story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

أخنوش مطرود

ص ص

عرفنا في المغرب أشكالا مختلفة لرؤساء الحكومات، منها المعيّن والمنصّب ومصرّف الأعمال… لكننا نعرف لأول مرة رئيس حكومة مطرود.

نعم، هذا هو الوصف الأنسب لما جرى يومي السبت والأحد الماضيين، حيث اضطرت “الدولة” إلى إخراج الورقة الحمراء (عبر إظهار العين الحمراء ربما) لحمل عزيز أخنوش على الانزياح من طريق ترتيباتها للمرحلة المقبلة.

خلاصة تتبّع عميق لتفاصيل الأحداث الأخيرة، وإنصات مطوّل لكثير من المصادر والمراقبين، أن الرجل تلقى ما يشبه الطرد المبكّر، ساعات قليلة بعدما وقف أمام المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار، و”تجدّر” على المغاربة متوعّدا ببلاغ للمكتب السياسي، قال إنه سيصدر في اليوم الموالي، للتمديد لمختلف هياكل الحزب، مبرّرا ذلك ب”خصوصية هذه السنة وما يرافقها من استحقاقات مهمة (يشير إلى الانتخابات)”.

أخنوش قال في كلمته المصوّرة زوال السبت، إن الخطوة ستتم “حرصا على ضمان استمرارية العمل الميداني دون انقطاع، حيث سنواصل ذلك من خلال تدشين “مسار المستقبل” بتعميق النقاش العمومي وتوسيع المشاركة عبر إشراك المنظمات الموازية وكافة الفاعلين”.

وخلال ساعات، سيوجّه أخنوش دعوة عاجلة إلى الصحافة المقرّبة منه، ليحمّلها تصريحا شفويا منسوبا إليه شخصيا (العجب)، يلتزم فيه بعقد مؤتمر استثنائي وعدم الترشح.

ماذا سيكون كل هذا إن لم يكن شكل أجير مطرود؟

يبدو أن أخنوش اضطر الدولة إلى أبغض الحلال هذا بعدما رفض فهم كل الرسائل، المشفّرة والواضحة، التي بعثتها إليه، بدءا من خطاب العرش الأخير الذي ينطوي ضمنيا على حكم بالفشل على الحكومة الحالية، وما تلاه من خطوات قامت بها وزارة الداخلية تباعا لإفهام الرجل أن صلاحيته انتهت.

أكثر من ذلك، راح أخنوش يردّ بوضوح وعبر قنوات الإعلام العمومي، على خلاصات خطاب العرش، ويصرّ على تبييض كل ما قال الملك إنه نقط سوداء في التدبير العمومي والعدالة المجالية، لتأتي احتجاجات “جيلZ” الشبابية، لتجهز على أحلام أخنوش في الاستمرار.

من بين من تحدّثت إليهم مساء أمس وأنا أحاول استكمال صورة ما وقع، شخصية سياسية مرموقة، لها قنواتها الخاصة في قراءة مزاج الدولة. سألته: “ماذا ترى في الذي حدث؟” فأجابني قائلا إن الدولة بطبيعتها لا تحبّ الظهور في موقف الاستجابة تحت الضغط، في إشارة منه إلى مطلب الاحتجاجات الشبابية بإقالة الحكومة.

“لقد تحقّق هدف التخلّص من حزب العدالة والتنمية الذي جيء به من أجله، لكن شعبيته تراجعت لدرجة تجعل بقاءه أمرا بالغ الخطورة”، يقول محدّثي، والذي استعمل العبارة الفرنسية ” il est devenu tellement impopulaire que le maintenir va devenir dangereux”.

كتب صديقي الأستاذ الجامعي إسماعيل حمودي معلّقا على إعلان خروج أخنوش من قيادة حزب الأحرار في مؤتمر استثنائي، معتبرا أن أخنوش قد يكون استأذن بشأن قراره الاستقالة قبل الاعلان عنه. لكنني شخصيا لا أعتقد ذلك.

فبالنظر إلى شخصية أخنوش وهوسه بالصورة، لو كان خيار الخروج من الباب الضيق واردا لديه لما ألقى خطاب الاستمرارية أمام المجلس الوطني، ولما حرص على تبليغه في مقطع فيديو قصير نشرته صفحات الحزب.

السياسة في الحالة المغربية لا تفترض حدوث كل التحولات عبر “قرارات” بالمعنى الإداري للكلمة، بل تتم في جانب منها في شكل إشارات تُقال بغير لغتها، وتُعلن بغير أدواتها، ثم تترك للناس أن يربطوا المعنى بما يعرفونه عن منطق الدولة أكثر مما يعرفونه عن بلاغات الأحزاب.

نحن أمام قفزة سريعة من خطاب الاستمرارية إلى إعلان الانسحاب، ومن وعد صريح (أقرب إلى الوعيد) بتمديد الهياكل إلى خبر مخدوم وموجّه بعناية، عبر منابر بعينها، مفاده أن عزيز أخنوش لن يترشح لولاية جديدة، وأن الحزب ذاهب إلى مؤتمر استثنائي لانتخاب رئيس جديد.

راح الرجل نفسه يطلب من الإعلام القريب أن ينشر عنه ما يناقض ما قاله بالأمس، ويضع الحزب أمام حقيقة جديدة: لا تمديد، ولا تجديد، ومؤتمر استثنائي مستعجل قبل موعد المؤتمر العادي.

فلماذا الاستعجال إذا كان المؤتمر العادي قريبا؟ ولماذا مؤتمر استثنائي بلا طارئ تنظيمي معلن؟ من أين جاءت هذه العجلة التي تجعل زعيما يبدو كما لو أنه يريد أن يسبق حدثا لا يريد له أن يقع وهو على الكرسي؟ ألم يكن أخنوش قبل ساعات قليلة يتحدث عن تأجيل المؤتمر العادي والتمديد لجميع هياكل الحزب؟ كيف أصبح التأخير تقديما؟

في الديمقراطيات التي تُحسن احترام قواعدها، يدخل زعيم الحزب “الحاكم” الانتخابات وهو في الواجهة. يقدّم حصيلته، ويسمع حكم الناس، ثم يُعيد ترتيب موقعه وفق اختيار الصندوق.

أمّا أن يُعلن الانسحاب قبل الاستحقاق، وبصيغة مُستعجلة، فإن الرسالة التي تخرج إلى المجال العام لا تُقرأ بوصفها “تواضعا” و”تنازلا”، بل بوصفها رغبة في الإفلات من لحظة الحساب.

كأن الرجل ينسحب (أو يُطرد) كي لا يتحوّل الموعد الانتخابي الحيوي إلى محطة لمحاسبة الدولة نفسها، باعتبارها وراء الإتيان به وإنزاله فوق حزب الحمامة ثم فوق رقاب المغاربة.

تضارب المصالح، وغلاء المعيشة، وتآكل الثقة… كل هذا يفترض أن يكون عنوانا لمحاسبة أخنوش والدولة من ورائه في الانتخابات المقبلة.

لا يمكن أن يقرأ ما وقع بعيدا عن مسار أخنوش تحت جناح الدولة بكل تعرّجاته. انتقاله بين المواقع والألوان، من الحركة الشعبية إلى الأحرار مرورا باللا انتماء.

إخراجه من حزب وتوزيره باسم آخر، وتجريده من أي انتماء ليلتحق بحكومة العدالة والتنمية، ثم تنصيبه رئيسا للأحرار كي يطيح بابن كيران.

كلها خطايا يحملها صندوق مشترك بين أخنوش والدولة، وكان ينبغي أن يعرض ضمن تمرين ربط المسؤولية بالمحاسبة عبر الانتخابات.

لكن الدولة لا تُحب أن تبدو وكأنها تُسلّم رقبتها للضغط، كما قال محدّثي السابق، لكنها في الآن نفسه لا تُراكم الغضب على واجهتها التنفيذية حتى يصير العبء مهددا لفكرة الاستقرار نفسها. وحين تتبدل الكلفة، تتبدل الحسابات.

انسحاب أخنوش يتجاوز كونه حركة داخل حزب، ليُفهم كإعلان غير مباشر عن نهاية نموذج ارتبط باسمه: سياسات قُدّمت كتدبير عقلاني (المغرب الأخضر) بينما تلقاها الناس كـ“خطيّة”، ووعدٌ اقتصادي كان يفترض أن يوسّع الرفاه فإذا به يرسّخ امتيازه، ومجال فلاحي يُحاكم اليوم بسؤال الماء والغلاء والاختلالات البنيوية، ثم إعلامٌ أُريد له أن يكون أداة إقناع وتواصل فإذا به يتحوّل إلى خراب.

لكل هذا، لا يبدو ما وقع مع أخنوش “استقالة” بالمعنى الذي نعرفه في السياسة، ولا “انسحابا” كما تُزيّنه اللغة حين تريد أن تجعل الهزيمة قرارا ذاتيا.

ما وقع هو طردٌ مكتمل الشروط: زعيمٌ كان يتحدث زوال السبت بثقة التمديد، ويعد ببلاغ يكرّس الاستمرارية، ليستيقظ صباح الأحد على ضرورة أن يمحو كلامه بكلام معاكس، وأن يمرّ فوق مؤسسته الحزبية ليفتح، على عجل، باب مؤتمر استثنائي قبل موعد المؤتمر العادي.

إنه إخراجٌ سريع من المشهد لرجل أصبح يجسّد معضلة دولة. وبالتالي لا يجوز أن نقول إن الرجل غادر لأنّه اختار، بل لأنّه لم يعد مسموحا له أن يبقى.