسية الحياة الخاصة، ولا تُبالي بالطابوهات والمنظومات الأخلاقية للمجتمعات، ولا تهتم بمأساة الإنسان؛ بل تُطارد التفاعل وقابلية الانتشار، وكلما كان المحتوى مثيرا، صادما، فضائحيا، عاطفيا، ارتفعت احتمالات تداوله.
لهذا يلجأ المحاربون/الناشرون أو الإعلاميون الرقميون، غير المحكومين في الغالب بأي خلفية أكاديمية أو أخلاقية، إلى إطلاق قذائف تفتك بالخصوصية بشكل صادم، وتُثير رغبة في الرد السريع وخوض حروب طاحنة.
والمثير في العالم الرقمي، أن نشر الأمور الحميمية أو الخصوصيات لا يأتي دائما من الآخر، بل يكون أحيانا بقرار من المعني بها، الذي يُشاركها على حسابه في «الفيسبوك» أو «التيك توك» أو قناته على «اليوتيوب»، أو عبر أي حامل رقمي، قبل أن يتلقى موجة من التفاعل، سواء كان سلبيا أو إيجابيا.
وطبعا، من الناحية القانونية في التجربة المغربية، حينما يكشف الفرد صوره أو معطيات عن حياته الخاصة للصحافة أو الإعلام، فإنها تخرج من دائرة الخصوصية إلى الفضاء العام، وتصبح ملكا للعموم، وفقا للمادة 90 من قانون الصحافة والنشر.
وعليه، قد لا يحقّ له «التباكي» أو العزف على أوتار المظلومية إذا أصبح حديث الألسن ومحطّ «التقشاب والنهش الرقمي»، مادام أنه هو من قرر كشف خصوصياته بنفسه٬ في لحظةٍ يبحث فيها، في الغالب، عن بركة النقرات أو عائدات «غوغل أدسنس».
إن الفرد الذي يكشف خصوصياته وأمور أسرته لاستجداء عطف الجمهور والحصول على ما تيسّر من العائدات المالية، قد ينال، إلى جانب ذلك، سخرية وتنمرا. وكما يقول المثل «اللّي صرفقتُو يديه ما يبكيش».
وعموما يبقى التشهير سلاحا فتاكا في حروب النشر الرقمية، وفعلا إجراميا قد يقود صاحبه إلى السجن، في حالة توفر الشروط القانونية الشكلية والموضوعية.
وحسب الفصل 2-447 من مجموعة القانون الجنائي المغربي، فإن «كل من قام بأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، ببث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته، أو قام ببث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة، بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم»، قد يُعاقب بـ«الحبس من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم».
وفي حالة العود أو في حالة ارتكاب هذه الجريمة من طرف الزوج أو الطليق أو الخاطب أو أحد الفروع أو أحد الأصول أو الكافل أو شخص له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلف برعايتها أو ضد امرأة بسبب جنسها أو ضد قاصر، فإن العقوبة، حسب الفصل 3ـ447، هي الحبس من سنة واحدة إلى خمس سنوات وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم.
وعلى الرغم من قسوة العقوبة الجنائية ضد المُشهّرين التي قد تصل إلى خمس سنوات حبسا نافذا، إلاّ أن الشبكات الرقمية تعج بمحتويات تشهيرية، وهو ما يفرض طرح السؤال التالي: لماذا؟
والجواب السريع يُمكن تلخيصه في الفكرة التالية: غياب التربية الإعلامية والقانونية أو ضعفها؛ إذ أن الزجر الجنائي، المحكوم بشكليات معقدة (لا بد من تقديم شكاية عادية ضد المشهر العادي، ولا بد من تقديم شكاية مباشرة إذا كان المشهر صحيفةً، ناهيك عن مسؤولية حراس البوابة الجدد [الشركات الرقمية الكبرى] عن عملية النشر)، لن يحل معضلة التشهير، وإنما الوعي القانوني بمسؤولية النشر وأساسيات التعاطي مع المعلومات والأفكار والآراء في «فضاء سائل/سريع» قد يُسهم في عقلنة وتقليل الحروب الرقمية الفتاكة.
وعليه، يبدو أنه آن الأوان، أكثر من أي وقت مضى، أن يعمل واضعو السياسات العمومية على إدراج مواد في العلوم الإعلامية والقانونية لفائدة التلاميذ المغاربة، في المدارس العمومية، لعل وعسى أن ينقذ الجيل المقبل من دائرية حروب التشهير.
* المحفوظ طالبي