story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

أخنوش خارج اللعبة؟

ص ص

هل استقال أخنوش أم أقيل؟ سؤال تصعب الإجابة عنه بدقة، ما لم يُجب عنه أخنوش نفسه. لكن بالعودة إلى السياقات، يبدو أن الرجل كان حتى صبيحة السبت 10 يناير الماضي، مصرا على الاستمرارية والاستعداد لخوض المعركة الانتخابية المقبلة، ويعني ذلك أن أخنوش قد تعرض للإقالة والإبعاد بنوع لا يخلو من القسوة، وهو الاحتمال المرجح والقوي.

لكن المحيطين بأخنوش لا يستبعدون احتمالا آخر، مفاده أن أخنوش قد يكون طلب هو نفسه الابتعاد والاستقالة من العمل الحزبي، بناء على تقييم شخصي وربما عائلي أيضا، خصوصا بعدما أصبح محط اعتراض سياسي وشعبي واسع إثر احتجاجات “جيل Z”، ومتهما بتضارب المصالح والهيمنة على قطاعات واسعة ذات حساسية، غير أن الموافقة على طلب رحيله جاءته متأخرة، وربما في توقيت لم يتوقعه بل صادم له.

فما دلالات الحدث؟ ولماذا جاء في هذا التوقيت بالضبط؟ وما تداعياته على حزب التجمع الوطني للأحرار وعلى المشهد السياسي والحزبي على بعد أشهر معدودات من الانتخابات التشريعية المقبلة؟

استقالة أم إبعاد؟

وفق تصريحات لقيادات في التجمع الوطني للأحرار، فإن الأمر يتعلق باستقالة شخصية نابعة من تقييم أخنوش لمساره في السنوات الأخيرة، خصوصا بعد ارتفاع حدة المواجهة ضده من خلال اتهامات تضارب المصالح وغيرها، تقييم أفضى به إلى رفع طلب التنحي قبل أن يحصل متأخرا على الموافقة، فهو قرار شخصي إذن.

لكن الأغلبية الساحقة من التحليلات، وبالنظر إلى السياقات الحافة بهذا القرار، تدفع إلى القول إنه من الصعب جدا اعتبارها قرارا شخصيا خالصا، ومستقلا تماما عن تقديرات وتدخل مباشر أو غير مباشر من السلطات العليا في الدولة.

من الحجج التي تدفع نحو هذ التحليل، عنصر المفاجأة وراء القرار المعلن؛ كان أخنوش قبل أقل من 24 ساعة على إبلاغه قرار التنحي للمكتب السياسي لحزبه ثم للإعلام المقرب منه، يتحدث في اجتماع للمجلس الوطني لحزبه، يوم السبت 10 يناير الجاري، عن تأجيل المؤتمر العادي لحزبه، من خلال تفويض المكتب السياسي اتخاذ قرار بالتمديد للمؤسسات والهيئات الحزبية المنبثقة عن آخر مؤتمر عادي في مارس 2022، بحجة الحفاظ على استقرار المؤسسات الحزبية استعدادا للانتخابات التشريعية المقبلة، بل تحدث خلال افتتاحه لبرلمان حزبه عن استعداده للفوز في انتخابات 2026، وربما الاستمرار رئيسا للحكومة لولاية ثانية.

فجأة، وبعد ساعات على نهاية أشغال المجلس الوطني، وبينما لم يكن بيان هذا الأخير قد صدر بعد، أبلغ أخنوش قيادة حزبه برغبته في التنحي عن رئاسة الحزب وعدم الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة.

ما يعزز هذا الطرح، أن أخنوش قد أضحى مركز التناقض السياسي، بحيث بات يواجه ثلاثة أطراف على الأقل، ممن يرون فيه تهديدا ينبغي تحييده وإبعاده: الطرف الأول، وزارة الداخلية بصفتها السلطة المخول لها الحفاظ على التوازن بين الفاعلين في الحياة السياسية، وهو التوازن الذي تعرض للاختلال في ظل صعود أخنوش وهيمنته على مساحات واسعة في الحياة السياسية.

الطرف الثاني، يتمثل في أحزاب المعارضة وأحزاب الأغلبية كذلك، وهو طرف بات يرى في هيمنة أخنوش واتساع نفوذه السياسي والإعلامي والاقتصادي تهديدا للمستقبل السياسي لتلك الأحزاب، التي تعيش أزمة.

ويتمثل الطرف الثالث في معارضات الشارع، أي كل النخب والفئات التي تضررت من سياسات أخنوش وحكومته، والتي انتفضت في شكل احتجاجات متكررة سواء في البوادي أو المدن، ومن أبرزها وأقواها احتجاجات جيل Z، هذه الأخيرة طالبت صراحة بـ”رحيل أخنوش”، على خلفية ما تعتبره تلك الاحتجاجات “فشلا حكوميا في إدارة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تحول هو إلى ركز لأوليغارشيا اقتصادية مفترسة”.

لعل هذا الوضع، أي تحول أخنوش إلى مركز للتناقض السياسي، معناه اشتداد المواجهة السياسية والانتخابية في المرحلة المقبلة، والتي من شأنها أن تفضي في النهاية إلى أحد أمرين: هزيمة أخنوش في الانتخابات المقبلة، أو فوزه فيها.

في حالة الفوز، وهو احتمال ممكن، قد يتحول إلى أقوى فاعل سياسي في تاريخ المغرب، إذ سيحصل وفق هذا الاحتمال على شرعية انتخابية (افتقر إليها في انتخابات 2021)، وسيعتبر ذلك تزكية لأداء حكومته بشرعية الإنجاز (هكذا سيُقرأ فوزه المحتمل)، مدعوما بقوة المال والسلطان، وبشبكة قوية وفعالة من التحالفات، ستجعل منه المحدد الرئيسي لكل التطورات السياسية المقبلة، مع ما يعنيه ذلك من اختلال عميق في التوازنات القائمة حاليا.

من المحتمل أن يكون أخنوش قد انتبه إلى هذه التطورات ومخاطرها على النسق السياسي برمته، فاتخذ قراره الوقائي بطلب الانسحاب. وهذا يؤكد مرة أخرى احتمال أن يكون قراره شخصي كما يقول المقربون منه. لكن بالعودة إلى السياقات مرة أخرى، أي إلى سلوكه السياسي (تصريحاته، مواقفه، جولاته الجهوية الأخيرة…) طيلة الفترة الماضية، فإن الرجل أظهر ما يكفي من المؤشرات حول رغبته في الاستمرارية والمواجهة قصد الفوز في الانتخابات المقبلة.

ولعل ما يعزز هذا الطرح كذلك، أنه لم يُحضّر للمؤتمر العادي لحزبه، إذ تنتهي ولايته الثانية والأخيرة على رأس الحزب منذ آخر مؤتمر عادي في مارس المقبل، وكان بالإمكان تقديم تاريخ المؤتمر عن موعده من أجل انتخاب قيادة جديدة، لكنه اختار التمديد لهيئات الحزب إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو دليل إضافي على رغبته القوية في الاستمرارية والمواجهة والفوز.

يمكن أن نضيف حججا أخرى، منها أن الصراع الانتخابي الذي تشكلت ملامحه خلال مرحلة مناقشة القوانين الانتخابية في البرلمان، تَهيكل حول الصراع مع أخنوش، ولعل إصرار وزارة الداخلية على رفض بعض تعديلات أحزاب الأغلبية، وخصوصا تعديلات التجمع الوطني للأحرار، يكشف عن وجود استعداد قبلي لاستعمال القوانين الانتخابية لمنع حزب الأحرار من الاكتساح في الانتخابات التشريعية المقبلة.

كما رصد محللون وجود تنسيق محتمل بين أحزاب في الأغلبية وأخرى في المعارضة، وخصوصا بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، ظهر في التهدئة الخطابية بين الطرفين، وفي التعاون على مستوى عمل اللجان داخل مجلس النواب.

أخذا بعين الاعتبار كل ما سبق، من المرجح أن يكون أخنوش قد طلب في سياق معين، خصوصا خلال احتجاجات “جيل Z”، الاستقالة من منصبه، لكن من المؤكد أيضا أن سياق الموافقة على طلبه كان مفاجئا له، لأنه ينطوي على معنى الإبعاد القسري من مركز اللعبة السياسية، في صيغة تدخل قبلي لا يخلو من قسوة، حيث استغلت الجهة أو الجهات التي اتخذت قرار إبعاده قراره التمديد لنفسه على رأس الأحرار ولباقي هيئات الحزب، وإن أراد استصدار القرار من طرف المكتب السياسي بحجة الانتخابات المقبلة، من أجل تنحية رئيس الحزب وإحالته قسرا على التقاعد السياسي المبكر، وهو قرار خلّف العديد من التساؤلات، إلا أن تداعياته ستكون أكبر على حزب الأحرار، كما على المشهد السياسي.

حزب بدون رأس

أولى التداعيات المحتملة ستكون على حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه، الذي صار تحت رئاسة عزيز أخنوش، حزبا قائدا للحكومة الحالية، كما صار من أكبر الأحزاب السياسية وأكثرها نفوذا في المغرب.

ومن المعلوم أن حزب التجمع الوطني للأحرار ظل عنصر توازن طيلة تاريخه، ولم يصل إلى قيادة الحكومة سوى بعد وصول أخنوش إلى قيادته.

لقد تأسس حزب الأحرار سنة 1978 على يد أحمد عصمان، الذي كان حينها وزيرا أولا بين 1972 حتى 1979، وهو زميل دراسة الملك الراحل الحسن الثاني ثم صهره.

أي أن مؤسس الحزب كان من النخب المولوية، التي تربّت وتعلمت في كنف العائلة الملكية قبل أن تصير جزءا منها عبر آلية الزواج/المصاهرة. في حين تشكلت قاعدة هذا الحزب لحظة تأسيسه من الأعيان أعضاء البرلمان والغرف المهنية والجماعات المحلية، وقد ارتبط الدور السياسي لبعض العائلات الكبرى في الأقاليم والجهات بحزب الأحرار تحديدا، وظلت وفية له.

في العمق، يبدو الأحرار كما لو شكل الأداة السياسية والتنظيمية للأعيان في البوادي، باعتبارهم ركيزة النظام السياسي وحلفاؤه. بالمقابل، لعل ما دفع الرئيس عصمان (وربما بإيعاز من الملك الحسن الثاني حينها) إلى تأسيس حزب الأحرار، حاجة النظام نفسه إلى حزب ذو نفوذ اجتماعي قوي وموال للسلطة تُحقق من خلاله التوازن السياسي مع أحزاب المعارضة التاريخية حينها، بما يتيح للملك أيضا ممارسة دوره في التحكيم السياسي بين متنافسين، بعدما كان هو نفسه طرفا مباشرا في الصراع مع تلك الأحزاب طيلة الستينيات والسبعينيات.

وظل حزب الأحرار عنصر توازن سياسي طيلة تاريخه السياسي، حتى ترأسه عزيز أخنوش في مؤتمر استثنائي سنة 2016.
لم يكن مجيء أخنوش إلى رئاسة الأحرار طبيعيا، خصوصا وهو نفسه كان قد صرّح باعتزاله السياسة في صيف 2016، في سياق صعب حينها، تميز باشتداد المواجهة السياسية والانتخابية بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية، انتهت بفوز هذا الأخير وتكليف أمينه العام عبد الإله بنكيران برئاسة الحكومة لولاية ثانية.

لكن فرحة بنكيران لم تكتمل. فقد ظهر مع الوقت أن استدعاء أخنوش لرئاسة الأحرار، لم يكن من أجل منع بنكيران من تشكيل الحكومة فقط، أو إضعاف حزب العدالة والتنمية قبل الإطاحة به في انتخابات 2021، بل إن الرجل تحول تدريجيا إلى مهندس أساسي للعبة السياسية طيلة الفترة ما بين 2017 حتى 2021، قبل أن يتوج رئيسا للحكومة عقب انتخابات 2021، التي تحوم حول نزاهتها الكثير من الأسئلة.

وخلال رئاسته للأحرار، أعاد أخنوش تشكيل الحزب من جديد، من خلال استقطاب رجال المال والأعمال (بعضهم صاروا وزراء بعد التعديل الحكومي)، وعبر استقطاب بعض وسائل الإعلام وما يسمى بـ”المؤثرين” من خلال التمويل والإشهار والدعم العمومي، وأيضا تجديد البنية التنظيمية للحزب عبر إنشاء ما يسمى بـ”التنظيمات الموازية”، التي وصل عددها إلى 19 هيئة حاليا، شكلت آلية لاستقطاب النخب (مهندسين، محامين، أساتذة جامعيين، شباب، نساء….).

وعبر هذه الهيكلة الجديدة صار الأحرار حزب أخنوش، في حين تراجع دور الأعيان والعائلات العريقة والنخب الوفية للحزب، بل إن منهم من انسحب من هياكله تماما. لقد صنع أخنوش من خلال الفئات والنخب التي أعاد بواسطتها هيكلة الأحرار شبكات نفوذ واسعة، وهي شبكات لتبادل المصالح أساسا.

باستحضار كل جهود أخنوش تلك في تغيير بنية حزب الأحرار، من المرجّح أن يكون قرار “تنحيته” بمثابة “زلزال سياسي”، قد تكون له موجات وارتدادات ستكشف عن نفسها مع مرور الوقت.

ومن المتوقع في هذا الإطار أن تنفضّ من حول الحزب كل تلك الشبكات التي صنعها أخنوش حول نفسه، والتي قد تتفكك في حالة ابتعاده عن الحزب ومغادرته له بشكل نهائي. لكن قد تبقى إذا هو ظل مرتبطا بالحزب، يقوده من الخلف ولو مؤقتا.

عموما، تشعر الكثير من الوجوه التي كانت تتكلم باسم حزب الأحرار في السنوات الماضية باليتم السياسي، وربما تتوقع نهايتها السياسية أو تراجع موقعها ونفوذها على الأقل.

ومن بين المتضررين كذلك، عدد من المؤسسات الإعلامية التي تضخم دورها ورقم معاملاتها المالية في كنف أخنوش، وكذا بعض “المؤثرين” الذين ارتبط اسمهم وصعودهم بصعود اسم أخنوش، وهي أطراف تغولت وهيمنت على الوسط الإعلامي، ومن المرتقب أن بوصلتها السياسية والمالية ستدخل بدورها مرحلة صدمة، قد تفضي إلى بها إلى إعادة النظر في حساباتها، في اتجاه التقليص الذاتي، والعودة إلى حجمها الطبيعي.

بالمقابل، قد يعود المتضررون من أخنوش داخل الحزب، خصوصا بعض العائلات والأعيان الذين انسحبوا إلى الخلف خلال السنوات الماضية، إلى الواجهة الحزبية مجددا.

ومن المرجح أن يؤدي انسحاب أخنوش من رئاسة حزب الأحرار إلى تراجع احتمالات فوزه في الانتخابات المقبلة بالمرتبة الأولى، وقد تتراجع مكانته السياسية أيضا، لكن من المحتمل جدا أن يعود إلى حجمه الطبيعي السابق، وإلى دوره السياسي كحزب وُجد من أجل تحقيق التوازن وليس من أجل الهيمنة.

إرباك المشهد السياسي

من المؤكد أن تداعيات استقالة/إقالة أخنوش لن تقتصر على حزب الأحرار فقط، بل ستربك المشهد الحكومي والسياسي كذلك، الذي اتجه الفاعلون فيه، منذ الصيف الماضي على الأقل، نحو إرساء تناقض سياسي صريح وواضح بين أخنوش من جهة، وأطراف مختلفة أخرى (وزارة الداخلية، الأحزاب، الشارع السياسي)، لكل منها حساباته وإكراهاته.

لكن، وبسحب أخنوش من المشهد، وعلى بعد أشهر معدودات من الانتخابات التشريعية المقبلة، قد تجد تلك الأطراف نفسها في حاجة إلى إعادة ترتيب علاقاتها وخططها من جديد.

من المعلوم أن أخنوش يجمع بين رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب القائد للأغلبية الحكومية، أي حزب التجمع الوطني للأحرار، ولعل استقالته/إقالته ستعني اهتزازا أكبر في مركز الثقل داخل التحالف الحكومي، وقد نلاحظ تراجع نسبة الانسجام في الأغلبية الحكومية، وبروز صراعات بين أحزابها، خصوصا مع قرب الانتخابات التشريعية المقبلة.

ولأن الحدث كان مفاجئا، فقد يخلق حالة من الترقب داخل الإدارة وفي صفوف الفاعلين الاقتصاديين، ويربك السير العادي للقطاعات الحكومية، خصوصا تلك التي تدبر ملفات اجتماعية حساسة.

لكن بعض الأحزاب قد تستفيد من التطور الجديد، سواء تعلق الأمر بأحزاب في الأغلبية الحكومية مثل حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، أو بأحزاب في موقع المعارضة مثل حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية.

ومن شأن ما حصل، أن يحرر اللعبة السياسية نسبيا، وأن يحرر تلك الأحزاب، خصوصا التي تضررت من صعود أخنوش، مثل “البيجيدي”، لاستعادة بعضا من زخمها السياسي والانتخابي السابق.

وإذا كان رحيل أخنوش يحتمل تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار عن المنافسة على المرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة، فإن التنافس قد يشتد أكثر بين ثلاثة أحزاب أساسية على الأقل: حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، وحزب العدالة والتنمية، خصوصا إذا اتسمت الانتخابات المقبلة بقدر أكبر من النزاهة والتنافسية.

وقد نشهد محاولات جديدة للتنسيق والبحث عن التحالفات، مثل تلك التي بدأت ضمنا بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية قبل استقالة أخنوش، وربما عودة الصراع والتقاطب بينهما، لصالح حزب ثالث مثل حزب الاستقلال أو غيره.

لكن استعدادات الأحزاب تختلف من حزب لآخر، فحزب الأصالة والمعاصرة الذي يرى فيه البعض المستفيد الأول من تنحي أخنوش، ويرشحه البعض لخلافة موقع ومكانة حزب التجمع الوطني للأحرار، يبدو لحد الآن بدون قيادة واضحة ومنسجمة، قادرة على التعبئة الانتخابية لصالحها، وإبرام التحالفات الضرورية على الصعيد المحلي للفوز الانتخابي.

في هذا الإطار، تسود تكهنات حول مساعي تبذلها قيادة الحزب للبحث عن أمين عام جديد، وهو احتمال قوي، سيجيب عنه الحزب في اجتماع مجلسه الوطني المقبل نهاية شهر يناير الجاري.بالمقابل، يبدو حزب الاستقلال مصرا على الفوز في الانتخابات المقبلة، ولعل أبرز المؤشرات حيوية أدواته وقدراته التنظيمية، وانخراطه في عمليات التعبئة والتأطير على صعيد الجهات، وتماسك مكوناته على خلاف السنوات السابقة، ناهيك عن فعالية شبكاته المحلية. وهي مؤشرات ترشحه للفوز كذلك، لكن يظل العطب الرئيسي بالنسبة لحزب الاستقلال ضعف الوضوح في خطابه السياسي.

لكن الحزبين قد يجدان نفسيهما في وضعية دفاع عن حصيلة حكومة أخنوش، وهي حصيلة تميزت بالمحدودية في تدبير الأزمات الاجتماعية والسياسية، وقد تؤثر عليهما معا.

ومن المرتقب أن يحاول حزب العدالة والتنمية استغلال نقائص ومحدودية أداء الأغلبية الحكومية، وأن يستغل التناقض بين الأحزاب الثلاثة المذكورة، بما فيها التجمع الوطني للأحرار، لاستعادة قوته الانتخابية وتحسين موقع السياسي والمؤسساتي في المرحلة المقبلة.

خلاصة القول أن حدث استقالة/إقالة أخنوش قد خلّف رجة في وسط سياسي وحزبي هش، وسواء كان ذلك بمبادرة منه أو اضطر للتنحي، فإن تداعيات الخطوة ستكون ذات ارتدادات متتالية في المرحلة المقبلة، سواء على تماسك ومكانة حزب التجمع الوطني للأحرار أو على خطط بقية الأحزاب الحكومية أو المعارضة. وهي تداعيات ستحدد بدرجة كبيرة أيضا مدخلات الانتخابات التشريعية المقبلة ونتائجها.