إيران و”نصر الصمود”
ما إن خفتت أصوات المدافع في الحرب الدائرة بين إيران وكل من أمريكا وإسرائيل، تعالت الأصوات بين “ألتراس” المتفرّجين، بين من سارع إلى إعلان نصر إيراني ساحق، ومن أعلن، في الجهة المقابلة، دمارا كاملا لطهران.
ضجيج يبدو أكبر من الوقائع، والحاجة كبيرة إلى قراءة هادئة، وباردة، وموضوعية، أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
فهذه الحرب، كما توقّفت (جزئيا) الآن بوقف إطلاق نار هشّ، لا تقدّم، في حقيقتها، مادة سهلة للانتصارات السريعة، بل توفّر نموذجا معقدا لحرب لا منتصر فيها، كما خلصت إلى ذلك قرادة صحيفة ال”غارديان” البريطانية، أو لنقل: حرب خرج منها الجميع بخسائر، وإن بدرجات متفاوتة.
القول بعدم وجود منتصر ليس هروبا من صفير ال”ألتراس”، بل خلاصة تكاد تجمع عليها أهم القراءات الجادة. فالحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحقق أهدافها المركزية. لا تغيير للنظام في طهران، ولا إنهاء للبرنامج النووي، ولا تحييد كامل للقدرات العسكرية الإيرانية.
في المقابل، لا يمكن الحديث عن نصر إيراني بالمعنى الكلاسيكي، لأن كلفة الحرب كانت ثقيلة، بشريا وعسكريا واقتصاديا. لكن بين هذين الحدّين، يبرز توازن جديد، فرضته الوقائع أكثر مما صنعته الخطابات.
في هذا السياق، يبدو أن بنيامين نتنياهو هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب، كما قالت صحيفة الغارديان نفسها، ليس فقط لأن أهدافه المعلنة لم تتحقق، بل لأن رهانه كله سقط.
الرجل الذي بنى مساره السياسي على فكرة الخطر الوجودي الإيراني، وخاض معارك دبلوماسية وإعلامية طويلة لدفع واشنطن نحو هذه الحرب، يجد نفسه اليوم أمام حصيلة صفرية تقريبا. لا سقوط للنظام، ولا انهيار للقدرات، خاصة منها الصاروخية. بل العكس هو ما حصل.
إيران خرجت من الحرب جريحة، لكنها قائمة. والأسوأ من ذلك، أن إسرائيل نفسها لم تكن، كما اعترف قادتها، حتى على طاولة القرار حين حُسمت نهايات الحرب، وهو ما عبّر عنه زعيم المعارضة يائير لابيد بوضوح حين قال إن إسرائيل لم تكن “قريبة حتى من الطاولة عندما اتُخذت القرارات المتعلقة بصميم أمنها القومي”، واصفا ما حدث بأنه “فشل سياسي واستراتيجي غير مسبوق”.
ولعل المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان مباشرة بعد إعلان وقف إطلاق النار، ليست سوى تعبير فجّ عن هذا المأزق. حين يفشل مشروع في تحقيق أهدافه الكبرى، يبحث عن تعويض في ميادين أخرى، والتي غالبا ما تكون أضعف وأكثر هشاشة.
القصف الوحشي في لبنان لم يكن امتدادا للحرب، بقدر ما كان محاولة لإعادة إنتاج صورة القوة التي تآكلت في الحرب مع إيران. لكنه، في الآن نفسه، دليل إضافي على أن الحرب لم تنتهِ فعليا، بل تحوّلت إلى أشكال أخرى من التصعيد.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن إيران نجحت في تحقيق ما يمكن تسميته “نصر الصمود”. ليس بالمعنى الاحتفالي، بل بالمعنى الاستراتيجي. فالدولة التي وُضعت أمام أكبر قوة عسكرية في تاريخ البشرية، مدعومة بترسانة إسرائيلية متطورة، لم تسقط، ولم تنهَر، ولم تشهد تفككا داخليا، بل حافظت على بنيتها السياسية، واستمرت في إدارة المعركة، ونجحت في تحويل موقعها من موقع الدفاع إلى موقع التفاوض.
أكثر من ذلك، استطاعت طهران أن تفرض خطوط تماس جديدة، لم تكن مطروحة قبل الحرب. فبدل أن تدور المفاوضات حول الشروط الأصلية التي رفعتها واشنطن وتل أبيب، من تفكيك القدرات أو تغيير السلوك الإقليمي، أصبحت تدور حول مضيق هرمز، الذي تحوّل من ورقة تهديد إلى ورقة تنظيم وسيطرة.
الاتفاق الذي خرجت به الهدنة لا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، بل يؤسس لوضع جديد، تكون فيه إيران طرفا مقرّرا في أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، من خلال الإشراف على حركة السفن وفرض قواعد المرور، بل وحتى الرسوم. وهو ما اعتبرته حتى وسائل إعلام إسرائيلية، مثل صحيفة “معاريف”، تكريسا لشروط إيرانية على الأرض، واعترافا ضمنيا بفشل تحقيق الأهداف الأصلية للحرب .
وفي قلب هذا التوازن الجديد، تبرز نقطة شديدة الأهمية، هي أن إيران لم تتخلَّ عن حلفائها، كما روّج البعض. بل على العكس، أصرّت، في مسار المفاوضات، على أن يشمل وقف إطلاق النار الجبهات المرتبطة بها، وعلى رأسها لبنان.
وقد نقلت تقارير موثوقة أن طهران أبلغت الوسطاء بأن مشاركتها في محادثات إسلام آباد مشروطة بوقف العمليات في لبنان، وأنها ستستأنف الهجمات إذا استمرت الاعتداءات هناك.
واشنطن نفسها أقرت، بشكل غير مباشر، بأن إيران تعتبر حلفاءها مشمولين بالاتفاق. وهذا المعطى وحده كاف لتفنيد سردية “التخلي” التي رُوّجت في بعض المنابر.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن إسرائيل خرجت بما تعتبره إنجازا تكتيكيا مهما، يتمثل في ما بات يُعرف باستباحة السماء فوق إيران، أي القدرة على تنفيذ ضربات جوية دون عوائق كبيرة. لكن هذا الإنجاز، مهما كان مهما عسكريا، لا يرقى إلى مستوى الحسم الاستراتيجي، بل يندرج ضمن منطق الاستنزاف الطويل، الذي قد يستمر لسنوات، دون أن يغيّر قواعد اللعبة بشكل جذري.
أما الولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها في وضع أكثر تعقيدا. من جهة، أعلنت النصر، ومن جهة أخرى، اضطرت إلى التراجع عن شروطها القصوى، والقبول بإطار تفاوضي لم تكن ترغب فيه في البداية. وقد عبّر عدد من الساسة والخبراء الأمريكيين عن هذا التناقض بوضوح، حيث اعتبر بعضهم أن ما حدث هو فشل استراتيجي، وأن ترك مضيق هرمز تحت إشراف إيراني يشكل تحولا خطيرا في موازين القوى.
في النهاية، لا يمكن قراءة هذه الحرب بمنطق الرابح والخاسر التقليدي. ما حدث أقرب إلى إعادة رسم للخريطة. إيران لم تنتصر، لكنها لم تُهزم. والولايات المتحدة لم تُهزم، لكنها لم تنتصر. وإسرائيل، التي لعبت “الكل للكل”، خرجت بخسارة سياسية واستراتيجية واضحة، ومحاولة تعويض دموي في لبنان لن تغيّر هذه الحقيقة.
الحرب انتهت (ربما) دون منتصر، لكنها لم تكن دون أثر. بل ربما تكون فتحت مرحلة جديدة، أكثر تعقيدا، حيث لا تُحسم الصراعات بالضربات السريعة، بل بتراكم الاستنزاف، وإعادة تعريف القوة، في عالم لم يعد، ولن يعود أبدا، كما كان.