أوروبا والمغرب وأزمة الحدود: نحو تجاوز منطق “حارس الحدود”
مرة أخرى، تعود سبتة إلى واجهة الأحداث، ويعود معها الجدل نفسه. غير أن أكثر ما يستوقف الباحث في خضم هذه المأساة ليس كثرة التحليلات ولا تعدد المواقف، وإنما أولئك الذين غابوا عن النقاش لأن البحر ابتلع أصواتهم قبل أن يسمع أحد روايتهم. هناك من فقد حياته وهو يحاول العبور، وهناك من لا يزال في عداد المفقودين، فيما تعيش أسر كاملة بين أمل اللقاء ومرارة الانتظار. وفي كل مرة تتكرر فيها هذه المشاهد، يبدو وكأننا اعتدنا رؤية الموت على الحدود أكثر مما اعتدنا البحث عن أسبابه الحقيقية.
رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر، ورجاؤنا أن تتكشف في أقرب وقت مصائر المفقودين، لأن أصعب ما يمكن أن تعيشه أسرة ليس خبر الوفاة، بل انتظار خبر قد لا يأتي أبداً.
وكما يحدث في كل أزمة، انقسمت الآراء سريعاً. فهناك من أعاد ما وقع إلى البطالة والهشاشة الاجتماعية، ومن رأى أنه نتيجة مباشرة للحكم القضائي الإسباني الأخير، ومن ربطه بالتقارب الإسباني الجزائري والتحركات الدبلوماسية في المنطقة، بينما اعتبر آخرون أن الأمر يعكس فشل السياسات العمومية أو خللاً في تدبير ملف الهجرة. ويكشف هذا التباين أن كل طرف يحاول تفسير الظاهرة من الزاوية التي يراها الأقرب إلى قناعاته أو مصالحه، غير أن الهجرة، في حقيقتها، أكبر بكثير من أن تختزل في تفسير واحد أو حدث واحد.
بصفتي باحثة في سياسات الهجرة واللجوء، أرى أن الهجرة لا تُقرأ بمنطق ردود الفعل، وإنما تتطلب استحضار منطق التراكمات. فالهجرة ظاهرة مركبة تتقاطع فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية مع الاعتبارات الأمنية والسياسية والجيوسياسية، ولذلك فإن محاولة البحث عن سبب وحيد لكل موجة هجرة لا تساعد على فهمها، بل تبسط واقعاً شديد التعقيد.
لقد ظل المغرب، منذ عقود، بلداً مصدراً للهجرة، قبل أن يصبح أيضاً بلد عبور واستقرار للمهاجرين. وهذه الحقيقة ليست جديدة، وتدركها إسبانيا جيداً، كما يدركها الاتحاد الأوروبي. فالقرب الجغرافي، والروابط التاريخية والإنسانية، واستمرار الفوارق الاقتصادية بين ضفتي المتوسط، كلها تجعل من المغرب فاعلاً محورياً في معادلة الهجرة بغرب المتوسط. ولهذا السبب لم يعد التعاون مع المغرب مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح ضرورة استراتيجية بالنسبة لإسبانيا وأوروبا.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خلخلة في العلاقات السياسية أو الجيوسياسية بين الرباط ومدريد لا تبقى مجرد خلاف دبلوماسي عابر، لأن ملف الهجرة يقوم أساساً على الشراكة والتنسيق المستمر وتبادل المعلومات والتعاون الميداني والثقة المتبادلة. وكلما اهتزت هذه الثقة، تزداد المخاوف الأوروبية من انعكاس ذلك على إدارة الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي. ولعل هذا ما يفسر أن إسبانيا، كلما واجهت ضغوطاً مرتبطة بالهجرة، تتجه إلى بروكسيل طلباً للدعم السياسي والمالي والعملياتي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن حماية الحدود الجنوبية ليست مسؤولية مدريد وحدها، بل مسؤولية أوروبية مشتركة.
وفي المقابل، لا يمكن أن تقوم هذه الشراكة على تصور يجعل من المغرب مجرد حارس للحدود الأوروبية. فالمغرب يتحمل منذ سنوات مسؤوليات كبيرة في مكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة والإرهاب، وهي مسؤوليات لا تخدم أمنه الوطني فقط، بل تسهم أيضاً في حماية الفضاء الأوروبي. ومن ثم، فإن منطق الشراكة يقتضي أن تكون العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل وتوازن المصالح، لا على اختزال دور أحد الطرفين في تنفيذ التزامات أمنية دون الأخذ بعين الاعتبار أولوياته وتحدياته التنموية والاجتماعية.
وفي كل أزمة، يميل الخطاب السياسي إلى تبادل المسؤوليات. فهناك من يحمل المغرب مسؤولية عدم تشديد الرقابة بما يكفي، وهناك من يرى أن السياسات الأوروبية نفسها أسهمت في إنتاج هذه المآسي، من خلال تضييق مسارات الهجرة النظامية، وتشديد أنظمة التأشيرات، وتوسيع آليات الردع والإرجاع. (Externalisation des Frontières)
وبين هذين الخطابين، يغيب السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن الإنسان الذي وجد نفسه أمام أبواب قانونية مغلقة، بينما بقي البحر مفتوحاً بكل مخاطره؟
لقد بينت التجارب الدولية أن بناء الأسوار، وتشديد المراقبة، وتسريع عمليات الإرجاع، قد يغير مسارات الهجرة، لكنه لا يلغي دوافعها. فالإنسان لا يختار ركوب البحر لأنه يهوى المغامرة، وإنما لأنه يصل إلى لحظة يشعر فيها بأن الطريق النظامي أصبح شبه مستحيل. وكلما تقلصت فرص التنقل القانوني، ازدادت جاذبية المسارات غير النظامية، حتى وإن كانت نهايتها الغرق أو الاختفاء.
وتبرز هنا مفارقة يصعب تجاهلها. ففي الوقت الذي تعاني فيه قطاعات اقتصادية أوروبية عديدة من خصاص في اليد العاملة، وتستفيد من العمال المغاربة في برامج الهجرة الدائرية والعمل الموسمي، تتزايد في المقابل القيود المفروضة على التنقل القانوني لفئات واسعة من الشباب. وهذا التناقض يجعل السياسات الحالية تبدو وكأنها تستجيب للحاجات الاقتصادية عندما تفرضها السوق، لكنها لا توفر في المقابل قنوات قانونية كافية وآمنة للراغبين في الهجرة.
إن مأساة سبتة لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لتبادل الاتهامات، لأن كل طرف سيجد ما يدعم روايته. لكن البحر لا ينحاز لأي رواية. إنه يحتفظ دائماً بالضحايا، ويعيد إلى الشاطئ، بين حين وآخر، أجساداً كانت تحمل أحلاماً بسيطة: عمل، وكرامة، ومستقبلاً أفضل. ولهذا، فإن النجاح الحقيقي في إدارة الهجرة لا يقاس فقط بعدد محاولات العبور التي تم إحباطها، ولا بعدد الأشخاص الذين تمت إعادتهم، وإنما يقاس أولاً بعدد الأرواح التي تم إنقاذها، وبقدرة السياسات العمومية على تقليص دوافع الهجرة القسرية، وفتح مسارات آمنة ومنظمة للتنقل، وتعزيز التنمية والشراكة المتوازنة بين ضفتي المتوسط
إن سبتة ليست مجرد نقطة حدودية، بل مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب، وتكشف أن أمن أوروبا واستقرار جوارها الجنوبي وجهان لعملة واحدة. وإذا كانت السياسة تبحث دائماً عن توازنات ومصالح، فإن الإنسانية تذكرنا بأن هناك حدوداً لا ينبغي تجاوزها، وفي مقدمتها أن تتحول حياة البشر إلى ثمن تدفعه التجاذبات السياسية والخلافات الجيوسياسية.