story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

إشارات في أدوار الحركة الإسلامية المغربية زمن التحولات الجيوسياسية

ص ص

يشهد العالم لحظة تاريخية فارقة، عناوينها البارزة تتجلى في التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وإعادة رسم موازين القوى، وصعود تكتلات وأفول أخرى.

غير أن ما يبدو في الواجهة صراعا حول النفوذ والموارد والثروات، يُخفي في العمق أزمة أعمق، تتعلق بصراع المرجعيات وتيه المقاربات، فالتدافع ليس فقط بين دول ومحاور وتكتلات، بل بين تصورات للإنسان والدولة والقيم، وفي خضم هذا المخاض، يُطرح سؤال الأدوار الممكنة للحركة الإسلامية في المغرب.

والحركة الإسلامية المغربية، مكون رئيسي في الحياة السياسية والاجتماعية المغربية، استطاعت أن تفرض نفسها في معادلة التأثير والتأثر داخل النسق السياسي، ولذلك مساهمتها مطلوبة في مثل هذه اللحظات التي يطغى عليها اللايقين، بالنظر لما تتمتع به من امتداد وانتشار، وتأطير وتعاطف، بعيدا عن ما يُقال ويُكتب عنها في إطار الصراع معها والتشويش على أنشطتها بعدف تحجيمها وإضعاف موقفها.

أولا: تثبيت المرجعيات الوطنية الجامعة:

من المعلوم أن المغرب تشكل عبر قرون على قواعد هي إمارة المؤمنين، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، وهي مرجعيات منحت البلاد توازنا فريدا بين الدين والدولة، وبين الثوابت والتجديد، وفي زمن الاضطراب، تحتاج المجتمعات إلى أرض صلبة تقف عليها، وهنا يبرز دور الحركة الإسلامية في الإسهام في تثبيت المغاربة، أفرادا ومؤسسات، على مرجعياتهم التاريخية، ليس بمنطق الانغلاق، ولكن بمنطق التحصين الواعي، الذي يقي من الاستلاب ومن التطرف في آن واحد.

ثانيا: إعادة فهم العلاقة بين السلطة والمجتمع:

الصراع حول النفوذ في العالم كثيرا ما ينتهي إلى السعي للاستيلاء على السلطة، باعتبارها أداة التحكم في الموارد والقرار، غير أن السياق المغربي يختلف، فشرعية الحكم متجذرة تاريخيا ومؤسساتيا، وتتقاطع فيها البيعة والدستور والمشروعية الشعبية، ومن ثمّ فإن الرهان لا يجب أن يكون على منازعة الشرعية أو خدشها، وإنما على تعزيزها، عبر تجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتقوية الوسائط المدنية، وتوسيع دائرة المشاركة الواعية، وفي هذا السياق على الحركة الإسلامية أن تطور فهما عميقا لطبيعة النظام السياسي المغربي، وأن تسهم في تقوية الاستقرار باعتباره شرطا لأي إصلاح، دون أن يعني ذلك فقدان استقلاليتها، أو التراجع عن وظيفة النصح والدعوة للتصحيح.

ثالثا: أداء وظيفة الوساطة الإيجابية:

في لحظات التوتر، تحتاج المجتمعات إلى فاعلين قادرين على التهدئة والتقريب والتجسير، والحركة الإسلامية قادرة على النجاح في هذه الوظيفة، من خلال الاضطلاع بدور الوسيط بين المواطنين والمسؤولين والمؤسسات، بالتنبيه للاختلالات والثغرات حين تظهر، وتدق ناقوس الخطر قبل أن تتفاقم الأزمات، وفي الوقت ذاته، تنبيه المواطنين إلى واجباتهم، وتنبيه المسؤولين إلى مسؤولياتهم، بروح النصيحة الصادقة، وهذا من صميم العمل الإصلاحي.

رابعا: تحصين الجبهة الداخلية نفسيا وقيميا:

التحولات الدولية قد تفرض على الدول الصغيرة والمتوسطة خيارات صعبة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق حملات توعوية ترسخ الانتماء الوطني، وتعدّ المواطنين نفسيا لاحتمالات التقلب الاقتصادي أو الضغط السياسي، لأن المجتمع المتماسك هو الذي يدرك أن التحديات مشتركة، وأن التضامن الداخلي هو خط الدفاع الأول عن السيادة.

خامسا: رصد الخطاب السياسي للنخب والسلطة:

الحركة الإسلامية مدعوة لرصد الخطابات التي تعتمل في الحياة السياسية، من خلال هيآتها القيادية، أو من خلال لجان أو مراكز بحثية خاصة، ليس من باب المزايدة، بل من باب الحرص على جودة النقاش العمومي، حيث ينبغي للحركة الإسلامية أن تمارس دورا نقديا راشدا تجاه الخطاب السياسي السائد، بتحليل مضامينه، وكشف تناقضاته إن وجدت، واقتراح بدائل مسؤولة، والنقد هنا ليس معارضة من أجل المعارضة، ولكنه مساهمة واجبة في ترشيد القرار العمومي.

سادسا: الانضباط في التعبير وتفادي التصريحات المتسرعة:

في سياق دولي ملتهب، قد تتحول كلمة غير محسوبة من هيأة وازنة، من قبيل الحركة الإسلامية، أو شخصية مؤثرة، من قبيل قياداتها، إلى عنصر توتر داخلي أو خارجي، لذلك يصبح لزاما على الحركة الإسلامية أن تتحلى بأعلى درجات المسؤولية في بياناتها ومواقفها، وأن توازن بين المبدئية والحكمة، وبين الجرأة والتبصّر.

سابعا: توسيع دوائر التواصل خارجيا

العالم العربي والإسلامي يعيش بدوره حالة استقطاب حاد بين حركات إسلامية وأنظمة سياسية، ويمكن للحركة الإسلامية المغربية، بما راكمته من تجربة في العمل المؤسساتي، أن تنفتح على نظيراتها، فتشجعها على إصلاح ذات البين، وعلى فتح قنوات الحوار مع أنظمتها، والتصدي لخطابات التفرقة والانقسام، لأن الوحدة المعنوية للأمة لا تعني توحيد التنظيمات، بل قد تعني ترسيخ ثقافة الحوار ونبذ العنف، والتواصي بهما.

إن اللحظة التاريخية الراهنة لا تحتمل انفعالا ولا انسحابا، ولا تفرجا، بل تقتضي حضورا واعيا ومسؤولا، والحركة الإسلامية في المغرب، بما لها وما عليها، مدعوة إلى أن تكون قوة تثبيت لا عنصر اضطراب، وجسرا لا جدارا، وصوت نصيحة لا صدى صراع، والتاريخ يقول بأنه حين تتضح المرجعيات، ويترسخ الانتماء، وتتوازن العلاقة بين السلطة والمجتمع، يصبح المغرب أقدر على عبور العواصف، وأقوى على صون سيادته ووحدته.