story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
اقتصاد |

ارتفاع أسعار المحروقات يعيد النقاش حول دور مؤسسات الرقابة بالمغرب

ص ص

يواجه الاقتصاد المغربي اختباراً جديداً في تدبير أسعار السوق، وسط ترقب دولي لما ستؤول إليه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الشرق الأوسط وتأثيرها المباشر على سلاسل إمداد الطاقة. فمنذ صباح الإثنين 16 مارس الجاري، سجلت محطات الوقود بالمملكة زيادتين متتاليتين في ظرف وجيز، إذ قفز سعر الغازوال بدرهمين للتر الواحد، فيما زاد سعر البنزين بـ1.44 درهم، وذلك بعد زيادة سابقة في مطلع الشهر ذاته بلغت 0.25 درهم، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط عالمياً إلى 120 دولاراً للبرميل.

هذه الزيادات، التي تزامنت مع ذروة الاستهلاك في نهاية شهر رمضان وعيد الفطر، لم تفتح باب التساؤلات حول القدرة الشرائية فحسب، بل وضعت مؤسسات الرقابة، وفي مقدمتها “مجلس المنافسة” في قلب النقد.

ويستنكر مراقبون انتقال الزيادات “بسرعة الصاروخ” إلى جيوب المغاربة في ظرف 15 يوماً فقط، بينما يسير الانخفاض “بسرعة الحلزون” عند هدوء الأزمات، “مما يعزز فرضية اشتغال الشركات وفق أهوائها لا وفق منطق التنافسية”.

رقابة ضعيفة وإجراءات محتشمة

في هذا الصدد، انتقدت المستشارة البرلمانية عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل فاطمة زوكاغ أداء مجلس المنافسة، معتبرة أنه “رغم الدور الذي يفترض أن يقوم به في مراقبة السوق ومحاربة الاحتكار وضبط قواعد المنافسة، فإن هذا الدور لم يتم تفعيله بالشكل الأمثل”.

وأضافت زوكاغ، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن “ملف المحروقات يشكل مثالاً واضحاً على ذلك، حيث تم الاكتفاء بفرض غرامة تصالحية، في حين أن المخالفات والخروقات ما تزال مستمرة”.

وشددت على أن “الأسعار تنخفض بشكل طفيف عندما يتراجع سعر الغازوال في الأسواق الدولية، لكنها ترتفع بشكل صاروخي بمجرد تسجيل أي زيادة عالمية، حتى وإن كانت طفيفة”.

وأشارت أيضاً إلى تسجيل “بعض الممارسات غير الأخلاقية”، من قبيل ما حدث مؤخراً في بعض محطات الوقود، حيث “تم إغلاقها مؤقتاً في انتظار بدء العمل بالأسعار الجديدة المرتفعة بحوالي درهمين”.

وفي هذا السياق، ذكّرت زوكاغ بأنه تم التنبيه إلى هذه الاختلالات، خاصة بعد قرار الحكومة عدم إعادة تشغيل مصفاة سامير، معتبرة أن “تشغيل المصفاة كان من شأنه أن يساهم في توفير احتياطي استراتيجي يخفف من آثار الأزمات العالمية على بلادنا”.

ارتفاع متوقع وتوقيت مشبوه

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي ياسين اعليا، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن “الارتفاع الحالي في أسعار المحروقات كان متوقعاً بالنظر إلى السياق الجيوسياسي الدولي”، غير أن توقيت انعكاسه على السوق المغربية يثير بعض التساؤلات.

وأوضح اعليا أن “السوق المغربية كانت تتعامل خلال الفترة الأخيرة مع عقود أُبرمت قبل اندلاع الأزمة”، وهو ما كان يفترض أن يؤخر تأثير الزيادات العالمية على الأسعار المحلية لفترة إضافية قد تصل إلى أسبوع على الأقل، خاصة أن “المخزونات الوطنية غالباً ما تكفي لمدة لا تقل عن عشرين يوماً”.

غير أن الأثر ظهر بشكل مباشر بعد حوالي خمسة عشر يوماً فقط، وهو ما يفسره الخبير الاقتصادي بكون “مراجعة الأسعار في المغرب أصبحت تتم كل خمسة عشر يوماً”، ما يجعل انعكاس التغيرات الدولية على السوق المحلية يتم بوتيرة أسرع.

ومع أن هذا المعطى يفسر جزئياً الزيادة المسجلة، يؤكد اعليا أن “مستوى الارتفاع المسجل يظل مرتفعاً جداً”، وهو ما يضع المؤسسات الرقابية أمام مسؤولياتها، خاصة وأنها تكتفي حالياً بمحاولة “ضبط آليات المنافسة داخل السوق”، في ظل عدم إمكانية تدخلها المباشر في تحديد الأسعار.

ويعود ذلك إلى تحرير أسعار المحروقات بالمغرب منذ سنة 2015، في إطار تطبيق قانون حرية الأسعار والمنافسة، الذي أنهى تدخل الدولة في تحديد هوامش الربح داخل هذا القطاع.

ومع ذلك، يشير الخبير الاقتصادي إلى أن القانون نفسه يتضمن آليات استثنائية تتيح للحكومة التدخل في حالات الأزمات، إذ تسمح المادة الرابعة منه بتحديد سقف للأسعار لمدة قد تصل إلى ستة أشهر.

ويضيف اعليا أن “عدداً من الدول لجأت بالفعل إلى هذا النوع من الإجراءات خلال الأزمات الطاقية”، من بينها كوريا الجنوبية وعدة دول أوروبية، التي عمدت أيضاً إلى دعم بعض المنتجات الطاقية أو تخفيف الأعباء الضريبية المفروضة عليها. أما في المغرب، فيؤكد اعليا أنه “لا توجد إلى حدود الآن مؤشرات واضحة على توجه حكومي للتدخل من أجل كبح جماح الارتفاعات الحالية”.

ويستحضر في هذا السياق تدخل الحكومة خلال فترة الحرب الروسية الأوكرانية، عندما تم تقديم دعم جزئي لمهنيي قطاع النقل، غير أن هذا الإجراء “لم يكن كافياً للحد من موجة التضخم التي امتدت لاحقاً إلى مختلف القطاعات والمواد الاستهلاكية”.

قدرة شرائية على المحك

ويرى الخبير الاقتصادي أن استمرار التوترات الجيوسياسية الحالية قد يؤدي إلى انعكاسات أوسع على الأسعار خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن “الإقبال الكبير الذي شهدته محطات الوقود خلال الفترة الأخيرة يعكس تخوف المواطنين من زيادات جديدة محتملة”.

ويأتي ذلك في فترة تعرف عادة ارتفاعاً في وتيرة التنقل والاستهلاك، مع اقتراب نهاية شهر رمضان وفترة عيد الفطر، وهو ما قد يزيد من الضغط على القدرة الشرائية للأسر.

ويحذر اعليا من أن استمرار التوترات في المنطقة، خصوصاً في حال إغلاق مضيق هرمز، قد يؤدي إلى أزمة طاقية عالمية، لافتاً إلى احتمال وقوع أزمة اقتصادية عالمية إذا استمرت هذه الأوضاع لفترة طويلة.

وفي هذا السياق، يقول اعليا إن “أسعار النفط قد ترتفع إلى ما يفوق 150 دولاراً للبرميل إذا استمرت التوترات”، وهو ما قد ينعكس مباشرة على السوق المغربية، حيث “قد يتجاوز سعر لتر الغازوال 20 درهماً”.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن مثل هذا الوضع سيطرح تحديات كبيرة على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل الارتفاعات المسجلة أصلاً في أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية.

التسقيف والدعم.. حلول استعجالية

يؤكد الخبير الاقتصادي ياسين اعليا على ضرورة تدخل المؤسسات المعنية، سواء من خلال دور مجلس المنافسة في مراقبة السوق ومنع “أي تواطؤ محتمل بين الشركات”، أو عبر تدخل الحكومة من خلال آليات الدعم والتخفيف الضريبي.

كما يمكن للحكومة، وفق المتحدث نفسه، اتخاذ إجراءات ظرفية لدعم القدرة الشرائية، من قبيل “تخفيض بعض الضرائب المفروضة على الاستهلاك أو تقليص الضريبة على القيمة المضافة لفترة محددة”، أو حتى “تحديد سقف مؤقت للأسعار تتحمل الدولة جزءاً من الفارق في حال تجاوزه”.

وفي السياق ذاته، انتقدت فاطمة زوكاغ ما وصفته بـ”تجميد الحوار الاجتماعي”، داعية الحكومة إلى “التدخل الاستباقي واتخاذ تدابير استعجالية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين”.

واقترحت “العودة إلى تسقيف أسعار المحروقات أو الحذف المؤقت للضريبة على الاستهلاك المفروضة عليها، مع ضبط أسعارها داخل السوق”.

كما شددت على ضرورة “إقرار زيادة عامة في الأجور والمعاشات في ظل ارتفاع معدلات التضخم”، إلى جانب “تفعيل دور مجلس المنافسة بشكل كامل لممارسة صلاحياته الدستورية ومحاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة”.

وبخصوص دور مؤسسات الرقابة، سجلت المستشارة البرلمانية ما وصفته بـ”ضعف الإجراءات المتخذة لمراقبة الأسعار وحماية المستهلك”، معتبرة أن تدخل الحكومة يظل محدوداً.

وأوضحت أن “الإجراءات التي يتم اتخاذها تقتصر غالباً على تفعيل لجان مراقبة الأسعار قبيل شهر رمضان، لكنها تركز أساساً على الأسواق، في حين يبقى المضاربون وما يُعرف بـ’الشناقة’ خارج نطاق هذه المراقبة”.

وترى زوكاغ أن هذا الوضع “يجعل أثر هذه الإجراءات محدوداً، ولا ينعكس فعلياً على أسعار السلع التي تكون مرتفعة أصلاً”.

ومن جانبه، يخلص اعليا إلى أن الإشكال الرئيسي في السوق المغربية يكمن في “غياب الوضوح بشأن الآليات التي تتحكم في انتقال الزيادات والانخفاضات من الأسواق العالمية إلى السوق المحلية”.

ففي الوقت الذي تنتقل فيه الزيادات بسرعة، يتم نقل الانخفاضات بوتيرة أبطأ وبنسب أقل، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى خضوع السوق لمنطق المنافسة الفعلية.

كما يطرح تساؤلاً حول طبيعة العقود المعتمدة، مؤكداً أنه “من غير المنطقي أن تعتمد الشركات بشكل دائم على الشراء الفوري”، إذ من المفترض أن تكون لديها “عقود مسبقة أُبرمت قبل بداية الأزمة”.

ويشدد في الختام على أن الحفاظ على التوازن الاجتماعي يفرض “ضمان اشتغال السوق في إطار منافسة حقيقية خالية من التوافقات غير المشروعة”، بما يحمي القدرة الشرائية للمواطنين.