أمطار الخير.. انفراج مائي يعاكسه لهيب الأسواق وواقع الخسائر الميدانية
شهد الموسم الفلاحي الحالي تحسنا ملحوظا بفضل التساقطات المطرية القياسية التي رفعت مخزون السدود إلى مستويات قياسية مساهمة في تعزيز التوقعات الإنتاجية للحبوب، مما بعث تفاؤلا بشأن تحقيق محصول وفير.
في المقابل، يواجه هذا الانتعاش “مفارقة مقلقة”؛ إذ لا تزال أسعار الخضر والفواكه مرتفعة في الأسواق، وهو ما يعزوه الخبراء إلى استمرار المضاربات وغياب آليات فعالة لضبط تكاليف النقل وتسقيف أسعار المحروقات، مما يحد من انعكاس الوفرة الإنتاجية على القدرة الشرائية للمواطن.
كما كشف الواقع الميداني أن هذه الأمطار لم تكن دائما بشارة خير، حيث تسببت عواصف رعدية وتساقطات بردية في أضرار جسيمة للمحاصيل في عدة مناطق، مما وضع الفلاحين، لا سيما الصغار والمتوسطين منهم، أمام خسائر فادحة تهدد استقرارهم المهني والاجتماعي.
في سياق متصل، أكد يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن الموسم الفلاحي الحالي يسجل نتائج جد إيجابية على مستوى حقينة السدود؛ حيث بلغت نسب الملء مستويات قياسية تجاوزت خمسة مليارات متر مكعب، بفضل التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها البلاد.
كما أشار الخبير في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” إلى أن هذه الظروف المناخية المواتية مكنت من رفع التوقعات الإنتاجية للحبوب، حيث يتجه المغرب نحو تحقيق محصول يصل إلى 100 مليون قنطار، بعد أن كانت التقديرات الأولية لا تتجاوز 75 مليون قنطار.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، سجل كراوي الفيلالي ملاحظة مقلقة تتعلق باستمرار ارتفاع أسعار الخضر والفواكه في الأسواق، مبرزا أن وفرة الإنتاج وحدها لا تكفي حاليا لتخفيض التكلفة على المواطن في ظل غياب تأثير ملموس لهذه الوفرة.
وأوضح المتحدث أن السبب الرئيسي وراء بقاء الأسعار مرتفعة يكمن في استمرار نشاط المضاربات، بالإضافة إلى غياب تسقيف لأسعار المحروقات، وبالأخص مادة “الغازوال” التي تعتبر عنصراً أساسياً في تكلفة نقل المنتجات الفلاحية.
لتحقيق أثر ملموس ينعكس إيجابا على القدرة الشرائية للمواطنين، شدد الخبير على ضرورة اتخاذ إجراءات موازية لوفرة الإنتاج؛ أهمها تفعيل آليات صارمة لمراقبة الأسعار وضبطها مباشرة من المصدر، بدءاً من كبار الموردين والفلاحين.
ختم كراوي الفيلالي تصريحه بالتأكيد على ضرورة مراقبة تسعيرات نقل البضائع لضمان عقلانيتها، وذلك لضمان وصول المنتجات الفلاحية إلى المستهلك النهائي بأثمنة معقولة، مما ينهي حالة الغلاء غير المبرر في الأسواق.
من جانبه، أوضح خالد العماري، بصفته فلاحا ونائبا للمقرر المركزي والجهوي بجهة فاس-مكناس للاتحاد النقابي للمهنيين بالمغرب، أن الأمطار القياسية التي شهدتها المملكة هذا العام لا تحمل بالضرورة وقعا إيجابيا مطلقا على الفلاحين؛ إذ لا تقتصر طبيعة هذه التساقطات على الجوانب المائية المحفزة، بل قد تتخذ أحيانا طابعا مدمرا للمحاصيل.
سلط العماري الضوء على الأضرار الجسيمة التي خلفتها العواصف الرعدية القوية والتساقطات البردية الاستثنائية التي ضربت إقليمي الحاجب ومكناس قبل أيام، مؤكدا أنها أتت على مساحات شاسعة من الأشجار المثمرة والمزروعات الموسمية، مما أدى إلى إتلاف المحاصيل وتضرر الإنتاج بشكل مباشر.
وعبَّر المتحدث، في سياق تمثيليته المهنية عن القطاع الفلاحي وذوي المعدات الفلاحية، عن قلقه البالغ إزاء هذه الوضعية، مشددا على أن هذه الكوارث المناخية المفاجئة قد تسببت في خسائر فادحة للفلاحين بالمنطقة، وهو ما يفرض تحديات جديدة تضاف إلى الأعباء التي يواجهها القطاع في ظل التقلبات المناخية.
وأكد أن هذه “الكارثة الطبيعية” تنذر بتداعيات اقتصادية واجتماعية وخيمة، خاصة على فئة الفلاحين الصغار والمتوسطين، الذين يشكل النشاط الفلاحي مصدر دخلهم الوحيد والأساسي، مما يجعل استقرارهم الأسري والمهني في وضعية حرجة.
ودعا المتحدث نفسه أن القطاع الوصي والجهات المسؤولة إلى التدخل الفوري لإحصاء دقيق للأضرار، وتفعيل آليات الدعم والمواكبة، مع العمل على تسريع صرف التعويضات في إطار التأمين الفلاحي، وتوفير الدعم التقني واللوجستي اللازم لإعادة تأهيل الضيعات المتضررة.
وشدد على ضرورة تبني إجراءات استباقية وناجعة لحماية القطاع الفلاحي من مخاطر التغيرات المناخية، مع العمل على تعزيز منظومة التأمين والتغطية الفلاحية لضمان حماية المكتسبات الفلاحية وتوفير الأمن الاقتصادي للمنتجين.