إدانة واسعة لإغلاق الأقصى.. الكتاني: صمت الرباط استقالة من مسؤولية تاريخية
أثار استمرار إغلاق أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين خلال شهر رمضان موجة إدانات عربية وإسلامية، وسط تحذيرات من خطورة هذه الخطوة التي تُعد سابقة منذ احتلال القدس عقب حرب 1967.
وفي بيان مشترك صدر في الدوحة، أدان وزراء خارجية كل من قطر والأردن وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في إغلاق أبواب المسجد الأقصى، الحرم القدسي الشريف، أمام المصلين المسلمين خلال شهر رمضان.
وأكد البيان أن القيود الأمنية المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس وأماكن العبادة فيها، إلى جانب القيود التمييزية على الوصول إلى أماكن العبادة، تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وللوضع التاريخي والقانوني القائم، ولمبدأ حرية الوصول إلى أماكن العبادة.
كما شدد الوزراء على رفضهم لهذه الإجراءات، مؤكدين أن كامل مساحة المسجد الأقصى، الحرم القدسي الشريف، البالغة 144 دونمًا، (الدونم = 1000 م²) هي مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن الجهة المخولة بإدارة شؤونه هي دائرة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية.
سابقة خطيرة
ويُعد إغلاق المسجد الأقصى بالكامل ومنع المصلين من دخوله خلال شهر رمضان تطورًا غير مسبوق منذ احتلال القدس عام 1967، إذ كانت القيود التي تُفرض في السنوات السابقة تقتصر غالبًا على تحديد الأعمار أو تقليص أعداد المصلين، دون الوصول إلى حد الإغلاق الكامل للمسجد خلال هذا الشهر.
ويخشى مراقبون أن يكون هذا الإجراء اختبارًا لردود الفعل الإسلامية والدولية، تمهيدًا لفرض إجراءات أشد في المستقبل.
وفي هذا الصدد، حذر الحسن بن علي الكتاني، رئيس رابطة علماء المغرب العربي، من خطورة ما يجري في المسجد الأقصى، معتبرًا أن ما يحدث قد يكون مجرد “تجربة” لخطوات أكثر خطورة.
وقال الكتاني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن الرابطة أصدرت بيانًا حذرت فيه من أن “السلطات الصهيونية المحتلة في فلسطين تسعى إلى القيام بشيء خطير في المسجد الأقصى”، مضيفًا أنهم طالبوا الأمة الإسلامية “بالتحرك، على الأقل عبر المظاهرات أو غيرها، لإظهار غضبها مما قد يحدث”.
وأشار إلى أن هيئة علماء المسلمين في فلسطين كانت قد حذرت أيضًا من التطورات الجارية، ودعت إلى اجتماع عاجل لمناقشة الأمر، لافتًا إلى أن ما يحدث حاليًا قد يكون مجرد تجربة تمهيدية لما يمكن أن يقع خارج شهر رمضان.
وأوضح أن إغلاق المسجد الأقصى ومنع المصلين من الصلاة فيه يثير تساؤلات حول ما قد يحدث لاحقًا، قائلاً إن “طريقة الكيان الغاصب تقوم على التجربة ومعرفة ردود الفعل، فإذا لم يكن هناك أي تفاعل فإنه ينتقل إلى خطوات أكثر خطورة”.
ولفت إلى أن بعض المعطيات المتداولة تتحدث عن مخططات أخطر قد تستهدف المسجد الأقصى، منبهًا إلى أنه “يُقال الآن إنهم يستعدون إما لهدم المسجد الأقصى أو لغير ذلك”.
وأضاف الكتاني أن التيار الديني الصهيوني داخل إسرائيل يمثل، بحسب تعبيره، “تيارًا خطيرًا جدًا”، مشددًا على أنه يسعى في المرحلة الحالية إلى تقسيم المسجد الأقصى تقسيمًا زمانيًا ومكانيًا بين المسلمين واليهود.
وأشار إلى وجود محاولات للسيطرة على أجزاء من المسجد الأقصى، موضحًا أن هناك منطقة يسعى هذا التيار إلى الاستحواذ عليها وجعلها حدائق أو ما إلى ذلك، بدعوى أنها كانت كذلك في العصور القديمة.
وانتقد الحسن الكتاني ضعف التفاعل مع ما يجري، معتبرًا أن الأمة الإسلامية “في غالبها خارج التغطية”، وأشار في نفس الوقت إلى أن القضية لا تحظى بالاهتمام الكافي في الخطاب العام.
وقال: “نحن في بلدان – مع الأسف الشديد – لا توجه سلطاتها الخطباء أو الدعاة للحديث عن المسجد الأقصى، ولا يتم التذكير به حتى في الدعاء في الصلوات أو غير ذلك”، مشيرًا إلى أن ذلك يؤدي إلى غياب التنبيه الشعبي إلى خطورة ما قد يحدث.
وتابع: “أصبح خطباؤنا وصلاة التراويح في وادٍ، وأحوال الأمة ومصائبها ومقدساتها في وادٍ آخر تمامًا”. وشدد على أن ما يجري يمثل مسؤولية جماعية، قائلاً إن “المسؤولية عظيمة، وستكون وصمة في التاريخ علينا جميعًا: على علمائنا، وأمرائنا، وعامة الناس”.
غياب المغرب
ومن جانب آخر، توقف الحسن بن علي الكتاني أيضًا عند غياب المغرب عن قائمة الدول التي وقعت بيان الإدانة، معتبرًا أن ذلك يشكل “ملاحظة خطيرة”.
وقال إن المغرب، بعد خطوة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، بدأ – بحسب تعبيره – يقدم تنازلات متعددة، مشيرًا إلى أن غيابه تكرر في محطات عديدة تتعلق بالقضية الفلسطينية.
وزاد قائلا: “المخيف في الأمر أن المغرب بدأ يقدم تنازلات كثيرة، وهذه التنازلات واضحة جدًا، وليست وليدة اليوم فقط، بل ظهرت في محطات أخرى شهدت أحداثًا كبيرة وغاب فيها المغرب”.
وأضاف أن هذا الغياب قد يضع المغرب خارج التاريخ لمواقفه المعهودة، مشيرًا إلى أنه كان عبر التاريخ “دولة مركزية في الأمة الإسلامية ومعقلًا للإسلام في الغرب الإسلامي”.
وشدد المتحدث على أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا في هذا الدور، قائلاً: “في هذه السنوات الأخيرة كأنه قدّم استقالته من مسؤولياته الكبرى في الأمة الإسلامية”. ودعا السلطات المغربية إلى مراجعة هذا المسار وإدراك خطورة ما يجري في المسجد الأقصى.
وقال إن “على قادة المغرب أن يستفيقوا من هذا الأمر، وأن يعلموا أن هذا الكيان الغاصب أصبحت أيامه معدودة، لأن ما يحدث الآن يدل على أنه كيان هش، كالنمر من ورق”، معتبرًا أن الرهانات السياسية على دعمه أو حمايته لن تتحقق في نهاية المطاف.
محاولات سابقة للتهويد
رغم قتامة المشهد الحالي، فإن الذاكرة القريبة للقدس تعيد التذكير بأن مخططات الاحتلال لتغيير هوية الأقصى قد اصطدمت دوماً بجدار الصمود الشعبي الذي استطاع إفشال أعتى المخططات الأمنية. إذ في عام 2017، حاولت سلطات الاحتلال نصب البوابات الإلكترونية عند باب الأسباط، إلا أن هبة المقدسيين واعتصامهم المفتوح في الشوارع لـ 14 يومًا، رافضين الدخول للمسجد إلا بإزالتها، وهو ما تحقق في النهاية أرغم الاحتلال على التراجع صاغراً.
وتكرر المشهد ذاته في عام 2019 حين تمكن المقدسيون عبر “هبة باب الرحمة” من كسر الأقفال الحديدية وإعادة فتح المصلى للصلاة بعد إغلاق دام 16 عاما، مجهضين بذلك مخططاً لتحويله إلى كنيس يهودي.
ولم تتوقف انتصارات الإرادة الشعبية عند هذا الحد، بل تجسدت أيضا خلال ملحمة 28 رمضان عام 2021، حين أفشل المرابطون بصدورهم العارية أضخم اقتحام استيطاني كان مخططاً له بالتزامن مع أحداث “الشيخ جراح”، وهو الزخم الذي استمر ليحبط محاولات التنكيل في “هبة باب العامود” وإزالة الحواجز الحديدية التي وضعها الاحتلال لمنع تجمهر الشباب في رمضان، حيث أثبتت “معركة الهوية” أن السيادة في القدس يفرضها أصحاب الأرض بوجودهم اليومي.
إنَّ هذه المحطات، وصولاً إلى 2022 و2023 تُبرهن أنَّ آلة الاحتلال، ومهما بلغت قسوتها، تظل عاجزة أمام سد منيع يشكله التفاف الجماهير حول مقدساتها.
ومن هذا المنطلق، بدأت تتعالى في الآونة الأخيرة دعوات واسعة بضرورة التحرك العاجل لكسر طوق الحصار المفروض على المسجد الأقصى، وتضع حدا لهذا الواقع القسري الذي يحاول الاحتلال تثبيته كأمر واقع.