story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

إدانة دولية لأخنوش ورحو!

ص ص

يقال عادة إن حبل الكذب قصير، لكن تقريرا جديدا أصدره البنك الدولي أمس، كان أقصر من المعتاد، ووجّه صفعة قوية لكل ما ردّدته حكومة أخنوش عبر أذرعها الدعائية الكثيرة، ومعها مجلس المنافسة الذي تحوّل إلى هيئة تبرير، عوض تقنين وضبط السوق.

التقرير نسف كل ما دبّجته الحكومة ووزراؤها وأغلبتها بخصوص حصيلة التشغيل، وكشف أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاع حجم العجز المسجل في استيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل، وأن الاقتصاد المغربي يفتقد للفعالية وليس للتمويلات، وأن التنافسية غائبة ودور مجلس المنافسة ضعيف.

التقرير يدين هذا المجلس ضمنيا بالفشل في مهمته، حيث أوصى بالعمل على إنفاذ قواعد المنافسة ضد التواطؤ بين الفاعلين، واستغلال وضعية الهيمنة، والتلاعب في الصفقات العمومية.

ومجرد اضطرار تقرير بهذا الوزن إلى المطالبة برفع فعالية المواجهة في هذه الجبهات الثلاث يعني أن المؤسسة المكلفة بحماية السوق لم تنجح في جعل الردع كافيا، ولا في منع السوق من الانزلاق نحو احتكار مقنع، وتفاهمات ضارة، وانحرافات تمس جوهر الطلب العمومي نفسه.

عندما خرج رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، منتصف أبريل الجاري أمام البرلمان ليعرض “حصيلة” ولايته، كان واضحا أن أهم ما راهن عليه لم يكن الوقائع بقدر ما كان الرهان على قوة المنبر وضعف ذاكرة الناس. لهذا لم يجد الرجل حرجا في الحديث عن تحقيق وعد المليون منصب شغل خلال ولياته، زاعما أنه حقق 850 ألف منصب منها، قبل أن يعود ويزعم أنه يقصد الحصيلة الخام (Brut)، وليت هذا الرقم كان صحيحا حتى خاما.

الردّ هذه المرة لم يأت من المعارضة، بل من تقرير البنك الدولي الجديد، المعنون ب” الارتقاء بسلم التنمية: النمو وفرص الشغل من أجل مغرب مزدهر” (Scaling the Atlas: Growth and Jobs for a Prosperous Morocco)، وهو عبارة عن وثيقة تقنية باردة، كتبت بلغة الاقتصاد، لكنها تنتهي إلى ما يكفي لنسف الدعاية الحكومية من أصلها.

المغرب، حسب التقرير، ظل بين 2000 و2024 يسجّل عجزا بحجم 215 ألف وظيفة سنويا، لامتصاص الوافدين على السوق، ليرتفع هذا العجز إلى 370 ألفا سنويا في الفترة 2020–2024.

قد ينجح أخنوش وحكومته، بحكم موقعهما المهيمن، في فرض سردية مؤقتة عن الشغل، لكنهما لا يستطيعان إلغاء السؤال الذي يطرحه هذا التقرير الدولي بصراحة: لماذا لا يتحول النمو في المغرب إلى شغل؟

الجواب الذي يقدمه التقرير قاس وواضح، وهو يقول إن النمو المغربي ظل، في جوهره، نموا بالرأسمال، وتحديدا المال العام في شكل استثمارات عمومية، أكثر منه نموا بالإنتاجية وخلق القيمة المضافة.

لقد حافظ المغرب منذ 2000 على معدلات استثمار تعدّ من الأعلى عالميا، تناهز 30 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، لكن مكاسب الإنتاجية ظلت ضعيفة، والعمل ظل الابن اليتيم في هذه المعادلة. وبالتالي نحن لا نعيش نقصا في الإنفاق، بقدر ما نعيش فشلا في تحويل الإنفاق إلى نجاعة، والاستثمار إلى قيمة، والقيمة إلى وظائف.

لا يكتفي التقرير بالقول إن النمو غير كاف، بل يضع أصبعه على البنية التي تجعل هذا النمو نفسه أقل مردودية مما يجب. ويشير إلى أن القطاع العام، بما في ذلك المؤسسات والمقاولات العمومية، تحمل على الأقل نصف الاستثمار الوطني وربما حتى ثلثيه، وأن هذه الهيمنة أضعفت الإنتاجية عبر ثلاث قنوات هي: ضعف انتقاء وتقييم بعض المشاريع، وامتصاص جزء كبير من الادخار والتمويل المحلي، ثم حضور الدولة في قطاعات متعددة بطريقة تؤثر في طريقة اشتغال السوق نفسه.

أي أننا أمام دولة تزاحم القطاع الخاص المنتج، وتضعفه، وتعيد ترتيب الاقتصاد حول الثقل العمومي، بدل الابتكار والكفاءة.

وهنا تحضر ذكرى وثيقة موؤودة اسمها “النموذج التنموي الجديد”. هذا الأخير كان قد وضع أهدافا كبيرة، منها مضاعفة الناتج الفردي بحلول 2035، ورفع نسبة تشغيل النساء إلى 45 في المائة، ورفع نسبة الشغل المهيكل إلى 80 في المائة…
يقول تقرير البنك الدولي الجديد، بطريقة مهذبة، إن استمرار الأوضاع الحالية لن يكفي لبلوغ تلك الأهداف، وإن ما يتحقق حاليا يبقى دون المسار الذي تخيله ذلك النموذج. ومعنى ذلك أن هذا النموذج الذي قُدم للمغاربة كأفق، بمبادرة وتزكية ملكيين، تحوّل إلى حبر على ورق، بينما واصلت الحكومة إدارة الاقتصاد بنفس الأدوات القديمة، أي استثمار عمومي كثيف، ينتج تنافسية ضعيفة، وأسواقا مختلة.

التقرير لم يكن رحيما بالرأسمال الخاص، الذي يمثّل أخنوش مرة أخرى مركّب مصالحه، وأحمد رحو “ضابطه” المفترض، حيث قال إن المغرب، لا يعاني من قلة عدد الشركات، بل من ندرة تلك التي تكبر وتنتج الشغل على نطاق واسع.

لدينا نسيج واسع من المقاولات الصغيرة جدا، المتمركزة في الأنشطة غير القابلة للمنافسة الدولية، والشركات الشابة تنمو ببطء، ولا تتحول إلى قاطرات تشغيل، بينما، وهنا المفارقة الصادمة، المقاولات الكبرى في المغرب أقل إنتاجية في المتوسط من المقاولات الصغيرة.

بل إن التقرير يذهب أبعد من ذلك، ويقول إن عددا كبيرا من القطاعات المغربية يشتغل في تنافسية ضعيفة، وإن البيئة التنظيمية أكثر تقييدا من أغلب البلدان المقارنة، وإن تدخل الدولة المباشر في قطاعات كثيرة، وتأخر الأداء، وصعوبة التمويل، والضرائب، كلها تخلق بيئة ترجح كفة الفاعلين القائمين، وتخنق المقاولات القابلة للنمو.

حين يوصي التقرير بتشديد إنفاذ قانون المنافسة وبتحييد الشركات العمومية تنافسيا، فهو لا يقدم وصفة تقنية فقط، بل يكتب شهادة إدانة ضد اقتصاد ما تزال تسكنه رواسب الريع وضعف المنافسة واختلال موازين القوة.

البنك الدولي لم يقم في حقيقة الأمر باكتشاف باهر، بل كرّر ما سبق أن قاله النموذج التنموي الجديد، وما تقوله الوقائع يوميا في السوق ومكاتب التشغيل وأبواب الإدارات وممرات الهجرة.

الاقتصاد المغربي ليس فقيرا في الموارد وحدها، بل في كيفية ترتيب الأولويات، التي تحكم تحويل الموارد إلى فرص. لهذا لا تكفي الميزانيات المضاعفة في التعليم والصحة، ولا زيادة الإنفاق في الاستثمار، ولا توسيع الأوراش، ولا تعليق الآمال على المونديال، ولا تزيين الحصيلة بأرقام “خام” وإخفاء الأرقام الصافية.

الحقيقة، ببساطة، أن هذه الحكومة لم تحقق شيئا “صافيا” بقدر ما نجحت في تكثيف ما كان قائما من قبل: دولة ثقيلة في الاستثمار، اقتصاد ضعيف التنافسية، وشغل قليل، وإنتاجية متواضعة، ومجال واسع للامتيازات والاختلالات واللاعدالة في توزيع الفرص.

وما دام هذا هو جوهر الحصيلة، فإن كل ما عدا ذلك ليس إلا تجميلا لمشهد يعرفه المغاربة جيدا، لأنهم يعيشونه، لا لأنهم قرأوه في تقرير البنك الدولي.