الاستقلال.. خيار ثالث
حين نُفكّر في انتخابات 2026، نُسارع تلقائيا إلى ثنائية تُقدَّم لنا كأنها قدرٌ سياسي، يجسّدها كل من التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، كأن الساحة لا تتّسع إلا لتوأم حزبي الدولة، بينما يقبع حزب الاستقلال، الثالث في المشهد، متوثّبا لاستعادة صدارة سبق أن ظفر بها في سياق لا يختلف كثيرا، أحاط بانتخابات 2007.
لا يبدو حزب التجمع الوطني للأحرار، في الحقيقة، مقبلا على مجرد تغيير رئيس بآخر. لأن عزيز أخنوش لم يكن يوما “مناضلا” صعد داخل قواعد الحزب ثم تصدّر به المشهد. أخنوش كان ـ ولا يزال ـ رأساً أكبر من الجسم، ورمزا يفوق التنظيم حجما.
لذلك فإن خروجه “مُكرَها” من صدارة المشهد لن يُنتج أثرا تنظيميا فقط، بل سيُحدث ارتجاجا في شبكة مصالح دقيقة، تتغذّى من موقع الرجل ومن قدرته على الجمع بين السلطة والوساطة والتمويل.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقصته أعقد. هو حزبٌ حاول أن يربح الزمن، لكنه لم ينجح تماما في التخلص من “خطيئة النشأة”، مهما مرّ من وقت ومهما تغيّرت الوجوه.
والسياق الذي جرى فيه “إخراج” أخنوش من صدارة المشهد ـ المرتبط بما بات يوصف باحتجاجات “جيل Z” وارتداداتها على حسابات الدولة ـ يجعل الرهان على تصعيد ال”بام” إلى قيادة الحكومة مخاطرة إضافية، لأن الذاكرة السياسية في المغرب تشتغل بمنطق التحذير: هذا الحزب نفسه سبق أن طوّحت به موجة 20 فبراير، ومن الصعب “وضعه” في الواجهة الأولى دون كلفة اجتماعية ورمزية.
ثم هناك السوابق الجديدة، والثقيلة، لتزيد من تلطيخ الصورة. المحكمة الدستورية “أسقطت” قانونين كبيرين وحيويين قدّمهما وزيران باسم الحزب. البداية كانت مع مقتضيات من قانون المسطرة المدنية الذي قدّمه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وإسقاطٌ ثانٍ، أشدّ إحراجا سياسيا، طال مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة الذي حمله وزير الثقافة والشباب والتواصل محمد المهدي بنسعيد. وحين تتكرر “المخالفات الدستورية” في قوانين كبيرة وحساسة، فإن الحزب لا يخرج منها كمن خسر جولة تقنية، بل كمن أضاف إلى رصيده تهمة جديدة: الجرأة على الثوابت الدستورية باسم الإصلاح.
ثم نجد فوق ذلك ملفات أخرى تُرهق صورة حزب الجرار في المخيال العام، منها ما يرتبط بقضية “اسكوبار الصحراء” وما تثيره من حساسيات سياسية وأمنية وإعلامية.
هنا بالضبط يظهر حزب الاستقلال كخيار ثالث محتمل، لا لأنّه “الأفضل” أخلاقيا، ولا لأنه يملك عصا سحرية، بل لأنه يملك الشروط البراغماتية التي تجعل الدولة والمجتمع معا قادرين على تقبّله دون صدمة، وقادرين على التعايش معه دون احتقان.
إنه حزبٌ لا يُفزع الدولة لأنه جزء من ذاكرة الحكم والتدبير، ولا يُفزع المجتمع لأنه يملك لغة سياسية تاريخية يمكن أن تُسوَّق كعودة إلى التوازن (والتعادلية) بدل القفز في المجهول.
الأرقام نفسها تقول الكثير. في انتخابات 8 شتنبر 2021، حقق حزب الاستقلال قفزة من 46 مقعدا إلى 81 مقعدا، في الوقت الذي تصدّر فيه الأحرار النتائج بـ 102 مقعد، وجاء “البام” ثانيا بـ 86 مقعدا، أي أنه حلّ ثالثا لكن بفارق قابل للتدارك.
لم تكن هذه القفزة تفصيلا، لأنها حصلت دون أن يكون الاستقلال هو الحزب “المدلّل” الذي حظي بما حظيت به ماكينة الأحرار وامتداداته، ودون أن يكون هو الحزب الذي جرى تقديمه كقطب ثانٍ جاهز كما وقع مع “البام”. وهذا يعني شيئا واحدا: الحزب يملك قدرة تعبئة حقيقية، ويعرف كيف يحوّل اللحظة إلى رصيد.
ثم إن الاستقلال يجيد ـ تاريخيا ـ توظيف الموقع الحكومي لتعزيز المخزون الانتخابي. وقد حرص خلال الولاية الحالية على أخذ مسافة من “شبهات” الحكومة، وأفلح بحسّ سياسي عال، في انتزاع “شرف” قيادة حملة “الفراقشية” حتى من المعارضة. وهذه مهارة انتخابية خالصة، تسمح لك بأن تكون داخل السلطة وخارج كلفتها الرمزية في الوقت نفسه.
هناك أيضا عامل التنظيم الذي يجعل حزب الاستقلال أحد أكثر الأحزاب قوة من حيث التماسك الداخلي في الوقت الراهن.
فقد خرج نزار بركة من المؤتمر الأخير أقوى مما دخل. ليس لأنه أُعيد انتخابه أمينا عاما فقط، بل لأن قيادة الحزب فرضت انضباطا داخليا أكبر، تجلى في المصادقة على لائحة اللجنة التنفيذية التي أعدّها وقدّمها الأمين العام بعيدا ضغط المؤتمر.
تمكّن من مقاليد الحزب يربطه كثيرون بتمتّع بركة بدعم “فوقي” واضح، تجسّد بشكل خاص في لحظة المؤتمر، ليس بالضرورة بمعناه الفجّ، بل بمعنى كون الرجل يجمع خاصيتين نادرتين في المرحلة: القرب من عقل الدولة، والشرعية الحزبية التاريخية والميدانية. وهذه خلطة تُنتج رئيس حكومة “مقبولا” في زمن الحساسية الاجتماعية، لأن الاستقرار يحتاج وجها لا يثير التوتر، وفي الوقت نفسه لا يبدو مجرد واجهة تقنية أو “مصطنعة”.
ثم هناك معطى لا يمكن القفز عليه: الاستقلال يملك امتدادات داخل النخبة الاقتصادية، ويحافظ على قنوات تمثّلها مثل رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين، ما يجعله مؤهلا لاستيعاب جزء من النخب التي بات واضحا أنها الأقرب إلى الاختيارات التدبيرية للدولة.
وأقوى أوراق الحزب اليوم، وربما أكثرها حساسية، هي ورقة الصحراء. الاستقلال يملك حضورا وازنا في الأقاليم الجنوبية، يتجلّى في موقع “آل الرشيد” في هذه الأقاليم وداخل مؤسسات الدولة، وصولا إلى رئاسة مجلس المستشارين بمحمد ولد الرشيد.
وفي سياق إقليمي ودولي يتغير بسرعة، وحيث ملف الصحراء يعيش تحولات نوعية بعد قرار مجلس الأمن يوم 31 أكتوبر 2025 الذي اعتُبر لدى الرباط مكسبا دبلوماسيا داعما لمقترح الحكم الذاتي، تصبح هذه الورقة عالية التأثير في ترتيب القيادة السياسية المقبلة.
وإذا كانت الكواليس تعرف حديثا متواترا عن “رغبة” في عودة العدالة والتنمية إلى المشاركة في التدبير، باعتباره يحتفظ بكتلة انتخابية منظمة، وعنصر “اشتباك” مع الاحتجاج الاجتماعي يمكنه أن يلعب دور صمام أمان، فإن السؤال يصبح: من يستطيع أن يستوعب هذه العودة دون أن يدفع الحزب ثمنها باهظا؟
هنا يبدو الاستقلال مرة أخرى أقرب سياسيا وإيديولوجيا إلى إنجاز هذه المعادلة من سيناريوهات أخرى أكثر توترا، ومنها ما راج عن إمكانية تحالف ال”بام” والمصباح، وهو سيناريو قد يُحدث هزة داخلية جديدة لحزب لم يتعاف بعد من جرح التطبيع الذي وقّعه أمينه العام السابق، سعد الدين العثماني، بصفته رئيسا للحكومة.
الخلاصة أننا أمام احتمال واقعي لأن تكون انتخابات 2026 أكثر من “مباراة ترتيب” بين حزبين، بل محطة للبحث عن مخرج ثالث.
الأحرار قد يدفع ثمن “فصل الرأس عن الجسد”، وال”بام” قد يدفع ثمن خطايا قديمة تتجدد كلما اقترب من السقف؛ وفي الوسط، يقف حزب الاستقلال كحلّ أقل مخاطرة.
حزبٌ يملك نتائج انتخابية صاعدة، وتنظيما أكثر تماسكا، وواجهة قيادية قابلة للتسويق كمزيج من منطقي الدولة والحزب، وأذرعا اقتصادية نافعة، وورقة صحراء ثقيلة، وقابلية أعلى لتركيب تحالفات تُعيد بعض التوازن إلى مشهد يزداد هشاشة…
لنتابع!