تسمين الفراقشية
غالبُ الظّن، إذا كنتَ تؤدّي شعيرة ذبح الأضحية، فأنت أيضاً “أُضحيةٌ” سُفِكَ دمُ قدرتها الشرائية لـ”وجه” لوبيات أسهمت في أن تشتري خروفك بثمن أغلى، ضمن مسار تلاعبٍ يأخذ من المال العام، ويسرقُ من جيبك أيضاً.
ما كشفته مجلتا “ملفات” و”تيلكيل” كفيلٌ بأن يُسقط حكومات. ومع ذلك، لا داعي لأن نتحمّس، فلن يحدث شيءٌ، و”سيبقى الفساد على ما هو عليه”، وستزداد “الشحمة فظهر المعلوف”.
وهل أخطرُ على الوطن من هذا الشعور بعدم الثقة واليأس؟.
الـ”جبروت” ليس في أن نعرف أكثرَ عن الفساد واستغلال المنصب وإهدار المال العام، على أهمية كل ذلك.
الـ”جبروت” الحقيقي أن ينكشِفَ كل هذا ولا يُحاكم أحد، ولا تسقط الحكومة، ولا يُقال مسؤولون.. ولا يُفتح حتى مجرد تحقيق “يُخدِّروننا” به في انتظار أن ينسى الجميع.
الـ”جبروت” يمارسه من يُمسكون بالسلطة التنفيذية من خِناقِها متحالفين مع لوبيات لا تشبعُ مهما كبّدت المغاربة من خسائر.
وظنّي، وليس كل الظن إثم، كلمة “لوبيات” ما عادت، أمام الوقائع المفضوحة، تفي بالغرض. واقعياً، نحن أمام “عِصابات” تؤثِّر في السياسيات العمومية، وتعيد تشكيل الأسواق بشكل غير مشروع، وتبتلع المال العام دون رقيب ودون وجه حقّ، وبلا أثر اجتماعي، وتحقّق هوامش أرباح غير مبررة على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
نملكُ كل الحقّ في توصيف هؤلاء بـ”العصابات” مادامت الدولة، على ما يظهر، إلى الآن، عاجزةً عن ضبطهم. (وهل فعلا عاجزة؟).
وإلّا ننتظرُ من يدُلُّنا من “أهل المعرفة” والقانون عن تكييفٍ آخرَ للتلاعب بالبيانات الرسمية، وللسيطرةَ على السوق من خلال المضاربة والاحتكار، وللتواطؤ بهدف الإضرار بالمنافسة عبر الاتفاق المسبق على سقوف سعرية، وغيرها من الممارسات الإجرامية، غير أفعال العصابات.
على عُهدتهم، يُخبرنا تحقيق الزملاء في مجلة “ملفات” عن 76 مليار درهم (تخيّل!!) قيمة إجمالية للدعم المباشر والإعفاءات الجمركية والضريبية التي منحتها الحكومة لـ”لوبيات” قطاع اللحوم بالمغرب بمختلف مستويات الإنتاج، دون أن ينتج عن ذلك أيُّ أثرٍ لصالح المواطنين. عملية “كريساج” منظّمة للمال العام، وسرقةٌ علنية، مع سبق الإصرار والترصّد، لجيوب المغاربة.
ما يجري تلاعبٌ بدوراتٍ اقتصادية كاملة، عبر تعديّات واسعة على القانون، لتوسيع هوامش الأرباح. بل حتى إجراءات الدعم العمومي الموجَّه أنتجت حلقات جشع يُديرها “بارونات”، تُظهر فجوات هائلة بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع، في ظل غيابٍ للرقابة ( حاميها حراميها).
المشهد استسلامٌ تام للتوحّش ناتجٌ عن اختلالات بنيوية ومُزْمنة، تكرِّس وضعية انتفاع لا أخلاقي ولا قانوني مزدوج، يضرّ بالمالية العمومية من جهة، ويسرق من جيوب المواطنين بشكل مباشر من جهة أخرى.
خذ عندك واحدة مما نشرته “ملفات”، التي أشارت إلى حالة غير قابلة للتفسير والتبرير في دعم استيراد الأغنام لعيد 2023، حيث أعلنت وزارة الفلاحة دعم استيراد 386 ألف رأس غنم بقيمة 193 مليون درهم، فيما كشف مكتب الصرف أن مجموع ما جرى استيراده من الأغنام لم يتجاوز 136 ألف رأس. فسادٌ بالعلّالي وبالفّور يا الشّيفور، وبختمٍ رسمي.
أما أن نُدرك بعد سنة أن الفرضية التي اتُّخذ على أساسها قرار إلغاء شعيرة ذبح الأضاحي العام الماضي يطالها الشك، وأنها قد تكون خدمت هدفاً يترتّب على القول بالنقص الحاد في أعداد القطيع الوطني من الأغنام لتبرير مستويات أسعار جنونية، فهذا مستوى آخر من التلاعب يُنتج قرارات تضرّ بالمصلحة العامة، وبصورة المؤسسات، ولا يخدم إلا فئة متحكِّمة ثبت أن “يدها طويلة”. وهنا لا يسعُ المرء إلا أن “يطلب التسليم”.
رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي بشّرنا بالوفرة مع “قفزة” في تعداد القطيع الوطني إلى 40 مليون رأس في أقل من سنة!!!، ونصح “زملاءه” الشنّاقة بإخراج القطيع إلى الأسواق حتى لا تنزل الأسعار و”هاد الشي اللي بغا المواطن”، مثال حيّ “يتركّل” عن هذا الانكشاف للمال العام والعدوان على القدرة الشرائية للمواطنين، ربطاً بتحكّمه بسوق المحروقات. هو مساهم أصيلٌ في تفشي “جائحة الجشع”، لأنه بتحلُّله من صفته الحكومية إلى التصرّف كرجل أعمال يضرب أخلاق السياسة، ويحوّل البلد إلى سوق خالٍ حتى من “أخلاق السوق”.
لم نعد نحتاج جهداً كبيراً لرسم خريطة سياسية لهذا الفساد المستطير. إنّ الذين اتهموا أخنوش بـ”شراء الانتخابات” على الأرجح كانوا يدركون أنّه يستثمر، وأنه، ومن معه، يتوقّعون عائداً عن “استثمارهم الانتخابي”. الحكومة الحالية هي التمثيل الأبشع لـ”زواج السلطة والمال”، وقد تحوّلت إلى “كلب حراسة” لمصالح “الرأسمال المتوحش”.
قصارى القول
ومع ذلك، سأكون بائعَ وهمٍ آخرَ إذا لم أُشر إلى أصل المشكل. الأمر أعقدُ من أخنوش وكل الواجِهات. هؤلاء الفاسدون لم يسقطوا من السماء. هم نتاج بيئة سياسية تغذي الفساد.
لا نقول شيئاً جديدا حين نشير إلى تلازم الفساد والسلطوية. اقتصاد الريع يخدمُ السلطةَ التي تتمنّع عن أن تكون ديمقراطية. كل نظام سلطوي أو غير ديمقراطي كفايةً يُشغِّل آلةً يُعَشْعِش فيها الفساد والريع كآليتين لترتيب الولاءات، بغرض تأبيد السيطرة.
الإلحاح على الديمقراطية، من جهتنا كصحافة ومجتمع، يعني بالضرورة انتفاءَ الفساد. يعني المحاسبة، وفرض الجزاءات على إهدار المال العام. يعني ربط الحكم بالإرادة الشعبية، لا بمركبات المصالح. يعني وضع أصوات الناخبين بعين الاعتبار، لا رهنَ السلطة والسياسة ومؤسسات التمثيل الشعبي للانتفاع الفئوي.