الأحزاب تركت الملك وحيدا!
منذ الإعلان عن نتائج انتخابات 23 شتنبر، ونحن نتابع، بكثير من الجدية وربما بكثير من الحماس أيضا، تفاصيل ولادة حكومة جديدة، ونتساءل يوميا من سيدخلها ومن سيخرج منها، وكم مقعدا يحتاج هذا التحالف أو ذاك حتى يعبر عتبة الأغلبية. وهذا طبيعي، بل هو ما يفترض أن تنتجه حياة سياسية تقوم على الانتخابات والمؤسسات والتداول على المسؤولية.
لكن بينما ننشغل نحن بهذه التفاصيل، تتحرك حول المغرب، وفي ملفات تمسّ وجوده ومصالحه الاستراتيجية مباشرة، أشياء من حجم آخر تماما.
تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الجديد حول الصحراء، لا يقول بالضرورة إن المغرب خسر نقاطا في المعركة، بل يحمل، على العكس، عناصر مهمة جدا لصالح المقاربة المغربية، في مقدمتها أن مقترح الحكم الذاتي أصبح أساسا فعليا للمفاوضات التي استؤنفت للمرة الأولى منذ سبع سنوات، وأن المغرب قدّم مشروعا مفصلا لنظام الحكم الذاتي، وأن النقاش انتقل عمليا إلى تفاصيل المرحلة الانتقالية وتقاسم الصلاحيات والضمانات والترتيبات الأمنية.
لكن التقرير نفسه يتحدث، باللغة الأممية التي لا يمكننا أن نختار منها ما يعجبنا ونترك ما يزعجنا، عن مجلس انتقالي، وعن “تشاور ذي مغزى مع الشعب الصحراوي”، وعن تقرير المصير، وعن ضمانات دولية قوية، بل وعن حرية قبول التسوية المقترحة أو رفضها.
يمكننا طبعا أن نشرح، وبحق، أن فكرة المجلس الانتقالي ليست جديدة، وأنها موجودة أصلا في المبادرة المغربية للحكم الذاتي منذ 2007، وأن الاستشارة الشعبية ليست مرادفا آليا للاستفتاء القديم الذي كان يفترض الاختيار بين الاندماج والاستقلال، وأن أهم ما في التقرير هو انتقال التفاوض من سؤال “هل يكون الحكم الذاتي أساسا للحل؟” إلى سؤال “أي حكم ذاتي، وبأي صلاحيات وضمانات وترتيبات؟” وهذا كله صحيح ومهم.
لكن السياسة الجادة لا تبدأ من البحث عما يطمئننا في الوثائق، بل من قراءة ما تضعه أمامنا من أسئلة ومخاطر واحتمالات. والتقرير يقول بوضوح إن المعركة دخلت منطقة أكثر تعقيدا من مجرد جمع الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء أو تسجيل المواقف المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي.
هذا ما يحدث جنوبا، أما في الواجهة الشمالية من بلادنا، فيستعد الملك الإسباني فيليبي السادس وزوجته لزيارة سبتة يوم 13 أكتوبر ومليلية في اليوم الموالي، في أول زيارة له إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش، وهي زيارة تم الاتفاق عليها بين القصر الملكي الإسباني والحكومة، أي أنها ليست نزوة بروتوكولية لملك، بل قرار دولة إسبانية بكامل مؤسساتها.
وقبل الإعلان عنها بأيام فقط، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مدريد ليقول إن إسبانيا وأوروبا كانتا “ضحية هجوم” في أحداث سبتة الأخيرة، وإن إسبانيا لم تكن هي التي نظمت عمليات العبور، قبل أن يدعو إلى مزيد من التضامن الأوروبي معها.
ضعوا الآن الصورتين إحداهما مقابل الأخرى. في الصورة الأولى، لدينا انتخابات نظمت وفق دستور 2011، وحزب تصدّر النتائج، وملك احترم المنهجية التي أرساها الدستور وعيّن رئيسة للحكومة من الحزب الأول، وأحزاب تتفاوض حول تشكيل أغلبية جديدة.
وفي الصورة الثانية، نزاع الصحراء يدخل مرحلة تفاوضية دقيقة، وجاران أوروبيان كبيران يعيدان تثبيت مواقفهما حول حدود المغرب الشمالية، ودولة مثل فرنسا تختار، في لحظة شديدة الحساسية، قاموسا يجعل إسبانيا في موقع “الضحية”، بينما يتحرك مجلس الأمن والأمم المتحدة والولايات المتحدة لرسم معالم تسوية ستحدد واحدة من أكثر القضايا مصيرية بالنسبة إلى المغرب.
والسؤال هنا ليس إن كانت مشاورات تشكيل الحكومة تستحق المتابعة. فهي تستحقها بالتأكيد. بل السؤال هو ماذا تضيف السياسة الداخلية والانتخابات إلى قوة المغرب في مواجهة هذه القضايا؟
كتبت قبل سنوات، عن نقاش جرى داخل البرلمان حين ربط عبد الله بوانو بين انتصار المغرب في قضية الصحراء وبين استكمال مساره الديمقراطي، فاعترض عبد اللطيف وهبي وقتها على هذا الربط، معتبرا أن الدفاع عن القضية الوطنية شيء والمسار الديمقراطي شيء آخر. كان الخلاف يومها يبدو حزبيا وعابرا، لكنه كان يخفي سؤالا أكبر بكثير: هل الديمقراطية مجرد شأن داخلي يخص علاقتنا بصناديق الاقتراع، أم أنها جزء من القوة التي يدخل بها المغرب إلى معاركه الخارجية؟
الأرجح عندي أن الفصل بين الأمرين هو الذي كان خاطئا منذ البداية. فحين وقف وزير الداخلية ليلة إعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر ليبرز نسبة المشاركة المرتفعة في الأقاليم الجنوبية، كان يعرف لماذا يختار هذه الأرقام تحديدا. والرسالة مفهومة ومشروعة، ومفادها أن سكان هذه الأقاليم يشاركون في المؤسسات المغربية ويختارون ممثليهم داخلها.
لكن هل هذا كل ما تستطيع الديمقراطية المغربية أن تقدمه لقضية الصحراء؟
هل نحتاج الانتخابات في الصحراء فقط لنرفع نسبة المشاركة في وجه خصومنا، أم نحتاج ديمقراطية مغربية قوية في الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة ووجدة… لأنها تمنح الدولة كلها مصداقية أكبر حين تقول للعالم إن الحكم الذاتي الذي تقترحه ليس ترتيبا إداريا يمنح من الأعلى، بل امتداد طبيعي لنظام سياسي يؤمن أصلا بالمشاركة والاختيار والمحاسبة وتوزيع السلطة؟
في مقابلة حديثة أجريتها مع علي بوعبيد، استعاد الرجل فكرة أن قضية الصحراء نفسها كانت، منذ منتصف السبعينيات، واحدة من القوى التي دفعت المغرب إلى الخروج من سنوات الاستثناء والعودة إلى المؤسسات، وكأن هناك معادلة ضمنية تقول إن الدفاع عن الوحدة الوطنية يحتاج، في المقابل، إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية. لهذا تبدو لي مشكلة اللحظة الحالية أكبر من معرفة لون الحكومة المقبلة.
المشكلة هي أن أحزابنا تتصرف، في الغالب، كما لو أن السياسة الخارجية والقضايا الاستراتيجية مجال لا يعنيها إلا عندما يصدر بلاغ أو تنظم مسيرة أو يُطلب منها التصويت بالإجماع على موقف جاهز. نادرا ما نسمع حزبا مغربيا يقدم تصورا مفصلا لما ينبغي أن يكون عليه الحكم الذاتي الذي نتفاوض باسمه منذ عشرين عاما.
ولا نكاد نعرف ماذا تقترح أحزابنا لتقوية الحضور السياسي والمؤسساتي في الصحراء، أو لتدبير العلاقة المستقبلية بين المركز والجهة، أو لمواجهة المرافعات الحقوقية التي تدخل بها البوليساريو إلى المؤسسات الدولية، أو لبناء سياسة مغربية طويلة النفس تجاه سبتة ومليلية، أو حتى لفهم التحولات الجارية داخل أوروبا التي تجعل رئيس فرنسا يتحدث بتلك اللغة في مدريد.
تعتقد أجزاء واسعة من طبقتنا السياسية، أن أفضل طريقة لإظهار الولاء للملكية هي أن تترك لها هذه الملفات كاملة. وأن تصمت حين تكون القضايا صعبة، وتصفق حين تأتي النتائج جيدة، وتنتظر التعليمات حين تظهر الأزمة. والحال أن الملكية لا تصبح أقوى حين تنسحب السياسة من حولها، بل تتحمل وحدها، في هذه الحالة، أعباء ملفات كان يفترض أن تسندها فيها حكومة قوية، وبرلمان حقيقي، وأحزاب تنتج الأفكار والمواقف والنخب، ومجتمع سياسي قادر على تحويل القضايا الوطنية من اختصاص شبه حصري للدولة إلى مسؤولية وطنية مشتركة.
ليس مطلوبا من الأحزاب أن تدبّر المفاوضات بدل الملك، ولا أن تصبح الدبلوماسية موضوع مزايدات انتخابية، ولا أن تنقل أسرار الدولة إلى اجتماعات المكاتب السياسية. المطلوب أقل من ذلك بكثير وأكبر منه في الوقت نفسه، وهو أن تصبح لدينا طبقة سياسية تدرك أن مهمتها لا تنتهي عند حساب المقاعد والحقائب، وأن الحزب الذي يريد أن يحكم المغرب ينبغي أن تكون لديه إجابات عما يهدد المغرب، لا عن كيفية توزيع الوزارات فقط. عندها فقط سيكون من حقنا أن نقول إن انتخاباتنا تنتج أكثر من حكومة.
أما إذا كانت أقصى مساهمة لمسار سياسي كامل في قضية بحجم الصحراء هي أن نرفع أمام العالم نسبة المشاركة في العيون والداخلة، ثم نترك ما بعد ذلك كله للملك، فعلينا أن نتساءل بهدوء: هل نحن فعلا بصدد بناء ديمقراطية تسند الدولة، أم مجرد مؤسسات تدور في فلك قضايا أصغر من الدولة نفسها؟