“ردة تشريعية وإهانة للمهنة”.. النواب يهاجمون تعديلات المستشارين على المحاماة ووهبي يدافع عن خريجي الشريعة
فجر تعديلان أدخلهما مجلس المستشارين على مشروع قانون مهنة المحاماة نقاشا حادا بلجنة العدل والتشريع وحقوق الانسان والحريات بمجلس النواب، الخميس 02 يوليوز 2026، بعدما فتحت الغرفة الثانية باب ولوج مباراة معهد التكوين المهني للمحاماة أمام الحاصلين على شهادة الماستر في كليات الشريعة، واقترحت رفع السن الأقصى للترشح لمباراة ولوج المعهد من 45 إلى 50 سنة.
وبينما اعتبر عدد من النواب أن التعديلين يمثلان “كارثة وردة تشريعية وإهانة للمحاماة”، وهاجموا المستشارين البرلمانيين بكونهم “غير ملمين بالمهنة ويمسون بمكانة المحامين”، دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن حق مجلس المستشارين في اقتراح التعديلات، معتبرا أن مباراة الولوج هي الفيصل بين جميع المترشحين، ومتمسكا بفتح المباراة أمام خريجي كليات الشريعة.
كما تدخل رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي رافضا إجراء مقارنات بين المجلسين في ما يتعلق بتقديم التعديلات والتعليق عليها، داعيا النواب إلى احترام العلاقة بين المؤسستين الدستوريتين، في إشارة إلى مجلس النواب ومجلس المستشارين.
وانتهى النقاش الذي عرف سجالات قانونية وفقهية أثارها النواب البرلمانيون لاسيما من الممارسين لمهنة المحاماة، بالإبقاء على فتح المباراة أمام خريجي كليات العلوم القانونية والشريعة، مقابل رفض رفع السن إلى 50 سنة والإبقاء على سقف 45 سنة.
المادة 5 تشعل النقاش
انطلقت التعديلات خلال القراءة الأولى لمشروع قانون المحاماة من مجلس النواب بعدما عدلت لجنة العدل المادة الخامسة، فتم رفع السن الأقصى لاجتياز مباراة ولوج معهد المحاماة من 40 إلى 45 سنة، وحصر الترشح في الحاصلين على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص في العلوم القانونية.
غير أن مجلس المستشارين أعاد صياغة المادة، مقترحا رفع السن إلى 50 سنة، مع تمكين خريجي كليات الشريعة بالمغرب من اجتياز المباراة، وهو ما أعاد فتح النقاش بشأن هذا المقتضى من جديد.
وكان النائب البرلماني سعد بنمبارك من فريق التجمع الوطني للأحرار أول المعترضين على تعديل مجلس المستشارين، حيث اعتبر أن الحاصل على ماستر في الشريعة يمكنه ممارسة الاختصاصات التي يخولها له القانون، غير أن إضافة هذا التخصص إلى شروط الولوج إلى المحاماة “جاءت لإرضاء جهة معينة رغم أن الموضوع سبق أن نوقش وتم الاتفاق بشأنه”.
وأضاف بنمبارك أن أخلاقيات التشريع تقتضي احترام ما تم التوافق حوله، مؤكدا أن المحامي يجب أن يتوفر على تكوين قانوني، وأن إدراج هذا المقتضى من طرف مجلس المستشارين “لا يمكن القبول به”.
ولم يكن هذا الموقف الوحيد، حيث اعتبر النائب لحسن العمود من الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية أن فتح المجال أمام خريجي الشريعة للترافع في ملفات قانونية تقنية، كالقانون الإداري أو التجاري أو قضايا الملكية، سيؤثر على مستوى المهنة، مشيرا إلى أن التجارب المقارنة تتجه نحو التخصص الدقيق داخل المحاماة.
وأضاف أن أعضاء مجلس المستشارين الذين اقترحوا التعديل “غير ملمين” بهذا الجانب، معتبرا أن فتح الباب أمام تخصص الشريعة “يقلل من قيمة المهنة ويشكل إهانة للمحاماة”.
وأمام هذه التصريحات، تدخل رئيس اللجنة طالبا حذف كل ما يتعلق بأعضاء مجلس المستشارين من محضر الاجتماع، مؤكدا أن المؤسستين متساويتان دستوريا، وأن لكل منهما اختصاصاته، فيما تبقى الكلمة النهائية لمجلس النواب.
من جهتها سجلت النائبة شفيقة لشرف ما اعتبرته تضييقا على حق النواب في مناقشة تعديلات وصفتها بالجوهرية، كما تحدثت عن تناقض بين تصريحات وزير العدل خلال مناقشة المشروع، حين أكد أن هدفه الارتقاء بمهنة المحاماة وأن المحامي ينبغي أن يتقن اللغات الأجنبية ويترافع بمستوى عال، وبين قبول تعديل يفتح المباراة أمام خريجي الشريعة.
وأوضحت لشرف أنها لا تنتقص من طلبة الشريعة، لكنها لا ترى في هذا التعديل قيمة مضافة للمهنة، متسائلة إن كان الأمر يتعلق بحشو تشريعي أم بخيار سياسي.
كما انتقدت النائبة البرلمانية وهي محامية رفع السن إلى 50 سنة، معتبرة أن من يلج المهنة في هذا العمر لن يكون قادرا على تقديم الإضافة المرجوة بعد سنوات التكوين، لتسجل أن التعديلين يشكلان “ردة تشريعية ومساسا بمكانة المحامين”.
في المقابل، دافع نور الدين مضيان عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، عن تعديل مجلس المستشارين، مذكرا بأن الدستور ينص على أن البرلمان يتكون من غرفتين متكاملتين، ومشيدا بما اعتبره تحسينات أدخلتها الغرفة الثانية على المشروع.
وقال مضيان إن عددا من كبار القضاة بالمملكة هم من خريجي كليات الشريعة، متسائلا كيف يسمح لهم بولوج القضاء ويمنعون من ولوج المحاماة.
وأضاف بصفته أستاذا بكلية الحقوق والشريعة، أن طلبة الشريعة يدرسون مواد قانونية متعددة، من بينها القانون الجنائي، والقانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون التجاري، والمسطرة الجنائية، وغيرها، معتبرا أن منطق المساواة يقتضي تمكينهم من اجتياز المباراة.
“المباراة هي الفيصل”
وفي رده على انتقادات النواب، حرص وزير العدل عبد اللطيف وهبي على الدفاع عن حق مجلس المستشارين في اقتراح التعديلات، مؤكدا أن العلاقة بين مجلسي البرلمان تقوم على التوازن والتكامل، وأن من حق الغرفة الثانية ممارسة اختصاصها التشريعي كاملا.
وأوضح أن مجلس المستشارين تقدم بأكثر من 200 تعديل على مشروع القانون، قبلت الحكومة 34 منها ورفضت الباقي، مضيفا “لا أريد أن أدخل مجلس النواب في خلاف مع مجلس المستشارين، فهذا موضوع يخصني”.
وشدد على أن التشريع من اختصاص البرلمان، وأن النواب “يمثلون الأمة وليسوا جهات نقابية”، في إشارة إلى جمعيات هيئات المحامين، مبرزا أن من حق المستشارين، مثلهم مثل النواب، اقتراح التعديلات وإثراء النصوص القانونية.
وأضاف وهبي أن هناك توازنا بين مجلسي البرلمان، بل إن مجلس المستشارين يسمى في عدد من الدول “الغرفة العليا”، فيما يسمى مجلس النواب “الغرفة السفلى”، رغم أن الاختصاصات التشريعية لمجلس النواب تبقى أوسع.
وتابع قائلا “أنا أيضا أحيانا يكون سقفي عاليا، ولا أعرف هل النواب أو المستشارون يريدون رفع السقف أكثر مني”، مؤكدا أنه لا يمكنه تجاهل التعديلات التي يتقدم بها المستشارون، مضيفا”أنا أيضا تنتقدني الحكومة لأنني أقبل تعديلات كثيرة، ولأنني أمس بأصل النص الذي صادقت عليه، لكن أقول إنهم ممثلو الأمة، ولهم وجهات نظر، ونحن لا نملك الحقيقة”.
وبخصوص فتح باب ولوج مباراة معهد التكوين المهني للمحاماة أمام خريجي كليات الشريعة، أوضح الوزير أن هذا الموضوع كان محل نقاش واسع داخل مجلس المستشارين، كما نوقش داخل اللجنة التقنية التي أحدثت وحضرها.
وأكد وهبي أن رؤيته تنطلق من أن مباراة الولوج هي الفيصل الحقيقي بين جميع المترشحين، قائلا “ما دام هناك امتحان سيجتازه الجميع، فالنجاح هو الفيصل، والشهادة ليست هي المحدد الوحيد، فقد يكون المترشح راكم تكوينا ذاتيا يؤهله للنجاح”، مضيفا أن طبيعة مهنة المحاماة، باعتبارها مهنة حرة، لا تبرر وضع قيود واسعة على الولوج إليها.
وأضاف أن خريجي الشريعة يلجون بدورهم مهنة القضاء، “ومنهم من ينجح ومنهم من يفشل”، كاشفا أنه طلب إحصائيات من السلطة القضائية لمقارنة أداء خريجي القانون وخريجي الشريعة، ولم تظهر، بحسب قوله، فروقا كبيرة بين الفئتين.
أما بخصوص السن الأقصى للولوج، فأكد وهبي أنه ليست لديه أي إشكالية مع اعتماد 45 أو 50 سنة، قائلا للنواب “اقترحوا التعديل الذي تريدونه”. غير أنه استحضر توصية صادرة عن مجلس المنافسة دعت إلى إلغاء السقف العمري الأقصى لولوج بعض المهن، انسجاما مع التجارب الدولية التي لا تعتمد سقفا زمنيا، موضحا أن المجلس أوصى بإعادة النظر في شرط السن، لأنه يشكل حاجزا أمام إدماج كفاءات مهنية راكمت خبرات متنوعة.
العلمي: لا تهدموا العلاقة
من جهة أخرى، شدد رئيس مجلس النواب على ضرورة الحفاظ على العلاقة المؤسساتية بين مجلسي البرلمان، مؤكدا أن إرساء مناخ من الهدوء والتعاون بين المؤسستين استغرق سنوات من العمل والتوافق.
وأضاف أن من يتابع تاريخ المؤسسة التشريعية سيلاحظ أن مجلس المستشارين دأب على إدخال تعديلات على مشاريع القوانين، وهو ما يندرج ضمن اختصاصاته، داعيا إلى عدم هدم ما تحقق من تراكم مؤسساتي بتنازلات قدمها الطرفان وباعتماد نظام داخلي يؤطر العلاقة بينهما.
وأكد الطالبي العلمي أن الكلمة الفصل في التشريع تبقى لمجلس النواب، غير أن ذلك لا يعفي من احترام باقي المؤسسات الدستورية، مشددا على ضرورة تجنب المقارنات بين المجلسين أو التقليل من أدوارهما، لأن كلا منهما يمارس اختصاصاته وفق ما يحدده الدستور.
وختم رئيس المجلس بالتأكيد على أن التشريع فعل مجرد يقوم على الاختيار وتحمل المسؤولية، معتبرا أن المشرع “مطالب باتخاذ القرار الذي يراه في مصلحة الوطن، حتى وإن كلفه ذلك فقدان الأصوات”، قائلا إنه “يفضل أن يخسر الأصوات على أن يخسر الوطن، لأن الجرأة السياسية تقتضي تحمل المسؤولية كاملة عند سن القوانين”.